نفوس مترهلة

قوام ممشوق

أصبح غاية وحلم أكثر أبناء عصرنا هذا, رجالاً كانوا أو نساءً, شباباَ كانوا أو فتيات, نحافاً كانوا أو سمانا! وخاصة أصحاب السمنة

فالنحاف إن لم يكونوا شديدي النحافة لا يهمهم ولا يغمهم جسدهم, ويتقبلوه كما هو, بينما يتضايق السمان من أجزاء أجسادهم المترهلة, فلا تعجبهم “كروشهم” ولا “صدورهم” المتدلية, فيريد الرجال منهم الحصول على بطن مستوية مشدودة وصدر رياضي عريض, وتهفو النساء إلى جسد جميل … جذاب … “مثير”.

وللوصول إلى هذه الغاية فإن بعضهم يلجأ إلى تلك “الحبوب السحرية”!! التي تذيب الدهون وتعطيهم أجسام الأبطال وأجساد الفاتنات في أيام قليلة!!

وتلجأ بعض السيدات والرجال! –وخاصة من كبار السن- إلى ارتداء بعض “الصديريات” تحت الملابس التي تداري عيوب القوام وتعطيهم مظهرا ممشوقاً جيدا!!

ولأن هذه الصديريات لا تقدم ولا تؤخر وإنما “تزيف” المظهر الخارجي ليس أكثر, فإن الأكثرية لا تلجأ إليها, وإنما تلجأ إلى ما يعطي حلولاً فعلية, فيتجه بعضهم إلى عمليات “شفط الدهون” أو “تدبيس المعدة” أو إلى إذابتها بالليزر.

ولا يميل أكثر الشباب إلى هذه الأساليب التي تستلزم تدخلاً جراحيا أو علاجياً, ويميلون أكثر إلى استخدام الوسائل “الطبيعية”, مثل اتباع حمية غذائية معينة مصحوبة بممارسة الرياضة, وقد يلجئون إلى ممارسة الرياضة مكتفين بها مقتنعين أنها بمفردها كفيلة أن تعطيهم الجسد الذي يريدون وإن كان بعد فترة أطول, وربما يلجئون كذلك إلى جلسات التعريق “الساونا” للوصول إلى نتائج أسرع

ولهذا غالباً ما نجد صالات التدريب “الجيمنازيوم” ممتلئة بالشباب أو الشابات الذين يلهثون ويتعرقون من أجل الحصول على الجسم المثالي .. الذي يحلمون به.

ورغماً عن أن السمنة لها من الأضرار الوفير ويترتب عليها من الأمراض الكثير, إلاً أن أكثر الذين يريدون التخلص من سمنتهم لا يحرصون على هذا تجنباً ووقاية لأنفسهم, وإنما يلهثون ويتعرقون ويجهدون أنفسهم من أجل … المظهر!
نعم, فهم لا يريدون أن يروا نظرات السخرية –أو الشفقة- في أعين المحيطين بهم, ولا يريدون أن يسمعوا كلمات ساخرة –وربما نابية- من المحيطين بهم.

كما أنهم يعتقدون أنهم بهذا الجسد الرياضي سيكونون مميزين, و-ربما قد- يكسبهم هذا القوام الممشوق احترام المحيطين بهم, وكثير من الشباب يسعى للتخلص من السمنة –وربما يمارس رياضة كمال الأجسام أو تمرينات اللياقة- من أجل أن يجني بعض نظرات الإعجاب من الفتيات أو أن تقع إحداهن في غرامه –أو كثير منهن فلا مانع!!- إعجاباً بعضلاته المفتولة وجسده القوي!

وكذلك تسعى كثيرٌ من الفتيات إلى جني نفس نظرات الإعجاب من الذكور المحيطين بها! وكذلك إلى رفع فرصة الحصول على عريس أفضل بجسدها الجذاب هذا!!

ولا حرج ولا إشكال في أن يسعى الإنسان في التخلص من ذلك “القوام المترهل”, ولكن الإشكال كل الإشكال أننا لا نسعى للقضاء على “ترهل نفوسنا” التي نعاني منها وبسببها أشد المعاناة! لأننا أصبحنا نرى أنفسنا أجساداً .. مادة … ومن ثم أصبحنا تُقيّم الآخرين من خلال أجسادهم!

ورغماً عن أننا نكرر قول الرسول “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”, إلا أننا لا نقيم الناس ولا نزنهم بقلوبهم ولا بأعمالهم –غالباً- وإنما نزنهم بأموالهم وصورهم .. والتي يندرج تحتها: أجسامهم!! وكم من وضيع كسيح النفس أبيض الدماغ !مقبل على الشهوات يُقيم بأنه جيد لماله .. ولجماله! أصبحنا ولا يهمنا أن يرى الله من قلوبنا وأعمالنا خيرا واستقامة, وإنما نهتم ألا يرى الناس من أجسامنا عوجاً!

ورغماً من أن صلاح الإنسان جسدا ونفساً بالرياضة, إلا أننا اكتفينا بأننا نريض أجسامنا المرة تلو الأخرى حتى تستجيب وتلين وتذهب دهونها وقبحها وتصبح طوع إرادتنا تنفذ ما نريد منها!

بينما لم نحاول أن نريض أنفسنا, فنجعلها قوية تسيطر على الجسد ورغباته وتخضعه لحكم الرب وللصالح, ولهذا ترهلت نفوسنا .. وقبحت … وأصبحت متطلباتها نفس متطلبات الجسد … بدلاً من أن تسعى إلى ما هو أعلى وأزكى ..

وهكذا أصبحت أجسامنا الثائرة مصحوبة بنفوس رخوة يدفعاننا إلى موارد الهلاك … ولا مقاومة من ناحيتنا!!
ولله در أبي الفتح البستي إذ قال:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته … أتطلب الربح فيما فيه خسران؟
أقبل على النفس واستكمل فضائلها … فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

رغما عن أن الناس في زمنه لم يكونوا ذوي عناية ورعاية شديدة للأجسام وإنما مثلا بطيب الطعام وناعم الثياب!! فقوله هذا يصدق تماما في زماننا هذا الذي نجد فيه العناية التامة بالجسد!!

ولأن كثيراً منا أصحاب أجسام قوية ونفوس ضعيفة, وجدنا من يستطيع أن يجري ساعة بأكملها ومن يظل يتمرن بالأوزان الثقيلة لساعتين وثلاثة!!

بينما لا يستطيع أن يجبر نفسه على أن يقوم من السرير .. لصلاة الفجر!! أو حتى القيام من أجل مصلحة دنيوية له!! فيحتاج إلى تضافر جهود العائلة والجيران من أجل أن يوقظوه من أجل الذهاب إلى مصلحته هذه!!

كذلك لا نستطيع أن نكبح جماح أجسامنا والتي تدفعنا إلى المعاصي من فعل فاحشة وتدخين وإدمان مخدرات ومسكرات وإدمان طعام .. الخ, ونرى عاقبة هذه الأفعال السيئة عند غيرنا ونفكر أحيانا في الإقلاع والترك, إلا أننا نفشل … لماذا؟!

لأن نفوسنا ضعيفة, لم نريضها لتصبح قوية تصل إلى ما تريد!!

ولضعف النفوس هذه نجد أن كثيراً يخفقون في إصلاح أجسادهم نفسها!! فيبدءون حمية غذائية .. ثم لا يستطيعون كبح شهوتهم تجاه الطعام فيعودون إلى تناول أطايب الطعام, رغما من أنهم قد يكونون قد وصلوا إلى مراحل متأخرة من المرض بسبب السمنة .. إلا أنهم لا يستطيعون التحكم في أنفسهم!!

وقد يبدأ آخرون تمارين رياضية إلا أنهم لا يستطيعون الاستمرار عليها ومواصلتها ومن ثم ينقطعون بعد فترة تطول أو تقصر!! وهكذا “عادت ريما لعادتها القديمة”! ولا ننسى أن السمنة –وإن كانت في بعض الأحيان لعوامل وراثية”, إلا أنها كثيراً ما تكون راجعة لنفس ضعيفة .. انهارت خطوط دفاعها أمام الطعام فأقبلت عليه بنهم شديد .. حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

ولا يقتصر الأمر على الجسد وإنما يتعداه إلى كل نواحي الحياة, فكثيرون لا يستطيعون الوصول إلى أهدافهم ولا تحقيق طموحاتهم في العمل ولا غايتهم الإنسانية وذلك لضعف نفوسهم!!

وما الحياة الدنيا إلا اختبار لقوة النفس, فهل تعمل بمقتضى الفطرة القويمة وبما أمر الله والذي قد يكون ثقيلاً في بعض الأحيان .. أم تلين وتتبع الهوى والشهوات وتكتفي من الدنيا بحظ: اللذة!!

لذا فالأولى أن نغير منظورنا إلى مسألة القوام الممشوق هذا ونسأل أنفسنا:

هل نفوسنا مستقيمة قوية أو معوجة ضعيفة مترهلة؟!!
هل أستطيع الوصول إلى ما أريد بنسبة كبيرة أم أن نسبة تراجعي هي الأكثر؟!
هل نفسي قوية … أم متمردة … على ربها؟!

فإن لم تكن كذلك فلله الحمد والفضل, أما إن كانت ضعيفة أو متمردة فالحل هو في رياضة الأنفس!
ولا نعني برياضة النفس أن يخرج الإنسان نفسه ويجعلها تجري لفترات طويلة أو أن يجعلها تحمل الأوزان الثقيلة وإنما يعرضها لما يحركها وينشطها!! وأن يكرر هذا التعرضات مرات كثييييييييييييرة!

فكما أن تمرين أو تمرينان أو عشرة غير كافية لتغيير شكل الجسم فكذلك ترويض النفس يحتاج إلى ترويض طويل المدى .. والنفس! يُعلم فيه يقينا أنه سيقابل بمرات كثيرة من الإخفاق والتوقف!!
ولكن:
كيف ترويض النفس هذا؟!

نقول هذا يحتاج خطوات:
الخطوة الأولى هي: التطهر
فلا يُقبل بحال إصلاح آلة على ما هي عليه من الوسخ والقذارة, فيقبل الإنسان على نفسه فيطهرها بصلوات يقف فيها بين يدي ربه يدعوه ويستغفره ويستهديه .. يناجيه طالباً منه يد العون والمدد والإقدار على التطهر وعلى التقَوي, وأن يزكيه الله.

الخطوة الثانية هي: التعرف
فلا يكفي فقط دعاء الله ثم يكون الإنسان هاجراً لكتاب ربه, فيبدأ في التعرف على الكتاب وعلى هدي الله فيه, فكما أن التمارين الرياضية بدون معرفة نظرية مسبقة للطرق الصحيحة وللأخطاء المشهورة المكرورة قد يؤدي إلى إضاعة كثير من الوقت والجهد بلا فائدة, بل وربما فيما فيه ضر كثير! بينما يختلف الحال مع التمرين بعد المعرفة, والذي يصل به الإنسان سريعاً إلى النتائج المرجوة!

ثم الخطوة الثالثة: التعرض
وهي خطوة جد حاسمة, فكم من “متدين” قرأ كتاب الله وحول كتاب الله, بل وأدمن القراءة, ولكن عند التطبيق قد يطيع نفسه الأمارة بالسوء, وقد يجد صعوبة شديدة في تجاوز معصية يسيرة وهوى بسيط, وذلك لأنه لم يتعرض .. ولم يحتك بالناس ويخالطهم ومن ثم يقع في مواقف كثيرة تجلي حقيقته, فالمعرفة بمفردها لا تكفي بحال لأن يصبح الإنسان ذو نفس قوية! وإنما المواقف و “الابتلاءات” هي التي تقوي عود الإنسان!

وحتى يكون الإنسان قوياً فالحل أن يعرض نفسه لكثير من الاختبارات أو الابتلاءات العملية البسيطة, الواحدة تلو الأخرى –وليس بالتوازي!!-, التي يغلب على ظنه أنه سيجتازها, مثل إجبار نفسه على فعل بعض الأمور الثقيلة عليها, مثل غض البصر مثلاً, أو حفظ اللسان من غيبة الناس أو الطعن فيهم أو من السباب, أو الاستيقاظ مبكراً أو النوم لساعات قليلة أو أكل كمية قليلة من الطعام المحبوب أو تغيير نظامه الغذائي أو استذكار مواد لا يحبها أو القراءة في تخصصات نافعة ولكن ثقيلة … الخ

ثم ينتقل بعد ذلك إلى درجة أعلى من الصعوبة, مثل التطوع في أعمال الخير وبالتأكيد سيجابه في محاولته هذه ببعض الأشرار الذين سيضعون عقبات في طريقه أو يسيئون إليه, وبهذا يكتسب خبرة في التعامل مع الناس.
فإن أفلح يمكنه الانتقال إلى مستوى أعلى مثل الالتزام بجادة الحق والصواب في عمله, متجنباً كل فساد محارباً كل إفساد, صادعاً بالحق منكراً الباطل!

والفارق بين رياضة النفس ورياضة الجسد أن الأولى نفعها متعد إلى الغير مفيدة في تجميل وتغيير الواقع وفي التقرب إلى الله, بينما نفع الثانية مقتصر على الجسد!

وبهذا الترييض للنفس يكتسب الإنسان نفساً قوية مستقيمة ويصبح إنسان سوياً قويما مرضياً عند ربه, مرفوع الدرجات عالي المقام!! ذو نفس زكية تطلب معالي الأمور وتنفر من دناياها .. فوجهته واضحة وطريقه مستقيم وأفعاله ابتغاء مرضات الله.

لذا فحتى ولو كان ثقيل الوزن غير ممشوق القوام! فساعتها إن أراد أن يتخلص من هذه الدهون الزائدة والأجزاء المترهلة فسيستطيع أن يفعل هذا بسهولة شديدة, فنفسه قوية زكية مستقيمة .. وحتى لو لم يفعل فالعبرة بالنفس المزكاة … وليس بالبطن ذات الست عضلات!!

جعلنا الله وإياكم من أصحاب النفوس الزاكية
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.