ما هو الحب ؟

من أصعب المشكلات التي تقابل الإنسان هي تلك التي تقابله عندما يحاول أن يقوم بتعريف شعور من المشاعر التي يمر بها الإنسان أو يشعرها أو يستشعرها . ومن أجمل هذه المشاعر – إن لم يكن أجملها – وأسماها وأحلاها وأكثر ما ينتظره الإنسان وما يبحث عنه هو ذلك الشعور الجميل المسمى بالحب بأشكاله المختلفة .

وللأسف الشديد إذا ذكرت كلمة الحب هذه الأيام اكفهرت وجوه وقلوب بعض الأخوة المتزمتين لأن الحب عندهم لا ينصرف إلا إلى تلك العلاقة المختلسة بين شاب وفتاة أو رجل وامرأة غير متزوجين !
كأن هذا هو مجال الحب الوحيد مع أن هذا الصنف المتخيل هو أدنى درجات الحب وأخسها ! وينسى هؤلاء المتزمتون درجات الحب السامية العالية التي يجب على كل إنسان مسلم كان أو غير مسلم أن يتحلى بها .

فعلى كل إنسان مسلم أن يحب ربه ويحب رسوله ويحب صحبه المخلصين ويحب إخوة الدين الملتزمين ويحب أهله وأصدقاءه ويحب جيرانه ويعشق زوجه وأبناؤه وعليه أن يحب كل الناس , ويحب الإنسان الخير ويحب حب الخير كما كان النبي والأنبياء يفعلون . بل إن النبي المصطفى نفسه يحمل لقبا متعلقا بالحب مختصا به فإذا ذكر ” الحبيب ” هكذا مجردا انصرف ذهن الإنسان المسلم إلى النبي المصطفى .

لذا فنحن عندما نتكلم عن الحب وحب الله فنحن نتكلم عن مشاعر سامية حثنا عليها الإسلام ويجب على كل إنسان مسلم أن يتحلى بها , لا أننا نتحدث عن محرمات أو مكروهات أو نخوض في باب من الترف من الأولى للإنسان أن يبعد نفسه عنه ويشغل نفسه بجادة الأمور .

ونقول لمن يفكر هذا التفكير : إنك لا تفقه في النفس أو عنها شيئا , فأكبر محرك للإنسان هو الإيمان بالشيء وحبه للمؤمن به . فقد أومن بشيء وأعتقد صوابه عقلا ولكن لعدم وجود تعلق قلبي به لا أتحرك له قدر أنملة أما إذا كنت له من المحبين , فأنا أبحث عن رضاه بأي شكل كان , ويصبح كل هدفي في حياتي إرضاء محبوبي , فأنا أنام الليل أفكر فيه وأظل النهار ألهج بثناءه , وأذكره أمام أصحابي وأقربائي وأحكي لهم دوما أقواله وأفعاله مفتخرا بها تمام الفخار! فتصور أخي الحبيب لو أصبح الله ودينه الإسلام هما حبنا كيف يصير حالنا !

ونأتي الآن إلى تعريف الحب , ما هو الحب ؟

فإذا أتينا إلى تعريف الحب أقررنا أن تعريف المشاعر سيظل أبد الدهر من التعريفات النسبية التي لا تسمن ولا تغني من جوع , فأفضل تعريف للمشاعر هو ما يشعر به الإنسان نفسه ولكنا نحاول أن نقوم بتحديد للمفاهيم , وكعادتنا قمنا قبل أي شيء بالنظر في لغتنا الجميلة الصحيحة لنستخرج منها ما هو معنى الحب

, فإذا نظرنا في مقاييس اللغة وجدناه يقول عن ” الحاء والباء ” أنهما يأتيان بمعنى اللزوم والثَّبات، وكذلك الحَبّة من الشيء ذي الحَبّ. ودوما تكون لنا اللغة عونا في تحديد المفاهيم

وفعلا كما نجد في اللغة نجد أن الواقع مطابق لها تمام التطابق فالحب يأتي بمعنى التعلق بالشيء والارتباط بها فيلازمه الإنسان , وهذا التعلق والارتباط ليس تعلق أصيلا , فلا يولد الإنسان محبا لشيء , بل هو تعلق ناتج ينبت ويخرج من قلب الإنسان كنتاج لأحوال شتى ولظروف مختلفة لذلك ينمو الحب وينبت ويترعرع متعلقا بالمحبوب , فإذا فقد اللزوم والثبات والاستقرار بسبب مشاكل مختلفة أو بسبب بعد بدأ الحب يخفت ويزبل كما تزبل وتموت الحبة من النبات .

إذا يمكننا أن نعطي تعريفا للحب نابعا من المعنى اللغوي للأصل – والتعريف لنا – ” ح ب ” فنقول : الحب شعور نام بالتعلق والارتباط قابل للزيادة وللموت لا يتفرد به الإنسان ينبع من القلب كرد فعل لفعل أوقول أو صفة طرف آخر .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.