قدوة الشتات!

“الشتات”
يحرص جُلنا على ألا يقع أبناءنا فريسة للشتات, فلا يستطيعون تحديد ماذا يختارون ولا ماذا يفعلون, ويريدون أن يكون أبناءهم حاسمي الاختيارات فيقررون سريعا أو حتى بعد تفكير معقول ما هي وجهتهم وما هو اختيارهم!

ولكن للأسف لا يزيد حرصنا هذا عن مجرد أماني وخواطر نفوس, بينما نكون نحن –كآباء وكمجتمع- من أكبر أسباب شتات الأبناء, وإخراجهم مذبذبين, لا إلى ذلك ولا إلى هؤلاء! إذ ندمر لهم “منطقهم” ونضرب لهم “القدرة على الحكم” على الأمور بشكل سليم في مقتل.

وذلك من خلال الازدواجية الكبيرة التي يراها النشأ على أيدينا وألسنتنا, فهو يسمعنا نأمره بفعل أمور .. ونبرر له هذا بأنها طيبة وأنه بفعلها يصبح إنساناً جيداً محبوباً من ربه, ويسمعنا ننهاه عن فعل أمور أخرى لأنها مما يقبح المرء بفعله, ولأنه تبعد الإنسان عن ربه!!

ثم يجدنا النشأ نخالف ما نقول له, فيجدنا نسكت ونتقبل بعض ما كنا نُحذر منه, بل ونقوم ب –بعض- ما ننهاه عنه, ونترك –بعض- ما نأمره به! فيجدنا ننهاه عن السباب ولا نكف عن سبه ليل نهار على الكبيرة والصغيرة! يجدنا ننهى عن الكذب ويجدنا نكذب وننافق! ننهاه عن التدخين والسجائر في أفواهنا! نأمره بالصلاة ونحن لا نصلي!

ولا يقتصر الأمر على هذا, بل يجدنا بعد فترة نأمره بفعل ما كنا ننهاه عنه, وأن عليه أن “يساير الناس” وأن “يسلك أموره” و”اللي تكسب به العب به”! وأن الإنسان الجيد ليس ذلك فاعل الصالحات تارك السيئات,
وأنه ليس ذلك المتسامح الذي يعفو عن الآخرين المسيئين له, وإنما ذلك الذي “يتغدى بالآخرين قبل أن يتعشوا به!” ذلك الذي ينجح في تحقيق مكسب مادي! تلك التي تنجح في جذب الرجال إليها لتصيد منهم زوجاً!

وهنا يقف النشأ أمام مفترق طرق, فهل يتبع المبادئ ويلتزم طريق الدين والأخلاق؟ أم يسير في “الطريق العملي” الذي سيوصله إلى مبتغاه؟ وغالباً ما يختار الطريق الثاني, لأنه اختيار الأكثرية وهو الذي يراه بعينه حوله من أكثر الناس, بينما الطريق الأول هو طريق “مثاليات” لا وجود لها في الواقع!

وهكذا يكتفي أكثرنا بأن يكون “الصواب والخطأ” وأن هذا ما ينبغي فعله وهذا ما ينبغي تركه, مجرد قناعات وأفكار لديه في ذهنه, ربما .. ربما سيحاول في يوم من الأيام أن يلتزم بها, ولكنه سيعمل هو الآخر على تلقينها لأبنائه بلسانه… ومخالفتها بأفعاله!
وهكذا يظل هو يعاني فترة طويلة من حياته من ضميره الذي ينغص عليه لأنه يعلم أنه لا يسير في الطريق الصحيح! ولكن مع الوقت يخفت صوت الضمير أو يموت الضمير تماماً, وهنا يزداد ارتكاباً للمحرم بلا تحرج!!

إن هذا الانحراف الكبير الذي يحدث في مسار الإنسان يمكن تجنب النصيب الأكبر منه من خلال “قدوة حسنة” متمثلة في الوالدين! تنصحه وتشجعه وتحببه في القيام بالأعمال الصالحة وتنفره من تلك الطالحة! قدوة تفعل هذا بأفعالها بالانسجام مع أقوالها! فتأتي الأفعال مؤيدة للأقوال, وتكون الأقوال مبينة للحكمة من الأفعال والنتيجة المترتبة عليها .. ولو بعد حين!

نعم, نعلم أن للأصدقاء دور كبير في تشكيل شخصية الإنسان, وللمجتمع وقيمه كذلك, ولكن تظل التوجيهات الأبوية الممزوجة بصورتهما وأفعالهما قادرة على مواجهة ضغوط الحياة والمجتمع ..
ويظل الوالدان النموذج والمَثل الذي ينظر إليه الإنسان! فأب ناصح ناجح في حياته وفي عمله بكل شرف وأمانة بعيداً عن الخداع والغش سيكون خير “سياج” يمنع الابن من السير في طرق معوجة, وأفضل “مكابح” تقلل من جموح الابن واندفاعه! فهو –الأب- خير برهان على أن الإنسان يمكن أن ينجح اعتماداً على مبادئه وهو ليس بحاجة للتنازل عنها!

وكذلك أم حنون هادئة صبورة نشيطة عذبة اللسان خير سبيل لسكب مشاعر الحب والحنان والمودة في نفس الفتاة, ولإخراج “مستودع مشاعر وأحاسيس” جديد للمجتمع (امرأة صالحة) وخير محفز على تكرار هذا النموذج وتلك التجربة الأموية اللذيذة الرائعة .. وتكوين أسرة جديدة وإنجاب ذرية صالحة!

في الختام
أود أن أهمس في آذان الآباء الحاليين وآباء المستقبل من الشباب الذين يرغبون في تجنب أخطاء الماضي:
التربية لا تقتصر على الكلام ولا النصائح المرسلة
وهي حتما ليست أوامر ونواه توجه بانفعال وبصراخ في حال انفعال كلوم وعتاب أو في حالة عقاب على فعل خاطئ ارتكبه الطفل-, وإنما تتعدى كذلك إلى الفعل!
فما نفعله  وما لا نفعله يلعب الدور الأكبر في تشكيل قناعات الطفل وتحفيزه على الفعل أو الترك! وقديما قيل: ليس قول ألف رجل في رجل مثل فعل رجل في ألف رجل! وكان رسولنا النبي الأعظم خلقه القرآن, وكان لا يأمر بشيء قبل أن يلتزمه هو! لذا كان لأمره ونهيه الوقع الأكبر في نفوس صحبه .. فهو كان لهم –ولنا وللبشرية جمعاء- خير قدوة لناصح عامل حريص علينا!

إن الناس –والأطفال منهم- تعمل بما ترى وليس بما تسمع, فمهما نصحنا بدون عمل فليس لنصحنا أي أثر إلا .. الشتات .. فإما أن نقدم لهم بذواتنا قدوة حسنة نهديهم بها استقامة ووضوح سبيل وتحديد غايات .. وإما أن نستمر في إنتاج حلقات جديدة من مسلسل .. الشتات!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.