محو الأمية

نحن معشر العرب والمسلمين أمة: اقرأ نعاني من مشكلة عظمى  … وهي مشكلة الأمية[1]!
تلك المشكلة التي لا نتفرد نحن العرب بالمعاناة منها وإنما العالم كله[2], إلا أن حجم المعاناة عندنا أكبر من غيرنا! فأعداد الذين لا يستطيعون القراءة في الوطن العربي تتراوح ما بين 60 إلى 70 مليونا!
فإذا أضفنا إلى هذه الأعداد الذين تخرجوا من التعليم المتوسط أو التعليم العالي وهم يقدرون فقط على القراءة والكتابة ليس أكثر … سنكتشف أن حجم الأمية في وطننا العربي ضخم جدا يتجاوز الثلاثة أرباع عدد السكان!!

 وهذا عائق كبير يمنع الأمة من القيام بدورها الإنساني الحضاري كأمة أخرجت للناس, يُفترض فيها أن تحمل مشاعل الهداية لغيرها! فإذا كان أكثر العرب أميين فإن هذا سينعكس على طريقة حياتهم وتفكيرهم, فستصبح بدائية منغلقة, وكذلك إنتاجهم المادي والفكري, فسيكون بسيطا ضحلا! ومن ثم فلن يجد الآخرون فينا ما يقنعهم بالتبعية لنا!
ومن ثم فإنه من الواجب على كل مسلم أن يشغل باله بهذه القضية ويسعى للقضاء عليها بأي شكل من الأشكال, من أجل إيجاد مجتمع مسلم … كما ينبغي أن يكون! فالإنسان المسلم الذي لا يجيد القراءة والكتابة ستكون معرفته بالدين معرفة سطحية, بل ومغلوطة في كثير من الأحيان, وستعتمد بشكل كبير على ما يقدمه مشائخ المساجد, والذين لا يقدمون في معظم الأحيان –وللأسف الشديد- إلا معلومات سطحية – كما أن ثقافته ستكون ثقافة ضحلة, تعتمد على الأفكار العامة الشائعة بين أفراد الفئة العمرية والمهنية, التي ينتمي إليها, والتي غالبا ما يوجد فيها نسبة كبيرة من المغالطات!!

 وتبذل الحكومات العربية جهودا غير مضنية للقضاء على الأمية, جهودا يمكن تسميتها بالتحركات السطحية الإعلامية, بينما لا نجد آثارا محسوسة لذلك على أرض الواقع, بل نجد نتائج معاكسة تماما لما يدعون إليه!
وعلى الرغم من أن جهود محو الأمية في مصر قد أثمرت –طبقا للأرقام- محو أمية 4,5 مليون مصري, إلا أننا نجد أن عدد الأميين في مصر قد زاد منذ انطلاق مشروع محو الأمية في عام 1976 من 14 مليونا إلى 17 مليونا تقريبا, وذلك للارتفاع الشديد في عدد السكان والذي لا يقابله جهود كافية في التعليم!!
ومن ثم استحقت مصر الحصول على مركز متقدم في إحدى الإحصائيات الدولية, حيث جاءت ضمن الدول التسعة الأولى الأكثر أمية في العالم!!

 ويختلف الحال قليلا أو كثيرا في باقي الدول العربية, فنجدها مرتفعة في بعض الدول مثل اليمن والسودان ومنخفضة في أخرى مثل دول الخليج! إلا أن كل الدول تسعى للقضاء على هذا الخطر الذي يتهددها, والذي يظهرها بمظهر الدول المتخلفة غير المتحضرة!
وينظر المرء في تجارب الدول العربية ويتساءل: هل سيقدر لها النجاح, مثلما حدث في “التجربة اليابانية”, فيأتي اليوم الذي نعلن فيه أن نسبة الأمية في بلادنا أصبحت صفرا بالمائة, أم أننا سننتظر حتى يموت كل كبار السن الأميين, ثم نعلن بعد ذلك أنه تم القضاء على الأمية تماما؟!!

 لا أعتقد بحال أنه سيتم القضاء على الأمية بشكل فعلي في وطننا العربي وذلك لانعدام العامل الأكبر للنجاح وهو: الدافع!!
فما الذي يدفع رجلا شيخا كبيرا للالتحاق بفصول محو الأمية, وكذلك ما الذي يدفع الشباب العاملين لذلك؟!
لا يوجد من المغريات ما يدفعه لذلك, فلقد عاش طيلة عمره مستغنيا عن ذلك, واستقر على حال من الأحوال … وسيستمر عليه إلى أن توافيه المنية غالبا … فما الحاجة إلى التعلم؟!

 وكذلك الشباب العاملون … فهو يعمل ويكسب –كثيرا أو قليلا- بدون القدرة على القراءة والكتابة… فلماذا يتعلم؟! هل ليعمل في الوظائف الحكومية (كساع أو عامل) ويقبض الملاليم الكثيرة؟!!

لذا وجدنا بعض الآباء في زماننا هذا يكتفي بإكمال ابنه المرحلة الابتدائية ثم يخرجه من السلك التعليمي .. لأنه يرى أنه لا يحتاج أكثر من القدرة على القراءة والكتابة وقد أصبح قادرا الآن, فما الحاجة لإضاعة المزيد من السنوات في إبلاء السراويل على مقاعد التعليم؟!!!

 

إن الحديث عن إنهاء الأمية يشترط وجود عناصر كثيرة في هذه العملية أولها:

إيساد الأمر إلى أهله, فلا بد من وجود خبراء حقيقيون يقومون بإعداد الخطط المناسبة, لمراحل زمنية طويلة, لا أن تعتمد الأمور على الأقدمية والمعارف!!

 الجدية والصرامة, فلا بد من وجود مراقبة قوية على العملية التعليمية, لا أن تقتصر على فصول وهمية, يجمع العاملون فيها بعض الناس من الشارع عند حصول تفتيش للقول بوجود فصول محو أمية!

 الإغراءات الكافية التي تقنع الناس بالتقدم لفصول محو الأمية, وهي ما لا تستطيع حكومتنا الموقرة تقديمه بحال, فإذا كانت لا تستطيع تقديم الوظائف للحاصلين على المؤهلات العالية, فهل ستفعل بالنسبة لمن مُحيت أميتهم؟!
وإذا استطاعت وقدمت الوظيفة فستكون من الوظائف ذات الرواتب المعدومة!!


لذا فإنني أرى أن تكون هذه الإغراءات على شكل مكافئات مادية جيدة لمن ينجح في هذه الاختبارات! فإذا قلنا أن هناك مكافأة ألف جنيه لمن يمحو أميته! كما أن هناك امتحانات تصعيدية أخرى يحصل فيها من أتقن القراءة على مبالغ أعلى, فيحصل الأول على المركز كذا, والأول على المحافظة آلاف الجنيهات!
وهذه الجوائز العينية مبالغ تدفع مرة واحدة, وليست رواتب والتزامات شهرية!!

فكلي ثقة أن هذا سيكون دافعا لكثيرٍ من كبار السن للالتحاق بفصول محو الأمية, فطالما أن في الأمر مكسب مادي … فما المانع؟!!

وإذا استثقلت الحكومة هذا الإجراء فيمكنها أن تجعل التعليم أمرا إلزاميا مثله مثل الجيش … يعد الإنسان الذي لا يلتحق به متهربا ويلاحق … ويعاقب بالغرامة الكبيرة!
ومن ثم فلن يكون أمام الناس إلا الالتحاق بفصول محو الأمية!

كما يجب أن تجرى الامتحانات في أماكن محايدة, غير تلك التي تعلم بها, فتجرى مثلا في عواصم المحافظات أو المراكز, مع وجود مراقبة جدية!!

 

ونحن إذ نطالب الحكومات العربية بالقضاء على الأمية فإننا نطالبها على التوازي بالقضاء على الأمية المغلفة, أمية الخريجين, الذين لم يتعلموا شيئا, وخرجوا من سنوات التعليم الطويلة بخفي حنين!!

 ولا يعني هذا أننا نلقي بكامل الحمل على الحكومات العربية, وإنما نطالب المنظمات المدنية والأفراد على حد سواء بالمشاركة بنصيب في هذه العملية!
وأنا أعلم أنه من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن يقوم بعض الشباب بإقناع الكبار بالانضمام لفصل محو أمية, يقيمه هو كمجهود شخصي فردي في منزله مثلا! كما أن هذا لن يقدم أو يؤخر كثيرا بالنسبة لهؤلاء الرجال أو الشباب!

 ومن ثم فعلينا القيام بدور آخر أكثر نجاعة وهو تصحيح أفكار هؤلاء وتنقيتها من الأفكار والمعتقدات المغلوطة والخرافية …. ولا يقتصر هذا الأمر على من لا يجيد القراءة وإنما علينا أن نمده إلى كل أصحاب هذا الفكر الخرافي السطحي المحدود …. فعلينا ألا نجاريهم في أفكارهم …. وإنما نتدرج معهم في تصحيح أفكارهم!

على كل واحد منا أن يقوم بدوره في القضاء على الأمية الفكرية المنتشرة في المجتمع …. فيتعهد بعضا من هؤلاء … بأن يقيم معهم بعض الجلسات الحوارية –والتي لا تظهر بشكل تعليمي تلقيني- وإنما على شكل حوارات, يقدم لهم فيها وجهات نظر مختلفة جديدة, توسع لهم مداركهم, وتصحح لهم ما عندهم …. تعلمهم أن العالم ليس بهذا الضيق الذي يتصورون!

 فإذا نحن استطعنا أن نضيف إلى المحتوى الفكري لهؤلاء جديدا مختلفاً وأن نغير فيه بدرجة من الدرجات, فنحن نسير على الدرب لمحو أميتهم, حتى ولم يمسكوا قلما! فليست العبرة بالكتابة وإنما بتأثير هذا العلم على تصرفات الإنسان …. فكما من حملة “الدكتوراه” أشد أمية وجهلا من الذين لطمتهم ظروف الحياة!!

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!!

[1] نذكر بأن استعمال الأمية كمصطلح دال على عدم قدرة الإنسان على القراءة (أ)و الكتابة, استعمال غير سليم, ولم يظهر إلا في العصر الحديث, بينما هو يعني في كتاب الله العزيز أولئك الأقوام الذين ليس لهم كتاب, فهناك أقوام عندهم كتاب موحى به وآخرون ليس عندهم, بغض النظر عن قدرة الأفراد على القراءة (أ)و الكتابة!

[2] طبقا لإحصائيات منظمة اليونسكو فإن 1 من كل خمسة أفراد على سطح البسيطة لا يستطيعون القراءة! كما أنه يوجد في الولايات المتحدة الأميركية ما بين 15 و40 مليون أمي، حسب المصادر المختلفة. ويشار إلى أن ملايين الأميركيين لا يستطيعون ملء استمارة الالتحاق بوظيفة، أو كتابة شيك مصرفي، أو قراءة جريدة. وتشير الإحصاءات إلى أن 60 في المائة من المساجين في الولايات المتحدة أميون! كما أن هناك قرابة 4 ملايين شخص في ألمانيا لا يستطيعون القراءة والكتابة الأمر الذي يشكل مصدر حرج للبعض ولا يتم الإعلان عنه ولا مناقشته بشكل كاف، لأنه عار يلحق الجميع، وإن كان المستقبل كفيلاً بمعالجة هذه الظاهرة في ألمانيا.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.