التطوع الجماعي!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن مسألة تغيب عن أذهان كثير منا عند عمله للخير وهي “الجماعية”! فإذا نظرنا في أحوال المسلمين وجدنا أن كثيراً منهم –ولله الحمد- يساهم في عمل الخيرات, ابتغاء مرضات الله!

إلا أن المظهر الغالب على هذا العمل هو الفردية والمالية! فنجد أن كل إنسان يعمل بمفرده, وأن أكثر المساهمات من المسلمين هي الإنفاق لوجه الله!


وهذا أمر طيب ومطلوب, ولكن على الرغم من المبالغ الطائلة التي ينفقها المسلمون, إلا أننا نجد ونقابل كثيرا من وجوه الفقر والبؤس والشقاء, فلم تكن تلك المبالغ الطائلة إلا بعض “المسكنات” التي تخفف من وطأة الألم, والذي سرعان ما يستحوذ على المعانين منه!

وهذا الأمر يرجع إلى عدم وجود تنظيم وتوجيه كافيين لعملية التطوع! فنسبة لا بأس بها من هذه الأموال تذهب في بناء المساجد وتزيينها بشكل مبالغ فيه!

وبغض النظر عن هذا فليس الأمر مجرد أموال تعطى أو يشترى بها طعام وشراب وثياب! فلقد أصبحت متطلبات الحياة أكثر تعقيدا من سابقٍ بكثير!


ومن ثم فعلى المسلم الذي يسعى لتحقيق قول نبيه المصطفى “المؤمن للمؤمن كالبنيان …” و “مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد …” ألا يقتصر على إخراج المال, حتى ولو كان ما يخرجه كثيرا! وإنما يساهم بنفسه في مساعدة الآخرين! ورفع وتخفيف وطأة البؤس الذي يعانونه!

فيزكي عن نعمة الصحة والفراغ بالمشاركة بجهده وعلمه, ولقد روي عن النبي أنه قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس, الصحة والفراغ”.

فإذا كان طبيبا مثلا, يخصص يوما كل فترة يفحص فيه المرضى ويجري لهم العمليات الجراحية مجانا أو بشكل شبه مجاني, وإذا كان مهندسا يساهم بتخطيط الأبنية وتعليم غيره …. وهكذا!


فالمساهمة بالجهد والعلم هي الزكاة الحقيقية التي ترد الفضل للمجتمع, والمساهمة الفعالة التي تلعب الدور الرئيس في تغيير حاله!

نعم, يفترض في الحكومات أن تقوم بالدور الأكبر في هذه المسألة, ولكن كما نعلم فللحكومات العربية الرشيدة!! أجنداتها وخططها الحكيمة! التي قد تغفل عن كثير من احتياجات مواطنيها, ومن ثم فعلينا نحن أن ننهض لرأب هذا الصدع والثغر!


ولن يفلح جهد فرد في إصلاح حال جماعة, وإنما تحتاج الجماعة إلى جماعة لتتكفل بأمورها, ومن ثم فعلينا أن ننضم ونتكاتف ليصل الخير إلى أكبر قدر من المستحقين, كما قال ربنا العليم الرحيم: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة : 2]”

ومن أفضل طرق تفعيل وإنجاح هذا النشاط هو إنشاء الجمعيات الخيرية, ذلك النشاط الذي لم يأخذ المكانة المستحقة في بلادنا الإسلامية العربية!

فعلى الرغم من وجود جمعيات خيرية عديدة في بلادنا, إلا أنها غير كافية لتغطية احتياجات المحتاجين في مختلف أنحاء البلاد, كما أن هذه الجمعيات غالبا ما تتركز في عاصمة المصر, وفي بعض المدن الكبرى, ثم نجدها تظهر على استحياء في المدن الصغيرة وبعض القرى!

وعلى الرغم من توفر المال والوقت عند كثير منا –وخاصة من هم في مرحلة “المعاش”- إلا أننا نجد أكثرنا يضيع عمره هباءً منثورا! ولا يفكر في الانضمام إلى مثل هذه الجمعيات, ناهيك عن إنشاءها!!

لذا فإننا ندعو إخواننا الشباب بتعريف الكبار بفضل هذه الجمعيات الخيرية, ودورها الكبير في إيصال الخير إلى مستحقيه, واختلاف أثرها عن النشاط الفردي,
فمثلا نقول لهم أن الذي يعطي الفقير مالا يغنيه عن السؤال ليوم أو لأيام ثم يعود إلى السؤال مرة أخرى! ولن يستطيع الإنسان الفرد أن يفعل للفقير أكثر من هذا,
بينما يمكن للجمعية مثلا أن تعلم الفقير مهنة أو حرفة يكتسب منها قوت يومه, كما قد توفر له أدوات المهنة, والتي قد تكون بمبالغ كبيرة لن يعطيها له الناس بطبيعة الحال!

والمثل الصيني يقول: خير من أن تعطيني سمكة كل يوم, علمني كيف أصطاد السمك!
فالفرد يعطي السمكة بينما الجمعية تعلم الصيد!

وعلى كل أن يتفنن في إقناع الآخرين, فما قدمناه هو نموذج ومثال واحد للفرق بين الإنفاق والعمل الفردي وبين التطوع الجماعي في إطار جمعية!


ومن ثم يحاول أن يقنع من يجد لديه مالا واستعدادا وأمانة بالبدء في إنشاءها, أو التطوع فيها – إذا لم يفلح إنشاء واحدة أو لم يجد من يسانده للقيام بمثل هذه المشاريع- وبهذا يكون الإنسان قد أسدى إلى والده أو قريبه خيرا,
بأن أوجد له عملا ينشط فيه, بدلا من الشعور بالكسل والخمول وعدم الفائدة الذي يسيطر عليه حتى يقتله!
كما يكون قد أسدى خيرا لغيرهم بالمساهمة في وصول الخير إليهم.


كما ندعو الآباء إلى إقناع أبناءهم بالانضمام تحت لواء واحدة من هذه الجمعيات الموجودة, ليستغل وقته, فكثير من الشباب يرغب في فعل الخير, ويجد في نفسه نشاطا وطاقة ورغبة وتفرغا لذلك, ولكنه لا يجد من يوجهه, فإذا سأل عن ذلك نُصح بالصلاة والصوم وقراءة القرآن!

فعلى الشباب أن يستغل فتوته وشبابه في نفع الغير وبذلك يكون من خير الناس, فخير الناس أنفعهم للناس! فهذا أفضل بكثير من إضاعة الأوقات في جدال عقيم على الشبكة المعلوماتية, حول مسائل هامشية في فروع الدين!
وبعد أن ينضموا إلى الجمعيات ينصحوا غيرهم بالانضمام إليها, والمشاركة معهم في فعل الخير واستغلال الوقت!


كما ندعو رجال الأعمال الأثرياء أصحاب الأموال الطائلة بتزكية أنفسهم وأموالهم بإنشاء مثل هذه الجمعيات, فهم الأقدر على الإنشاء والإدارة والتوجيه, بدلا من أن يكنزوا الأموال ثم ينفقونها في بناء المساجد المزخرفة!

وهذا هو الفارق بيننا وبين الغرب, فعلى المستوى الفردي نجد أن الإنفاق عندنا مثلهم أو يزيد, إلا أنهم يسبقوننا بشدة في العمل الجماعي التطوعي, فنجد أن نسبة كبيرة منهم تتطوع في مثل هذا العمل,

كما أن رجال أعمالهم –الذين نصفهم بالجشع- يخرجون الملايين بل ومئات الملايين في الأعمال الخيرية, من تعليم وصحة وثقافة … الخ! وهذا ما لا نجد إلا معشار معشاره عند رجال أعمالنا الذين لا تفارق المسبحة أياديهم!!


فإذا نجحنا في نشر ثقافة العمل التطوعي الجماعي بيننا فستكون هذه هي الخطوة الأولى لنجاحه وجني ثماره! نعم, نحن نعلم أن هناك بعض المعوقات, مثل بعض الأمور الروتينية, كما أن هناك بعض التخوفات القابعة في نفوسنا.

فقد يستثقل الإنسان الانضمام إلى جمعية خيرية مخافة المسؤولية وعدم التفرغ, ولكن الأمر ليس بالصعوبة البالغة, فالجديد يُكلف بالأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى مهارة مخصوصة, ومن ثم فلا مكان لهاجس الإخفاق!

كما أن الانضمام لا يعني الإلزام بالعمل, فقد يُطلب مرة ومرات فيعتذر, كما أن كل إنسان هو الأدرى بأوقات فراغه, ومن ثم فهو يبلغهم ابتداءً بها, حتى يطلبونه فيها وليس في غيرها!

وكل إنسان يستطيع أن يشارك بمهارته في الجمعية, وبهذا ليس هناك أي ثقل على الإنسان, فأنت تعمل فيما تتقن, كما أن علينا أن نعرف طائفة العمال والمهنيين بهذا الفضل والثواب, فكثير منهم يقبل العمل بدون أجر في المسجد ويغفل عن هذا الباب الكبير للثواب!
فنقنعهم مثلا بأن يعطوا أرقام هواتفهم للجمعية ليتصلوا بهم إذا احتاجوا إليهم, فيعملون للجمعية بأجور زهيدة أو بدون مقابل أحيانا!

فإذا نحن نجحنا في استقطاب شرائح كثيرة من المجتمع للتطوع في الجمعية الخيرية فسيٌكتب لها –بإذن الله وعونه- النجاح والاستمرار, وسيرى الناس ثمارها, ومن ثم سيشجعهم هذا على الانضمام إليها والمساهمة فيها, فهي باب من أبواب الصدقة الجارية:
وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة : 105]


وبهذه الجمعيات, التي تعلم وتعالج وتثقف وتوعي, وتوفر فرص العمل, وتؤهل الإنسان للحصول على العمل, نساهم في إخراج إنسان سوي لا يشعر بالنقص ولا باستعلاء الآخرين عليه, فهو لا يمد يده لغيره ليعطيه, فيمن عليه, وإنما تعامله مع مؤسسة, مثل كثير غيرها من المؤسسات المنتشرة في البلاد, تقدم له ما يحتاج مقابل مبالغ زهيدة أو بشكل مجاني!!


فلنسع لإنشاء جمعيات خيرية –يحتاجها المجتمع فعلا- توصل الخير إلى أكبر قدر من المستحقين, نضمن بها استمرار أجورنا عند ربنا, والحب في قلوب إخواننا, ونقضي على البغضاء والشحناء في صدور المحتاجين! فإن لم ننجح في الإنشاء فلنساهم في إنجاح الموجود فعلا!

والسلام عليكم ورحمة الله

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.