سورة الدخان ورفع العذاب عن المستضعفين

واصل بفضل الله العظيم الكبير تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بإذن الله اللطيف لسورة الدخان, فنقول:

قبل بعثة الرسول الكريم كان هناك جمع من العرب لم يقتنع بعبادة المشركين ورأوا فيها انحرافاً عن دين الله القيم, وصارحوا أقوامهم بضلالهم, فما كان من أقوامهم إلا أن اضطهدوهم وعاملوهم أشد المعاملة, فكانوا يدعون الله السميع أن يرفع عنهم ما بهم وأن يرسل رسولا يبين الضلال من الصواب وينذر المفسدين.

وفي ليلة مباركة يفرق فيها كل أمر حكيم أنزل الله الكتاب المبين لينذر وأنزله رحمة فهو السميع العليم, وهو في كل الأحوال كان مرسلاً.

وعندما جاء الرسول الكريم لم يقنع هؤلاء بما قاله الرسول واستمروا على نهجهم القديم في اضطهاد المخالفين لهم في الدين, وحاولوا أن يمنعوا عبيدهم والمستضعفين من الدخول في الدين وساموهم أشد العذاب ولم يقتصر الأمر على التعذيب الجسماني فكانوا يطعمونهم أسوأ الطعام وأقله, وكانوا يستهزئون بالمؤمنين, قائلين:
ألم يجد الله إلا هؤلاء الأذلاء ليؤمنوا به. مستبعدين أن تقوم لهم قائمة أو أن ينزل بهم هم العذاب جزاء على كفرهم.

فأنزل الله سورة الدخان كإنذار جديد (في سلسلة من الإنذارات المتوالية لرفع العذر لعلهم يتذكرون) يحذرهم نزول عذاب بهم في الدنيا قبل الآخرة جزاءً لهم على أفعالهم, مبيناً أنهم ليسوا أكبر من أن يُنزل بهم العذاب أو أن يُهلكوا (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه), فهو يحيي ويميت,
مذكرا إياهم بما حدث لقوم فرعون الذين رفضوا أن يعطوا بني إسرائيل لموسى-, فإن لم تؤمنوا بمحمد فدعوا غيركم يؤمن به, أما المستكبرون فسينزل بهم عذاب أسوأ مما كانوا يفعلون بالمؤمنين.

والاتصال بين سورة الدخان والسورة السابقة لها جلي, وهي بمثابة امتداد واضح لها, فلقد بدأت سورة الزخرف بالحديث عن إنزال الكتاب المبين وكيف أنه من غير المقبول أن لا يُنزل عليهم الذكر وهم قوم مسرفون, وعرضت السورة لمطالبة المشركين بتحويل الرسالة إلى قوم آخرين

وهنا تبدأ السورة بالحديث كذلك عن إنزال الكتاب المبين, وعن الحكمة في إنزاله, فالله السميع أنزله رحمة لقوم ينادونه يطلبون الهداية ورفع العذاب, فهم أحق قوم يرسل إليهم (كما اختار بني إسرائيل على علم على العالمين) وإنذارا لقوم مسرفين لعلهم يتذكرون, كما نلاحظ استمرار الحديث عن الآباء الأولين.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت بهذا التصور:
بدأت السورة بالحديث عن الكتاب المبين وعن إنزاله في ليلة مباركة, وأنه كان سينزل حتما للإنذار, وفي هذه الليلة يفرق كل أمر حكيم

وفيها قضى الله أن يجيب دعاء الداعين الذين يسألونه الهداية ورفع العذاب فأنزل أمرا من عنده رحمة منه فهو السميع العليم رب السماوات والأرض وما بينهما لا إله إلا هو يحيي ويميت, (يحيي أقواما ويرفعهم ويهلك آخرين بأفعالهم).

وعلى الرغم من هذه الإنذارات فإنهم غير موقنين ولا مؤمنين وإنما هم في شك يلعبون, فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين, ساعتها سيفيقون ويزعمون أنهم مؤمنون, على الرغم من زعمهم أن الرسول الذي جاء إليهم معلم يأتيه الجن!!! وإذا كشفنا العذاب قليلا –مجرد تخفيف للدرجة- فسيعودون

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)

وهؤلاء ليسوا استثناء فلقد فُتن قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول يدعوهم أن يعطوه عباد الله –من بني إسرائيل- وألا يعلوا على الله, وأعلمهم أنه استعاذ بالله من أن يرجموه –لمخالفته دينهم- وطلب إليهم أن يتركوه في حاله إن لم يؤمنوا له, ثم دعا ربه أنهم مجرمون فأُهلك الظالمون وورث قوم آخرون النعمة التي كانوا فيها

أما هم فلم يكن لهم كرامة ولا باك (وفي هذا إشارة إلى أن السماء والأرض تبكي على هلاك الناس إلا على الظالمين المفسدين) ونجى الله بني إسرائيل الذين اختارهم على علم:

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)

وبعد أن قدم الله الرد مقدما على الظالمين –كعادة القرآن- يذكر مقولة المكذبين بالنشر القائلين أنه ليس هناك إلا الموتة الأولى –التي كانت قبل أن يُخلق الناس- التي كان بعدها نشر, أما الموتة الثانية فهي القاضية ولا نشر بعدها (ومن ثم يظهر انها لا وزن لها) ثم يعقب ردا على مستكبري الإهلاك بالتساؤل:

هل هم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكهم الله لأنه كانوا مجرمين! إن الله سبحانه لم يخلق الكون عبثا ومن ثم فهناك يوم للفصل بين الناس وهو ميقاتهم أجمعين وهناك لن يغني مولى عن مولى شيئا

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)

وفي ذلك اليوم ستنقلب الصورة فيكون طعام الأثيم من شجرة الزقوم –والجزاء من جنس العمل- وسيعامل أسوأ المعاملة ويهان, بينما المتقون في مقام أمين آمنون منعمون (على النقيض من حالهم في الدنيا على أيدي الظالمين) لا يذوقون الموت إلا الموتة الأولى (موتة الطين قبل أن يبعثوا) ووقاهم عذاب الجحيم (بينما يذوقونهما الآخرون)

إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)

وكما بدأت السورة بالحديث عن الكتاب المبين تُختم بالحديث عنه كذلك وبالقول أنه إنما يسر بلسان الرسول لعلهم يتذكرون …. لعلهم! فارتقب إنهم مرتقبون:

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

وبعد أن بينا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة والأجواء التي نزلت فيها ندعوه لقراءتها مجددا مرة واحدة, فسيفتح الله عليه فيها بفضله ما لم نذكر نحن إنه هو الفتاح العليم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.