سورة القمر وزواجر المكذبين

نواصل بفضل الله القدوس وعونه تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بإذن الله السلام المؤمن لسورة القمر, فنقول:

سورة القمر سورة مكية (كما ورد في كتب أسباب النزول) ويظهر من خلال موضوعها أنها مما تأخر نزوله في المرحلة المكية. وفي تلك المرحلة كان المشركون لا يزالون مصرين على تكذيبهم باليوم الآخر (وبالرسول) ويطالبون بأن ينزل بهم العذاب أو أن تأتيهم آية (حسية) ليؤمنوا,

وكان الرسول متأثرا بعدم إيمانهم ويود أن يتحقق موعود الله, فأنزل الله سبحانه سورة القمر ليقول للرسول (المأمور بالصبر في السور الماضية) أن ما كذبوا به قد اقترب (الساعة) وأنه سينزل بهم في الدنيا مثل ما نزل بالمكذبين من قبلهم ولكن بأوان فلكل شيء مستقر, (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه).

وتعلل السورة هذا بأن تكذيبهم قائم على الإعراض وإتباع الهوى, (وليس بسبب نقص ما يؤمنون لأجله) فلقد جاءهم من الزواجر والمذكرات ويُسر القرآن للذكر إلا أنهم لا يتذكرون, فإن لم يؤمنوا بهذا فسيكذبون بأي آية تأتيهم مهما كانت, لذلك فتول عنهم.

والاتصال بين النجم والقمر جلي, والقمر بمثابة امتداد لها, فبغض النظر عن بدء كل منها بالحديث عن جرم فلكي, فلقد دارت سورة النجم في فلك الرد على رامي الرسول بالضلال والغواية بالقول أن مستنده العلم بينما مستندهم هم الظن وإتباع الهوى, وهنا تواسي السورة الرسول المكذب به بأن تكذيبهم وإعراضهم راجع إلى إتباع الهوى وأن ما يوعدون به قد اقترب (وهو ما خُتمت به سورة النجم: أَزِفَتْ الْآزِفَةُ) وأن القرآن الذي يعجبون منه ويضحكون (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتضحكون ولا تبكون) قد يُسر للذكر

وكما تحدث عن النذر في نهاية النجم (هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى) ذكرها في بداية القمر! ولما كان قد ذُكر إهلاك عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط في النجم: ” وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)” فصل في إهلاكهم في سورة القمر (ولم يُذكر غيرهم من الأقوام في القمر)

ونبدأ في تناول السورة لنوضح كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بمخاطبة الرسول بالقول أن الساعة قد اقتربت وأن القمر قد انشق (وليس: انفلق, ولا: انفرق) وأن الآيات لن تدفعهم للإيمان*
فإن يروا يعرضوا ويقولوا أنه سحر شديد قوي. وقد كذبوا واتبعوا أهواءهم وكل شيء له مستقر يقع فيه, ولقد جاءهم ما يزجرهم عن تكذيبهم وكفرهم, فما تغن النذر! فتول عنهم. فعندما يدع الداع سيجيبون خشعا أبصارهم سيخرجون مهطعين مقرين بعسر اليوم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)

ثم تبين السورة للرسول أن التكذيب ليس بالأمر الجديد الفريد وإنما هو فعل الأقوام السابقين وكيف أنهم كن عاقبتهم الإهلاك فتذكر نبأ أربعة أقوام (مبتدأة الحديث عن كل منهم ب: كذبت) أهلكوا لتكذيبهم وتعقب بعد كل منهم بالقول أن القرآن ميسر للذكر (الذي تضافر مع هذه الحوادث في التذكير بعاقبة المكذبين):

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22)
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)

وبعد أن قدمت السورة هذه البراهين التاريخية تختم السورة بسؤال المكذبين:
أكفاركم خير من هؤلاء فلن ينزل بهم العذاب؟ أم أنكم أخذتم براءة في الكتب السابقة أم يعتمدون على اجتماعهم فسيهزمون! (وليست الهزيمة هي العذاب الذي وعدوه) فموعدهم الساعة وهي أدهى وأمر وفيها سيكون المجرمون في ضلال وسعر ويسحبون (وليس من اتبعوا بشرا واحدا منهم). إن كل شيء خلق بقدر وأمر الله كلمح بالبصر (فلن يحتاج إلى زمن لإنجازه وإنفاذه) ولقد أهلك أشياعكم فهل تذكر أحد؟

إن الله لا يخفى عليه شيء فكل شيء مسجل ومستطر. بينما المتقون في جنات ونهر مكرمون في مقعد صدق (في مقابل المكذبين الذين يُسحبون) عند مليك مقتدر:

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)

وبعد أن بيّنا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة, ندعوه لقرائتها مرة واحدة, فسيرى فيها من الترابط والتواصل وسيفتح الله عليه فيها ما لم نذكر نحن إنه ولي ذلك والقادر عليه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

______________________
* عرضنا في موضوع سابق بعنوان: انشق القمر حقا ولكن, (في منتدى: الحوار العام, لمسألة انشقاق القمر) وبيّنا أن السورة من أولها لآخرها تكذب الروايات التي تزعم انفلاق القمر في زمان الرسول.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.