هل أنت إنسان؟

هل أنت إنسان؟
غالبا ما ستكون الإجابة: وهل يحتاج هذا إلى سؤال!
كل واحد منا يجزم ويعتقد تمام الاعتقاد أنه إنسان! ولكنه لم يسأل نفسه: بم هو إنسان؟
هو يرى أن هذا الأمر لا يحتاج إلى تفكر, هو إنسان لأنه ولد من إنسانين! ولأنه ينتمي إلى بني الإنسان, والذين يختلفون عن بني الحيوان (الدواب والأنعام).

وهذه هي المشكلة الكبرى! أن الاختلاف انحصر, في الفكر الباطن عند عامة البشر, في الاختلاف التشريحي والجنسي! ولم يتعداه إلى ما بعد ذلك.

فهو إنسان لأنه إنسان!
ولم يلتفت إلى ما بعد ذلك, وما يترتب على كونه إنسان …
فبدلا من أن يكون اختلافه عن الحيوان دافعا له للارتقاء عن السلوك الحيواني الغريزي, إلا أنه نادرا ما يرتقي عن المسلك الحيواني في عامة حياته!

قد يرى بعض القراء أن هذا الحكم جائر, فليس عامة البشر كذلك! فليس فعلهم منحصرا في الجانب الحيواني!
فنقول: المشكلة أن كثيرا من البشر ينتظرون الفرصة! فتجدهم ملتزمين الطريق القويم لأنه لم تتوفر لهم الفرصة للانحراف والفساد! فإذا ما توفرت الإمكانية سرعان ما ألقى نفسه في أحضانها!

أو هو لا ينحرف لأن الانحراف خطير وهو أجبن من أن يتحمل عواقبه! لذا فهو يربض في الجانب السليم منتظرا فرصة الانحراف الآمن, الذي لن يُكشف غالبا, حتى ينغمس فيها!

ونحن لا ننفى أن النفس البشرية عامة ميالة إلى الشهوات, فإذا توفرت انجذبت إليها, ولكن ما أقصد قوله هو الانتباه إلى موقف الإنسان في مقاومة هذه الشهوات إذا نادته, هل يقاومها لأن له مبادئ دينية وأخلاقية تمنعه منه, أم لأن بها جهدا ومخاطر عالية أو أنها لا تستحق!

فإذا كان من الصنف الأول فهو إنسان, لأن له مبادئ تحركه, وإذا كان من الصنف الثاني فهو حيوان مستخف!

والذي يرى أنه إنسان, عليه أن يسأل نفسه: ماذا فعل ليستحق أن يكون إنسانا؟

إن الإنسان مشتق من الأنس, والأنس هو خلاف الوحشية والحيوانية, فإذا استطاع الإنسان أن يهذب غرائزه ويلجم الحيوان الوحش الرابض في داخله, بأن يضعها في مواضعها بالقدر المعقول, بلا إسراف ولا تقتير, فهو إنسان, وإن لم يستطع أن يهذبها فهو حيوان مهما كانت ثيابه حسنة ولغته راقية,
ومهما تملك من المال وقرأ من الكتب, فهو في نهاية المطاف وحش حسن المظهر, يفترس الناس عندما تحين الفرصة, ويفسد في الأرض متى استطاع, لأن شريعة الغاب هي ما تحكمه,
 وإن كان الفارق أن شريعة الغاب ليست ظلما في الغاب! فلقد خلق الله النمر يفترس الغزال وما شابه من الحيوانات النباتية, لأنها طعامه, أما ذلك الإنسان الذي يفترس إخوانه ويفتك بهم فلقد فاق الوحوش فتكا! فلا الأسود ولا النسور ولا النمور تفتك بإخوتها, وإنما تفترس طعامها!


ولقد ترك الله تعالى للإنسان مساحة كبيرة مباحة يتنافس فيها مع إخوانه كما يحلو له, وعلى الرغم من ذلك لا يقنع عامة البشر بنصيبه في ساحة التنافس الكبيرة هذه, ويطمع في أن يزيح أخاه ليحصل على نصيبه, ويود أن لو انفرد بالساحة كلها!

وهذا ما لا نجده من الحيوان إلا مع ندرة الطعام, فنجد التقاتل والتناحر من أجل الفوز بما ينجي الفرد فيهم, أما البشر فيتقاتلون ويتناحرون على الرغم من الوفرة, التي تكفيهم وما ليسوا له برازقين!
فهل يستحق واحد هؤلاء البشر أن يسمى إنسانا؟

وعلى النقيض تماما من هذا الصنف, نجد ذلك الصنف الخائف الخانع, الذي –ربما- مر بظروف قاسية زرعت فيه الخوف والجبن زرعا, فتجده قليلا ما يحتك بالناس, وعلى ريبة منهم, منطويا على نفسه, محاولا التقليل من الاحتكاك بهم قدر الإمكان.

وهذا الصنف بطبيعة الحال لا ينفع الناس بشيء, فإذا أجبره عمله على تقديم شيء للناس قدمه بقدر محدود, وإذا لم يكن انطوى على نفسه!

وعلى الرغم من أن هذا الصنف يحتاج إلى تشجيع وتأمين للخروج من عزلته, إلا أنه لا يعد إنسانا كذلك, لأنه لم يأنس بالناس بعد, فهو يعدهم جماعة من الوحوش التي تسعى لافتراسه!

والإنسان الحقيق هو من يجبر الناس بسلوكه أن يتعاملوا كأناسي!

وفي نهاية المقام نقدم للقارئ الكريم بعض الأسئلة التي يطرحها على نفسه, ليتفكر بنفسه في هذا الموضوع:

هل أنت إنسان أم وحش؟
في رأيك بما يصير الإنسان إنسانا؟

إذا كان الإنسان من الأنس, فهل يأنس بك الآخرون وتأنس بهم؟ أم أنك من المعتزلة؟! (ليس بالمعنى المذهبي بداهة!!!)
هل ترى أن الأخلاق هي المقياس الأمثل للحكم بإنسانية الإنسان؟
كيف تصنف بشريا صاحب علم (طبيعي أو ديني أو أي نوع كان) بلا أخلاق؟
أيهما أهم: العلم أم الأخلاق؟
كم نسبة الإنسان بين البشر الموجود على الكرة الأرضية؟
هل ترى أن نسبتهم بين العرب والمسلمين أعلى أم بين الأوروبيين؟
هل ترى أن التزام أكثر البشر راجع إلى الجبن والحرص أم للمبادئ؟

جعلنا الله وإياكم من الناس والسلام عليكم ورحمة الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.