المسؤولية الفردية!

حديثنا اليوم عن خلق غاب عن ذهن كثير منا, بل إن بعضنا لا يذكره أصلا من ضمن الأخلاق, وهو “المسؤولية الفردية”, ونوضح للقارئ ما نقصده بالمسؤولية الفردية:

ما نقصده بالمسؤولية الفردية هو تحمل كل إنسان لأعباء نفسه ولغيره, وقيامه بما يجب على المسلم القيام به!
ويمكن تشبيه المسؤولية الفردية بما سماه الفقهاء: فرض الكفاية, وهو الذي يجب أن يوجد في الأمة, فإذا قام به بعض أفراد سقط عن الباقين.
والناظر في حال شبابنا خاصة يجد تكاسلا شديدا وإهمالا لهذا الخلق, فهم أصلا يتكاسلون عن القيام بأمورهم, فكيف ينهضون بأمور الأمة؟!


والناظر في حال هؤلاء يجد أنه لا يوجد في نفوسهم أو صدورهم أي أثر لكلمة “الأمة” أو “الجماعة”, فكل أفعالهم لأنفسهم, أما عندما يُذكرون بالوطن فيسخرون, ويتساءلون: ماذا أعطى لنا الوطن! وإذا حُدثوا عن الأمة وافقوك باللسان ولكنهم لا يتحركون لذلك قيد أنملة!

وهذه كارثة كبرى أن يكون هذا هو التصور العام لغالب الشباب, لدورهم في الحياة وهو أن يحيوا لأنفسهم! فليس لنفسه فقط خُلق الإنسان, وكما قيل: ما استحق أن يُولد من عاش لنفسه!
والمؤمن الحق هو الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه, فإذا تحقق هذا الحب لإخوانه تحرك من أجل منفعتهم, كما يتحرك من أجل نفع نفسه!

ولزرع هذا الخلق في نفوس شبابنا لابد من تعريف الشباب بدور الفرد في المجتمع, وكيف أن المجتمع ما هو إلا مجموعة أفراد متعاضدين متكاملين, وكلما ازداد تعاضدهم كلما ازدادت قوة المجتمع, أما إذا انشغل كل فرد بنفسه وحاله, تفسخ المجتمع وضاعت قوته وهيبته, وقصة حزمة الحطب معروفة, فلقد استطاع كل ابن أن يكثر عود الحطب, ولكن عندما صار الحطب حزمة لم يستطع أحدهم كسرها!

ولذلك قال النبي الكريم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”

فالمسلم يهتم بأمر المسلمين ويتعاون معهم في فعل الصالح, طائعا لقول ربه وتعاونوا على البر والتقوى, ولقد روي عن النبي الكريم أنه قال: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”, ويعلم أن نفع الأمة هو باب عظيم لاكتساب الأجر والثواب عندالله, لأن هذا الفعل يصل نفعه إلى أفراد كثيرة, ويستمر الإنسان في اكتساب الأجر طالما ينتفع بهذا العمل إنسان أو حيوان أو طير أو جماد!

وبخلاف الأجر والثواب, الذين ينالهما الإنسان من الله عزوجل في الآخرة, فإن المجتمعات تزداد قوة, كلما ازداد عدد المتطوعين فيها, والذين يعملون من أجل الصالح العام, لا من أجل المصلحة الفردية, وهذا ما نراه بوضوح في المجتمعات الغربية, فهم يتحركون من أجل النفع العام ويعلمون أن زيادة قوة المجتمع وتماسكه سيعود على الفرد بالنفع الخاص.

وهذا ما يغيب بشدة عن مجتمعاتنا العربية الإسلامية! فنجد من يفسد في المال العام ويبدده لأنه مال عام! أو كنوع انتقام من الحكومات الظالمة الفاسدة!
وقليلا ما نجد من يتحرك من أجل صالح الأمة! فالفقراء مشغولون بأنفسهم, وحتى الأغنياء إذا تبرعوا تبرعوا من أجل بناء المساجد أو المستشفيات! بدلا من أن يتبرعوا من أجل تحفيز البحث العلمي وإنشاء مصانع وشركات, يجد بها كثير من العاطلين فرصة عمل كريمة وابتعادا عن مسالك الانحراف, مما يقلل من الجرائم والفساد في المجتمع! وسيجنون هم من ذلك أيضا أرباحا حلالا وتقدما وقوة في الاقتصاد, مما يعود عليهم بالنفع في الدنيا قبل الآخرة!

لذا فلنحاول أن نحيي حق الأمة على الفرد في جميع المواقف والأزمان,

فالناظر يجد أن المسلمين يتعاضدون عند نزول المصائب والكوارث ويتحركون بكل شهامة وإخلاص, أما في حالة الرخاء والسلم فينسون ذلك تماما! ومن ذلك حثهم على عدم الإسراف وتذكيرهم بأن هناك من يحتاج كل نقطة ماء أو لقمة أو قميص يبددونه, وكذلك الالتزام بأن يكون هناك دوما جزء من سعي الإنسان لله وللأمة, فكما يزكي ماله يزكي سعيه!

ونذكر أنه بالسعي من أجلها يزداد الإنسان نفعا وأمنا, فلا يتكاسل ويقول: وما شأني, ليس المال مالي! لا بل هو مالك ومال إخوانك, وعليك حمايته, فليس للإنسان حجة في التكاسل, فلا تزر وازرة وزر أخرى, وسيُسأل كل إنسان عن أعماله بمفرده يوم القيامة!
وليكن شعارك في حياتك أخي في الله:
فرض الكفاية هو فرض عين علي.
ولنتذكر قول الإمام ابن القيم: آه لهذا الدين لو يقوم به الرجال
جعلنا الله وإياكم ممن يحملون هم هذه الأمة وهم هذا الدين ويتحركون من أجل نصرتهما, وتحسين حال بلادنا!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.