سورة الواقعة …. سورة التغيير

سورة الواقعة اختلفت كتب أسباب النزول فيها هل هي مكية أم مدنية, فقيل أنها مكية وقيل مدنية نزلت في غزوة تبوك, وقيل مكية باستثناء بعض آيات نزلت في المدينة. 
ومن خلال نظرنا في السورة رأينا أن السورة مدنية ومما تأخر نزوله في المدينة كذلك, إلا أننا لا نتفق مع قول ابن مسعود في أنها نزلت في غزوة تبوك ونرى أنها كانت قبيل فتح مكة.


ففي فترة الصلح هذه اغتر المشركون بأوضاعهم وقالوا أنه “سيبقى الوضع على ما هو عليه” وأنه لا جديد تحت الشمس وأن الأمور تسير بطبائعها, وأننا سنظل أسياداً في الدنيا وإذا متنا وصرنا ترابا فليس ثمة بعث ولا دينونة, فأنزل الله المهيمن العزيز الجبار سورة الواقعة قائلا أن الأوضاع لن تظل على ما هي عليه في الآخرة وأننا قادرون على التغيير في الدنيا (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه)

والاتصال بين الواقعة والرحمن جلي, فلقد ذكرت الرحمن نعما كثيرة لله على البشر وتساءلت: بأيها يكذب الناس؟ وبدأت سورة الواقعة بالقول أن التكذيب مستمر ولن ينقطع إلا مع وقوع الواقعة فساعتها لن توجد نفس مكذبة لوقعتها! والسورة كلها في الرد على المكذبين بالبعث بأساليب متنوعة بذكر صور لنعيم المتقين في الجنة والمجرمين في الجحيم , كما جاء في سورة الرحمن, وبالاستدلال بنعم الله وأن ليس للإنسان يد فيها

وكذلك نجد سورة الرحمن تذكر الكثير من نعم الله على الإنسان- كما خُتمت سورة الرحمن بالحديث عن “اسم رب الرسول”: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن : 78], وخُتمت سورة الواقعة بأمر الرسول بتسبيح اسم ربه العظيم. وأسلوب سورة الرحمن كان قائما على الآيات القصيرة المعتمدة على الثنائيات والمزاوجة بين المتشابهين: فاكهة ونخل, حب وريحان, إنسان وجان, مشرقين ومغربين, بحرين, لؤلؤ ومرجان, ثقلان, معشر جن وإنس, نار ونحاس, نواصي وأقدام, جهنم وحميم, جنتان, عينان, زوجان, فرش وجنى, ياقوت ومرجان, رفرف وعبقري

وكذلك الواقعة آيات قصيرة قائمة على التأكيد بالمثل: وقعت الواقعة الرج رجا والبس بسا وأصحاب كذا ما أصحاب, والسابقون السابقون لآكلون فمالئون فشاربون فشاربون, سلاما سلاما, تزرعونه الزارعون, فلا أقسم وإنه لقسم.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بالقول أن التكذيب سينقطع فقط عند وقوع الواقعة وأنها إذا وقعت فستغير الأوضاع فسترفع أناسا وتخفض آخرين, وفي ذلك اليوم سترج الأرض وتبس الجبال (فلن تظل على حالها في الدنيا) وستنقسمون إلى أزواج ثلاثة: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون وهؤلاء السابقون هم المقربون (وليس أصحاب الجاه والسلطان والمال) وهم ثلة من الأولين (السابقون من المهاجرين والأنصار) وقليل من الآخرين (ممن تأخروا في دخول الإسلام) ولهم من النعيم في الجنان كذا وكذا وأصحاب اليمين لهم من النعيم في الجنان كذا وهم ثلة من الأولين والآخرين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)

وأما أصحاب الشمال فلهم من العذاب كذا لأنهم كانوا يصرون على الحنث العظيم وينكرون البعث, لذلك فقل يا محمد أن الأولين والآخرين مجموعون لميقات يوم معلوم, وفي ذلك اليوم يبعث جميع الناس (فلن يبعث أحد في الدنيا) وفي ذلك اليوم يأخذ الضالون المكذبون نصيبهم من العذاب:

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)

وبعد أن قدمت السورة الحال الجديد لأصحاب ذلك التقسيم تعود لمخاطبة المكذبين بذكر بعض الآيات الدالة على قدرة الله على البعث وعلى تغيير الأوضاع في الدنيا وأنهم ليس لهم من الأمر شيء فلا يستطيعون رد قضاء الله, ومن ثم فعليهم في مقابل هذا أن يتذكروا ويشكروا لا أن يكفروا!

نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)

ثم يذكر الله تعالى آية متغيرة (مواقع النجوم التي تختلف من ليلة لأخرى) وأنه ليس بحاجة للقسم بها على أنه قرآن كريم في كتاب مكنون وتنزيل من رب العالمين فإذا كنتم مدهنين بهذا الحديث (وتظنون أنكم لو آمنتم سيضيع رزقكم الذي يأتيكم من أتباع ملتكم) ومن ثم تكذبون للحفاظ عليه, فماذا سيكون الحال إذا بلغت النفس حلقوم المحتضَر فلو كنتم غير مدينين (ولكم السيطرة على مجريات أموركم) فارجعوها واجعلوه لا يموت (ولكن هذا لن يحدث فلقد قدرنا بينكم الموت)

فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)

وكما بدأت السورة بالحديث عن أصناف الناس في الواقعة تُختم كذلك بالحديث عن أحوالهم وبالقول أن هذا حق اليقين (الذي لا ينبغي تكذيبه ولن يمكن لأحد ساعتها تكذيبه) ومن ثم فسبح باسم ربك العظيم (الذي سيحقق موعوده):

فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

وبعد أن بيّنا الوحدة الموضوعية للسورة ندعو القارئ الكريم أن يعيد قرائتها مجددا, فسيفتح الله عليه فيها ما لم نذكر نحن وسيرى فيها تماسكا وترابطا واتصالا بديعا, إنه ولي ذلك والقادر عليه إنه هو الفتاح العليم والحمد لله رب العالمين.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.