Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-01-02 08:09:32Z | |

اقتلوا الشر …. ولكن!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الصراع الأبدي الدائر بين الخير والشر!
ولن يكون حديثنا حديثا شاملا لهذا الموضوع وإنما يتعلق بنقطة صغيرة منه, وهي كيفية تقديم الشر لأولادنا ولأنفسنا وكيف نُصور القضاء عليه!


الناظر في حال الجماعة الإنسانية على مر العصور يجد أنها تربي أبناءها الذكور على القتال والقتل! فقديما كان الآباء يعطون آبناءهم سيوفا خشبية أو يصنعها الأولاد لأنفسهم. وفي زماننا هذا أصبحنا نشتري لأولادنا المسدسات والبنادق!

ويدخل الأولاد في معارك وهمية يتقاتلون فيما بينهم!
فإما أن يمثل فريق منهم اللصوص أو الأشرار وفريق آخر الشرطة أو الأخيار, ويكون دور الأشرار في هذه التمثلية الانهزام, ودور الشرطة أو الأخيار هو القضاء عليهم!
وإما أن ينقسم الأولاد إلى فريقين ليسوا بأشرار ولا أخيار ولكنهم على أي حال يقتتلون, ويسعى كل فريق أن يقتل أفراد الفريق الآخر!
وبداهة ليس لدى الأولاد أي مبرر لقتل الفريق الآخر أو لقتاله, ولكن المهم أن عليهم أن يحاربوهم!

ويتوقف المرء مع هذه النقطة, فعلى الرغم من قبولنا وتفهمنا بل وأمرنا بأن نربي أبناءنا –الذكور- على الشجاعة والإقدام, حتى يستطيعوا أن يكونوا رجالا قدّامين فيما بعد, يتولون شئون الأمة, إلا أن الشجاعة لا تعني دوما أن نقتل الطرف الآخر أو ننحيه!

قد يرى بعض القراء أن لعب الأطفال هذا ينمي عندهم لا شعوريا مسألة رفض الشر والسعي للقضاء عليه, ونحن نتقبل هذا القول لأنه لا قتل حقيقي ولا دماء وإنما جري وقنص! ولكنا نتساءل:
هل القتال والقتل الافتراضيان –والذي لا يقر به الطرف الآخر أبدا, فتجد دوما الأطفال يتشاجرون, لأن كل واحد منهم يدعي أنه هو من قتل الآخر أولا!- والذي نوجه أطفالنا إليه منذ صغرهم هو أفضل وسيلة؟!

الواقع يقول أن كثيرا من الأطفال الذين يقتلون يوميا آلافا من الأعداء –في الوهم والخيال وليس في الواقع- هم جبناء وليس عندهم أي دافع أو قدرة على الإقدام!
وذلك لأن الواقع الافتراضي المصطنع! لا يؤثر في الإنسان إلا سلبا! لأنه في نهاية المطاف يلهو ويلعب, وطالما أن الأمر ينظر إليه على أنه لعب, فلن يؤثر في من يقوم به بخلاف الواقع الذي يعيشه الإنسان!


وليت الأمر اقتصر على الصغار وإنما تعداه إلى الكبار, فنجد أن أكثر الأفلام جذبا للمشاهدين هي أفلام العنف, والتي تدور في فلك انتصار الخير على الشر في نهاية المطاف! ولكي أقدم هذا المعنى النبيل للمتلقي أغرقه في بحور قتل وتعذيب وتحريق … إلخ السبل الدامية!

وآفة هذه الأفلام أنها تقدم طريقة القضاء على الشر بالعنف, فالبطل يقاتل طيلة الفيلم ويقتل حتى ينتصر على أعدائه ويحقق أهدافه! كما أنها تسقط قيمة الإنسان, فذلك الذي يسعى لتحقيق الخير يقتل (على الفاضي والمليان), وهكذا تصبح النفس البشرية رخيصة عند كثير من المتلقين!
كما يُمحى الخط الفاصل بين الخير والشر, لاتحاد الوسائل التي يستخدمها الأخيار والأشرار, ويبقى الخلاف الوحيد في الغاية, فهذا يتحرك لغاية خبيثة, والآخر لغاية حسنة!

ومن المفترض أن يكون ثمت فارق شاسع بين وسائل وسبل الأخيار وبين أدوات وأفعال الأشرار!

وهكذا يظهر أن سبل معالجة الجماعة الإنسانية للشر تتسم بالطفولية بل إنها تؤدي في سعيها لترسيخ قيمة القضاء على الشر إلى ظهوره وتفشيه!
والذي نراه أن القضاء على الشر لا يكون بترك أولادنا يتقاتلون –افتراضيا- ويقتلون أنفسهم أو بابتكار نماذج وهمية وتقديمها للناس! وإنما يكون بالتعريف بالشر واقعا!
فالشر أبرز ما يكون في المجتمعات الإنسانية ويظهر بوجوه كثيرة بشعة,
فلماذا نتركها في الواقع ونسعى لتقديهما افتراضيا؟ هل أصبح الشر نادرا ونخشى عودته فاختلقناه وهما؟


إن الحقيقة الأولى التي يجب أن يعيها كل إنسان في قتاله وقتله للشر الواقعي هو معرفته بأن الشر موجود بداخل كل واحد منا, ففي كل إنسان خير وشر,

(فليس الشرير ذلك الإنسان المهووس الذي يسعى لتدمير الشباب أو للسيطرة على العالم!! ويؤسس لذلك مؤسسات إجرامية هائلة, وليس الذي يحاربه ويقضي عليه رجل مخابرات سابق متقاعد يُستدعى ليقضي عليه! أو ضابط عامل, وإنما الذي يقضي عليه هو نشر الخير بين عموم الأمة!)

وبحسب درجة ونوعية الضر والنفع -وكذلك طريقة فعله- اللذان يصدران عن الإنسان يمكن أن يُصنف شريرا أو خيّرا.

فإذا أرينا أبناءنا -عند عقلهم- العالم على حقيقته, فأريناهم الفقراء الذين لا يجدون قوتا والمرضى الذين لا يجدون علاجا والمحتلون الذين يسرقون أقوات دولٍ كاملة .. إلخ

عرفوا طبيعة الشر منذ صغرهم وتحركوا من أجل القضاء عليه, أو على أقل تقدير لم يكونوا من المشاركين في وقوعه, ولم يقعوا في فخ التجهيل بالشر, والذي وقع فيه كثيرٌ من الناس, بسبب التصور الوهمي المبالغ فيه للشر, حتى أنهم لا يرون أنهم من الأشرار ويعدون أنفسهم من الأخيار!

لأن الشرير تاجر المخدرات أو السلاح أو القوّاد! وهم ليسوا كذلك! إذا فليسوا من الأشرار وليس فعلهم شرا!
وهكذا يفعل كل إنسان الشر ويعم في المجتمع بدون أي منظمات أخطبوطية تعبث في الظلام وتحرك الناس!

لذا فإنا نخاطب إخواننا ومربينا قائلين:
رجاء لا تتحركوا للقضاء على شر وهمي افتراضي وتحركوا للقضاء على الشر الواقعي فهو ظاهر جلي! أروه أولادكم وربوهم على كرهه!
علموهم أن يقتلوا الشر في دنياهم يقتلوه بالقضاء على جذوره وليس بإطلاق النار وليس بالعنف وإنما بإطلاق عنان الخير والسعي للغير!
والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.