ظاهرة التحرش!

للأسف الشديد أصبح مجتمعنا المصري يعاني من ظاهرة مذمومة, ظهرت على استحياء ثم استشرت, وهي ظاهرة التحرش بالنساء.

والظاهرة وإن كانت موجودة في كل بلدان العالم, فالذكور في كل مكان يتحرشن بالنساء والفتيات, ولكن غالبا ما يكون هذا التحرش فرديا, وغالبا ما يكون بالكلام!

فالذكر من هؤلاء يلقي بعض الكلمات النابية على مسامع الأنثى –آمنا من تدخل البشر المحيطين, لأن هذه حرية شخصية وهي لم تشتك لأحد!!!- ويترقب رد فعلها, فإذا لم يجد ردا صادا حازما قويا استمر في تحرشه, فإذا وجد مؤشرات استجابة تمادى في إلقاء الكلمات وغير مسارها! وقد يصل الأمر إلى فرض نفسه بالكلام عليها والمشي بجوارها ليجبرها على محادثته!

وهذا يحدث في كل بلدان العالم, وأحيانا يحدث تحرش جسدي فردي بأن يحاول الذكر مس جسم الأنثى –نحن لا نتحدث عن الاغتصاب-, ثم يسارع بالابتعاد.

ولكن الظاهرة الجديدة التي استشرت في مصر هي ظاهرة التحرش الجنسي الجماعي, والتي أصبحت تسيء إلينا كمسلمين بالدرجة الأولى!

تكررت وقائع التحرش أكثر من مرة, وآخرها في حفل ذلك المطرب المحب لوطنه جدا –لدرجة أنه زور شهادة معافاة من الخدمة الوطنية!- تامر حسني! ذلك الشاب الغيور على إخوانه في غزة, الذي ما أن انتهت الحرب على غزة حتى سارع بالدخول لنصرة إخوانه

بينما إخوانه من الأطباء والكتاب والصحفيين والباحثين محجوزين على الحدود, لا يُسمح لهم بالدخول!! لأنهم لم يصلوا بعد إلى تلك الدرجة من الوطنية التي يتحلى بها تامر, حتى يُسمح لهم بالدخول, فالمسألة يا سادة وطنية بالدرجة الأولى, ومن لها غير تامر!!!!!-

ذلك الحفل الذي أقيم بجامعة المنصورة.
فيما مضى كانت حالات التحرش في القاهرة, أما الآن فقد وصلت إلى محافظات الأقاليم, وهذا يدق ناقوس خطر كبير يحتم علينا الانتباه!

ناقوس يعلن: التحرش سيقع في أي محافظة –حتى في الصعيد, وما تحرش الفيوم ببعيد!- إذا ما أتيحت الفرصة.

ونتوقف قليلا لنناقش هذه الظاهرة, هل هي فعلا بهذا الحجم أم أن بها الكثير من التهويل؟

بادئ ذي بدأ لا بد من القول أن التحرش الجماعي يبدأ بحالة تحرش فردية بفتاة في وسط تجمع ذكوري! فتاة غالبا ما ترتدي ثيابا مثيرة خليعة! يتحرش بها فتى وقح معه جماعة من زملائه بالقول (ولا يوجد من يبدأ التحرش وهو بمفرده), فلا ترد أو ترد عليه ردا بذيئا يستفزه أو تبتسم, فيدفعه هذا إلى مد يده ليمسك جسدها

وهنا يتجرأ بعض زملائه المحيطين به فيفعلون نفس الفعل بها أو بزميلاتها المصاحبات, فتصرخ الفتيات وتحاولن الجري!

ولأن الشباب مجموعة وليس فردا فيخشى كثيرون من التدخل للدفاع عن الفتاة أو الفتيات لأنه فرد واحد وقد يضربونه, وهو لا يعرف هذه الفتاة فقد تكون …. وقد … وقد …. فيكتفي بالمشاهدة … والتمتع أيضا, فها هو مشهد جنسي حي يعرض أمامه .. فليكتفي بالمشاهدة.

وإذا اقتصر الأمر على هذا فلن يتحول الأمر إلى تحرش جماعي, ولكن المشكلة أن بعض ضعاف النفوس ينتهزون مثل هذه الفرصة ليتحرش بأي فتاة أو امرأة تمر بالقرب منه, وهذه هي المشكلة!

فالتحرش يبدأ أول ما يبدأ بفتاة مثيرة خليعة –ونجزم بذلك, فلن يُتحرش بفتاة محترمة المسير والملبس- (هذا ما كنا نقوله سابقا أما الآن فللأسف الشديد فأصبح يُتحرش بمقنعات “منتقبات”!!!!)
ثم يتحول الأمر بعد ذلك عند بدأ ضعاف النفوس بالتحرش إلى تحرش أعمى, فلقد أُلغي العقل وتحرك الحيوان ويريد الارضاء, فيتحرش بأي امرأة أو فتاة تصادف كونها في هذا المكان.

ولا يعني هذا أن كل هذا العدد الكبير الذي يُشاهد في مكان التحرش هو من المتحرشين, لا, فالأكثرية الساحقة من المشاهدين وهذه هي الداهية والطامة! يصرخ بعض الشباب بزملائه: هناك ت … في الشارع المجاور, أسرعوا لنشاهد! فيسرعون!

ويسمع الناس المحيطون أصوات فيخرجون للمشاهدة, وهكذا يتكاثر العدد ويتحرك خلف الذكور المتحرشة وخلف الفتيات المتحرش بهن, بدلا من أن يحاول منعهم!

وبالفعل تأخذ الشهامة بعض الأخوة فيمنعون الفتيات عن التحرش, ويحاولون إيصالهن إلى مكان آمن, والمشكلة أن القطيع لا يزال يتحرك ورائهم, ويسول الشيطان لبعض النفوس أن يغتنم هذه الفرصة فيلمس أي فتاة من هؤلاء! فطالما مسهن غيري, فلم لا أغنم أنا أيضا لمسة؟!!

وما حدث في حفل الوطني جدا تامر هو من ذات القبيل, حدث تحرش قليل وتدافع أكثر, تدافع الشباب أولا ليصلوا إلى تامر حسني, ثم تدافعوا ليصلوا إلى الفتيات وينالون من المس جانب, أو لكي يتمكنوا من المشاهدة, وأيضا من الشماتة في البنات!

وبسبب هذه التدافع ألغيت الحفلة ولله الحمد وعاد المطرب الوطني جدا بخفي حنين!

وعندما تُناقش ظاهرة التحرش الجنسي تُناقش غالبا من جانب واحد, وهو السعار الجنسي الذي أصاب الشباب! وكيف أن الشباب الذي لا يجد ما يتزوج وظروف الحياة الاقتصادية هي التي تدفع إلى مثل هذه الأفعال.

ونحن نجرم أن التحرش ليس له علاقة بهذا العنصر, فالشاب الذي يبدأ تحرشا بامرأة في شارع أو في حديقة أو على الشاطئ ليس هو ذلك الشاب المحطم, الذي يريد الزواج ولا يجد, وإنما هو شاب وقح غالبا ما مارس الجنس –كاملا أو خارجيا- مع إناث, شاب وجد أمامه فتاة –وغالبا أكثر من فتاة- مثيرة الملابس والسير, فيبدأ التحرش بها, ثم تتسع الدائرة بعد ذلك.

قد يقال: ما تدعيه صحيح إلى حد ما, ولكن هل باقي من قام بالتحرش مثله؟
نقول: قلنا سابقا أن عدد المتحرشين يكون قليلا جدا وأن الأكثرية الساحقة يجمعها الفضول لمعرفة ماذا يحدث ومنهم من يتوقف ليتمتع بإذلال الفتيات! وهذا يحتم علينا التوقف مع نقطة أخرى هي مكمن هذا البلاء وهي السلبية! فلولا أن المتحرش ومن معه يعرفون أن أحدا لن يتصدى لهم فيما يفعلون لما أقدموا على فعلتهم هذا, ولكن لأنهم يوقنون أن “كل واحد ماشي في حاله” تجرأوا على هذا!

ولولا أن المعاكسات اللسانية ما عاد يتصدى لها أحد ولا يلتفت لها أحد لما ظاهرت هذه الظاهرة, فمن يتصدى الآن لمجموعة من الشباب الذكور الذين يعاكسون فتيات, يُلام على فعله! وقد تأخذ الحمية حمية الجاهلية الذكور فيعتدون عليه بالضرب وليس باللسان فقط!

وليست هذه السلبية من عامة المشاهدين لانعدام الأخلاق ولضياع الحس الديني وإنما لسبب رئيس يغفل عن الأكثرون وهو الشماتة والتروي بما يحدث للفتيات!

فكثير من الشباب أصحاب الأفكار معدومة التطبيق, الذي يرى أنه من المفروض أن يكون كذا وكذا وأن يكون المجتمع بالشكل الفلاني, كما يجب أن ترتدي الفتاة الثياب المحتشمة –وقد يكون هو أصلا ممن يمارسون الجنس بالكلام أو خارجيا لأسباب اجتماعية تتعلق بالفتاة وليس خشية الوقوع في الزنا!!!!!!!

فهؤلاء الشباب يشعرون بالغيظ من هؤلاء الفتيات اللاتي يثيروهن بأجسادهن, -ولا يستطيعون الوصول إليهن-, اللاتي يوجدن أحيانا كثيرة مصاحبات لشباب آخرين, فيتمنون أن يؤدبوا هؤلاء الفتيات, فيشمتون لما يقع بهن!

كما أن كثيرٌ أخر لا يرون ولا يفهمون الثياب الضيقة إلا كإغراء ودعوة للجنس! لذلك فهو يبرر لنفسه فعله بأن هذه الفتاة غير محترمة ولا محتشمة وهي تبحث عن الجنس, وهي غالبا ما تفعله في الخفاء مع أصدقائها, فلم لا ينالني نصيب من هذا الجسد؟! فإذا أنا تحرشت بفتاة فهذا جزاؤها العادل, فماذا تتوقع منا؟ هل نتركها تمارس فقط مع من تحب ونظل نحن في مقاعد المشاهدين؟!

وفي النهاية يجب علينا أن نعترف أننا كشعب –معذرة: شعوب- متخلفة, نعاني من كبت جنسي كبير, شارك في تضخيمه وتهويله الإعلام الهايف –وليس الهادف-, ذلك الإعلام الذي لا يقدم إلا ما هو منحط وتافه!

فعلى سبيل المثال عندنا عدد من قنوات الأغاني ليس موجودا في أوروبا, على الرغم من كوننا أصحاب لسان واحد وهم ألسنة مختلفة!

قنوات تعلم الفتيات الفارغة الذهن الانحلال والميوعة, تعلمها أنها مظهر وجسد وعليها أن تهتم بهما كثيرا وإلا فلن تجذب الذباب –أقصد الفحول الذكور الأزواج أو الأصدقاء!-
عدد كبير من قنوات الأفلام تجتر الناتج السيء لما أنتجته السينما -المصرية خاصة- وتبث الكثير والأكثر من العادات السيئة, ويقلد الحمق!

وتخرج الفتيات الضحايا, اللاتي لم يجدن من يربيهن في بيوتهن, مرتديات أفجر الثياب, منتظرات أن يأتي الشباب المهذب فيقبل أطراف أصابعهن, مستندا على ركبتيه ناظرا إليهن بكل احترام وتقدير.

فلا يجدن من الشباب إلا الكلام النابي والاعتداءات الجسدية, وهذا هو رد الفعل الطبيعي, فزينة المرأة جعلت لزوجها فقط! يحل له أن يفعل فيها وبها ما يشاء, ويفعل لها ما تريد, فلهذا الغرض وُجدت, أما إذا عُرضت لغير الزوج فسيكون مطلبه أن يفعل كما يفعل الزوج, أليس ذكرا؟

وفي نهاية هذا المقال نطرح بعض الأسئلة على الإخوة, ليجيبوا عليها في أنفسهم:
من ترى أنه مسؤول بالدرجة الأولى عن التحرش: الفتاة أم الشاب؟
لماذا يحدث التحرش الجماعي في بلادنا فقط: هل لأننا نعاني من الكبت أم من فقدان النظام أم من كليهما؟
هل تحبذ منع الفتيات والنساء من التواجد في الأماكن المزدحمة بالرجال؟
هل تحمل الفتاة, التي توجد في أمثال تلك الأماكن مسؤولية ما يحدث لها أم لأهلها أم للمتحرش أم للجميع؟
ما هو العلاج الأمثل في رأيك للقضاء على التحرش؟
هل تعتقد أن مستوى “الغيرة على المرأة” قد قل في مجتمعنا المصري تحديدا والمجتمعات العربية عموما؟
هل تعتقد أن نظرة المجتمع لعلاقة الشاب بالفتاة قد تغيرت كثيرا؟
هل تعتقد أن تيسير الزواج في مجتمعاتنا سيقضي على التحرش؟
هل تظن أن المستوى الأخلاقي لشبابنا –المحسوب على الإسلام- مثل أم أقل من المستوى الأخلاقي للشباب الغربي؟
هل جال في خاطرك في يوم من الأيام أن تتحرش بفتاة مرت أمامك, ولماذا إذا كان حدث؟
هل تعتقد أن كثيرون يفهمون ما معنى الجنس وما هو دوره في حياة الإنسان؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.