حب البناء!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن خصلة مترسخة بداخل كثير منا –وخاصة الذكور- وهي خصلة حب البناء والأبنية! يتساوى في ذلك الكبار والصغار, والأثرياء والفقراء, والأفراد والأمم!! الكل يبتغي بناء يحميه –ويتفاخر به- ويتركه بعد وفاته … كتذكار يشير إلى ما فعل!

يدعي الفقير الذي يبني … ويبني … أنه يريد أن يؤمن نفسه ويوفر لأهله مسكنا ملائما يحميهم ويجمعهم!
كما يدعي أنه يريد أن يؤمن لأبناءه مستقبلهم! فبدلا من أن ينهي أولاده تعليمهم ثم يعانون من أجل توفير مسكن يعيشون فيه …. يقدم لهم المسكن مقدما, فلا يحملون همه!

وقد يترك بلده ويسافر إلى غيره ويتغرب ويعمل ويُهان … ثم يعود, وبدلا من أن يبني بناءً حسنا يفي بالغرض ويستغل ماله في مشروع ينفعه وينفع غيره! … يبني بناء يستنزف كل ما ادخر, وقد يستدين أو يظل سنوات أطول في الغربة ليقول أنه على درجة من الثراء أعلى من هذا المنزل!!

ويبني الثري –أو يشتري البناء مجهزا- ليختلف عن غيره, فهو على درجة من الثراء, ولا بد أن يظهر ثراءه هذا في مسكنه, حتى يبهر أضيافه الذين يحلون عليه … وأقاربه الذين يزورونه!
فيتفنن في زخرفته وتزيينه حتى تحتار العين أين تستقر وتسكن! فتظل تتقلب من زخرفة إلى زينة إلى تحفة إلى رسم … ثم تهدأ عندما تقابل صاحب الدار فلا بد أن تنظر إليه … حتى لا يساء الظن بها!

ويبني الحكام ويُكبرون ويعظمون ويضخمون محل سكناهم …. ليشعروا من يأتيهم بعظمتهم وأنه صغير (حقير) بالنسبة لهؤلاء! فمن يسكن في مثل هذه الأبنية هو لا محالة أعظم وأقوى منها!! فيوجد البناء وتجهيزاته وتحصيناته رهبة مقدمة في نفس الداخل فيه!!

وتبني الدول والأمم … ولا بد أن يكون بناء الأمم مختلفا عن بناء الأفراد …. فلزام أن تكون أبنيتها على قدرها …. فلا بد أن تكون على قدر من العظمة تبهر القادمين من خارجها … وتشعرهم بمقدار ثراء هذه الدولة والحكومة …. وتجعل الأجيال التالية يفتخرون بهم … فهم السلف الفالح الذي ترك للخلف ما يفتخر به!

ولم يقتصر الأمر على أرباب الدنيا وإنما تعداه إلى رجال الدين, فأصبحنا نرى دور العبادة العظيمة بقبابها الهائلة وأبراجها -مئاذنها- التي تناطح السحاب!! والمليئة بالزخارف من الداخل! ولم تعد دور العبادة تختلف عن قصور المترفين والحاكمين!

وقاس رجال الأديان الأمر بنفس المنطق الدنيوي المعوج: بما أن الله عظيم! فلا بد أن تكون بيوته عظيمة … في البناء والهيئة … بغض النظر عن عظمة الدور الذي تقدمه والإيمانيات التي تغرسها! وهكذا أصبح الإنسان يشعر بالرهبة -من- وفي بناء بيت الرب! بدلا من أن يستشعرها للرب نفسه!

صار المسلمون على خطى سابقيهم وأصبحوا يتنافسون في بناء المساجد العظيمة المزخرفة …. وأكثر المسلمين يطمع في أن يبني مسجدا! وقليل من يفكر في أن يبني إنسان!

ومنذ قديم الزمان وإلى زماننا هذا –وإلى قيام الساعة- تتفنن الأمم في البناء .. لحاجة ولغير حاجة ..
وإذا وصلت الأمة إلى مرحلة البناء لغير حاجة كان هذا نذيرا بقرب انهيارها …. وصل قوم عاد إلى هذه المرحلة, فقال لهم نبيهم هود:
“أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء : 128]”
وفي زماننا هذا تبني الدول النصب التذكارية … والأبنية العظيمة … تخليدا لذكرى ما أو لمجرد الإتيان بطراز عجيب من البناء … لا لشيء وإنما لتكون مزارا … يقصده الناس فيفغرون أفواههم ويلتقطون له الصور … ويُصورون أمامه … ثم ينصرفون … بحانوت أخفاف حنين!!!!!!!!!

وأنظر في حال الناس حوالي وأتحسر وأقول:
لو وُضع عُشر ما يُوضع في الحجر في البشر لاختلف حال البشرية كثيرا!!

لو اهتممنا ببناء الإنسان لأصبحنا مجتمعات إنسانية حقيقية مسالمة متعاونة, وليس مجتمعات متصارعة متشاحنة!
لماذا نريد أن نبني لأبناءنا بدلا من أن نبنيهم؟!

لقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليبني الإنسان … فأبى البشر إلا التنافس في بناء الحجر … حتى لو كان ثمنه هدم البشر!
أنظر إلى الأبنية العظيمة المزخرفة وأتحسر على من يضيعون أعمارهم وأوقاتهم من أجل زخرف لن يلحظه هو أو غيره, ولن يجلب له سوى شعور زائف بالعظمة والاستعلاء على الناس…. وهو شعور مهلك محبط للعمل لو أصبح حقيقا!
أتحسر على من يجد رزق الله قد زاد في يده, فلا يعرف ما يفعل به, فيتجه لتقليد السابقين الهالكين … فيسير على خطاهم… فيبني لنفسه قصرا … ويشتري قصورا ومنازل في مدن … قد لن يزورها إلا أياما قلائل في العام, وقد لا يفعل! ولكن ماذا يفعل بالمال إذن؟!

هكذا فعل الأثرياء المترفون السابقون, ومن ثم فلا بد أن يقتدي بهم!!
وأنظر إلى الفقراء العراة حولي وأتساءل: ماذا سيحدث لو وضع الأثرياء المترفون غالب أو حتى نصف أو ثلث ما يزيد عن احتياجاتهم الكثيرة, والتي هي في معظم الأحيان ليست بالاحتياجات, في هؤلاء!

ماذا يحدث لو أمّنا لهم المطعم والملبس والمسكن! والعلم والعمل!
سيختلف حال البشرية كثيرا … إلى الأفضل!!

والعجيب أن أكثر البشر يقدرون الحجر أكثر من البشر, فلا يهم كم مات من أجل بناء الهرم, المهم أنه أصبح عندنا الهرم! ولا يهم كم نفس زهقت من أجل بناء المعابد البابلية, المهم أنها أصبحت من المفاخر العراقية …. وهكذا!
لا يتفكر أكثر الناس في المعاناة التي ذاقها الأقدمون من أجل بناء هذه الأحجار, وإنما ينظرون إلى النتيجة!

وعلى النقيض من ذلك نجد أن رسولنا الكريم قد قال أن حرمة دم المسلم عند الله أعظم من الكعبة!
نعم, فزوال الكعبة أهون عند الله من أن تموت نفس بالباطل!

ولكن لا يزال أكثر الناس بعيدون عن هذا المستوى الفكري المقدر للإنسان! فلا يهمهم أن يُهدر الإنسان ويهدَم … طالما أن الأبنية ستعلو!
وحتى لا يقلق محبو الإبداع نقول لهم:
إن كل ما نرنو إليه هو فقط مجرد تأجيل مرحلي للإسراف في البناء! فنعمل على أن نبني البشر … وعندما نبني البشر سيختلف الحال … ويعم السلام … والرخاء … وسيتوفر الكثير من المال عند الناس …. ولن يجد أكثرهم ما يفعلونه به وقتها …. إلا أن يبنوا …. ويبدعوا …. ويتفاخروا! فهذا طبع راسخ فيهم!

وساعتها لن أتضايق أن يبدع البشر ويبنوا الحجر …. بعد أن بنوا البشر!

أعلم أنني أحلم …. ولكن من حقي أن أحلم …. وأعرّف الآخرين بما أحلم به فقد يستجيب بعضهم … ويشارك بعضي في بناء الإنسان!

في النهاية أقول:
إنني أُشبه حركة المجتمعات البشرية –ذات المرجعية البشرية- ب “ترس ضخم” يندفع إلى الأمام بسرعة غير ثابتة, فيسرع أحيانا ويبطأ أخرى …
وذلك لأن ذلك الترس الكبير غير منسجم مع باقي التروس الصغيرة, فيدهس بعضها بكل سهولة, وتقاومه أخرى لفترة, إلا أنه قد يدهسها في آخر المطاف! ويواصل تقدمه على نفس حاله! مستمرا في تقدمه على حساب التروس الصغيرة! حتى يقابله ترس آخر لا يستطيع تجاوزه فيحطمه! أو يحطمان بعضهما بعضا!

أما المجتمعات البشرية –ذات المرجعية الربانية- فأشبه حركتها ب “ترس كبير”, يضم إليه غيره من التروس الصغيرة والمتوسطة, فيزداد هو سرعة … ويزدادون جميعا قوة وثباتا! فلا يُعطل –بله أن يُحطم- الصغير من أجل الكبير, وإنما يكمل بعضهم بعضا, ويُسخر الكبير للصغير والعكس!

والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.