السور الأخيرة نزولا: الكوثر الفلق الناس

نواصل بفضل الله وفتحه تناولنا لسور المرحلة المدنية لنبين ترتيب نزولها ومناسبات نزولها, ونعرض اليوم للسور الثلاثة الأخيرة نزولاً وهن: الكوثر, الفلق, الناس.

ونبدأ بالكوثر فنقول:
اختلفت الأقوال في مدنية ومكية الكوثر, فقيل أنها مكية وأنها من أوائل ما نزل (الخامسة عشر نزولاً) وقيل أنها مدنية نزلت بعد الحديبية, وأنا أقول أنها مدنية ولكنها من السور الخواتيم, وأنها التالية نزولاً ل: الكافرون

فبعد أن أُمر الرسول بإعلان تمايز الأديان والمعبود في الكافرون, (وقبلها في البينة قيل أن دين القيمة أن يعبد الله مخلصا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) يؤمر هنا الرسول بأن يصلي لله وينحر –حمداً له على أنه- أعطاه الكوثر وأن مبغضه معانده هو المقطوع المنقوص!


(الذين قالوا بمكية السورة يقولون أن الله لم يعطه الكوثر وإنما وعده بأنه سيعطيه في الآخرة!

وعلى قولهم فالله يأمر الرسول بحمد ما لم يُعط! أما نحن فنقول أنه أعطاه فعلاً وأنه أظهره على ما حوله من الأديان فأصبح في كثرة وزيادة بينما معاندوه في نقصان فأمره بحمده, وهذا ينسجم بدرجة كبيرة مع كون السورة من سور الخواتيم)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)


وكما اختُلف في مكية ومدنية الكوثر اختُلف في مكية ومدنية المعوذتين (وما يقال في أحدهما يقال في الأخرى لأنهما نزلتا متتابعتين), وأنا أقول أنهما مدنيتان وأنهما آخر ما نزل من القرآن!

فالفلق هي التالية نزولاً للكوثر (لاحظ أن المخاطب في السور الأربعة: الكافرون الكوثر المعوذتان واحد وهو: الرسول), فبعد أن أُمر الرسول بحمد ربه في الكوثر (بالصلاة والذبح) يؤمر في الفلق بالاستعاذة برب الفلق من شرور عدة خُتمت ب: حاسد إذا حسد (والذي هو لا محالة: شانئ!)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

وبعد الفلق نزلت الناس, والتي واصلت أمر الرسول بالاستعاذة من الشرور, ولكن هذه المرة استعاذة من شر واحد وهو شر الوسواس الخناس, بينما كان التفصيل في سمات الرب.

فالمصحف بدأ بالفاتحة (وهي أول سور القرآن نزولاً) وخُتم بالمعوذتين (وهما آخر السور نزولاً) فالكتاب بدأ بحمد رب العالمين وخُتم بالاستعاذة برب الفلق والناس (وملكهم وإلههم) من الشرور!

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.