قناة أطفال للأطفال!

قديما كانت تربية الأطفال حكراً على الوالدين, وربما كان يساهم “شيخ الكُتّاب” في هذه العملية التربوية, وإذا كان الولد طفلاً لوالدين من علية القوم فإنهم كانوا يحرصون على توفير “مُربٍ خاص” لأولادهم!

ولكن كان هذا استثناءً- . وفي القرن الماضي مع انتشار المدارس والتعليم الإلزامي, “كانت” المدارس تشارك في العملية التربوية, باعتبار أن الوزارة التابعة لها هي “وزارة التربية والتعليم” –ولكن كان هذا في القرن الماضي-.

ومع مطلع قرننا هذا –الحادي والعشرين- بدأت تظهر ما يُعرف ب: “قنوات الأطفال”! والتي كان من الممكن أن تلعب دوراً هاماً في العملية التربوية, وفي تنشئة جيل صالح! إلا أن الخلل الموجود في تلك القنوات والأضرار الناتجة عنها مما يستدعي أن يتوقف معه المرء:

فباكورة تلك القنوات –على حد علمي- هي قناة: “سباس تون”, وهي كانت –ولا تزال- قناة متخصصة للرسوم المتحركة, والسائد في نوعية الحلقات التي تقدمها هذه القناة, هي مسلسلات “المغامرات” والخيال العلمي, وهي وبكل أسف “أخطر قناة أطفال” عربية موجودة,
فكمّ العنف والقتل المقدم في هذه القناة, يقول أن هذه القناة لا يمكن أن تكون للأطفال تحت 12 عاما بأي حال من الأحوال! بل ويمكننا القول تحت 16 عاماً كذلك!

والأفضل ألا يسمح الآباء لأبنائهم بمشاهدة القناة أصلا, فهي لا تقدم تقريباً أي محتوى تربوي, فهي قناة “ترفيهية ترويجية ربحية” بالمقام الأول!! فبعد أن يتعلق الأطفال بشخصيات الأبطال المقدمة في القناة, توفر شركات معينة تلك الشخصيات كألعاب, ويسارع الأطفال طبعاً لشرائها!! ويفتخرون بحيازته لها! ولكن لما كانت هي البداية,

وبالنسبة لأطفال ولصغار شباب تلك المرحلة, كانت القناة بمثابة كنز لهم! فها هم ولأول مرة يستطيعون أن يشاهدوا “أفلام كارتون” كاملة, وبشكل متواصل, بل ويستطيعون أن يروا بشكل كامل تلك الحلقات التي رأوا منها أجزاءً وهم صغار على القنوات المختلفة.

ولله الحمد ظهرت قنوات أخرى بجوار تلك القناة, فلم يعد الأطفال الصغار يقبلون عليها, بعدما كانوا يتسمرون أمامها بالساعات الطوال! ومن أوائل القنوات ظهوراً والتي حاولت أن تقدم محتوى “تربوي” قناة “طيور الجنة” الأردنية, وهي تعتمد بالمقام الأول على “الأداء الغنائي”, فهم يقدمون المحتوى من خلال أغنية مصحوبة ب “تمثيل” أو “رقص أطفال”.

وليس ثمة أي إشكال في أن يقدم هذا للأطفال, فهذا مما يُسهل عملية التلقي والقبول, ولكني وجدتها أنها قائمة على وتيرة واحدة, حتى الأغاني الدينية لا تختلف في الأداء عن غيرها من الأغاني القائمة على الرقص. يضاف إلى هذا “الطفح التجاري” في هذه القناة,
فكل كبيرة وصغيرة في القناة تُحول إلى منتج تجاري لصاحب القناة –أو يأخذ نسبة طبعاً على هذا-, مما يٌشعر المشاهد بعدم إخلاص نية القائمين على القناة, وأنها تجارية إعلانية بالدرجة الأولى.

ثم توالى ظهور قنوات أطفال أخرى, إلا أن الملاحظ في هذه القنوات أنها –على الغالب- “غير علمية”, فعندما أرى المحتوى المقدم في القنوات أرى أنها تخاطب “أولياء الأمور”, فهي تقدم ما يجذب الآباء أنفسهم, ليقرروا اختيار هذه القناة للطفل ليشاهدها!! والمفترض أن القناة للأطفال وليس للآباء!!

وبالإضافة لهذا فهناك كثيرٌ من القنوات تقدم محتوى لا يتناسب مع الأطفال! فالأطفال الذين يؤدونه لا يفهمون ما يؤدون ولا يشعرون به طبعاً, وكذلك المخاطبين به من الأطفال لا يفهمون وهم ليسوا بحاجة له!
فعندما تقدم قنوات أطفال أغاني للأطفال تتحدث عن التوبة!!! التوبة!! من ماذا؟! وماذا تعني التوبة أصلا؟! وأخرى عن المناجاة؟!! مناجاة!! طفل يناجي ربه!! إن تقديم هذه المعاني العميقة في أغاني أطفال يذهب هيبتها!! ويسطحها!! إن الكبار أنفسهم –ربما- لم يستشعروا هذه المعاني في حياتهم إلا للحظات ولمرات قلائل, فماذا ننتظر من الأطفال!

والقناة التي نجحت من وجهة نظري في تقديم محتوى ديني يتناسب مع الأطفال, بما يحتاجون وبما يفهمون, هي قناة طه –الشيعية-,
باستثناء المحتوى الشيعي المقدم في القناة, فالمحتوى المقدم فيها يعجبني ويجذبني جدا, لما فيه من غرس للقيم والأخلاق بطريقة تتناسب مع الأطفال, ويمكن القول أن قناة “سنا” لا بأس بها كذلك.

ونغض الطرف والذكر عن قنوات أخرى كثيرة, اجتمع فيها السيئات, من الفوضى والتجارية والإسفاف وعدم تناسب المحتوى المقدم مع الأطفال! فهذا مما لا يستحق التعليق أو النقد!!.

ويمكنني القول بكل ثقة أن قناة الأطفال العلمية الوحيدة الموجودة على الساحة هي قناة “براعم” للأطفال صغار السن في مرحلة رياض الأطفال, وقناة “جيم” للأطفال الأكبر سناً, فهي قناة أشعر معها أن هناك “متخصصين” تربويين قائمين عليها, وليست مجرد قناة تعمل هكذا تبعاً لأهواء مالكيها, ولأغراض تجارية بحتة! فهي تقدم محتوى ترفيهي “قِيمي”, وإن كان يعاب عليها غياب الجانب الديني فيها.

وأنا ك “أب مصري”, أحلم بقناة أطفال “مصرية”, يشرف عليها متخصصون في التربية, ذات خطة وهدف تعمل على تقديمه على المدى الطويل! قناة تقدم خليطاً من اللسان العربي الفصيح واللهجة العامية المصرية! –كبديل للقنوات الموجودة حالياً والتي لا يفهم الأطفال نصيباً من المحتوى المقدم فيها للهجة الأردنية أو الخليجية السائدة فيها-, قناة يختلط فيها المحتوى القيمي والأخلاقي والديني والترفيهي بانسجام وتناسق بديع!

قناة تبني الأطفال وتربيهم وتهذبهم وتغرس في نفوسهم هذه القيم
قناة تكمل دور الآباء وتساندهم فيما يفعلون, بدلاً من تلك التي تهدم ما –قد- يبنيه الآباء!!
فهل ستظهر مثل هذه القناة –ولا نقول: قنوات- قريبا!
أحلم بهذا منذ زمن ولا أزال أحلم!
وأرجو من الله ألا يظل حلمي حلماً وأن يسخر من يحققه على أرض الواقع.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.