Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2020-03-01 12:44:19Z | |

دعاء الله!

نتحدث اليوم بفضل الله العظيم عن واحدة من أهم العبادات, إن لم تكن أهمها على الإطلاق, تلك التي جعلها الله مساوية لعبادته, والتي لها الدور العظيم في ربط قلب العبد بربه … ومن ثم حبه!

عبادة هي الباب الرئيس لعبادات أخرى, فإن لم يأتها الإنسان لم يصل إلى ما يريد, ولم يكن عبداً لله كما ينبغي!
حديثنا اليوم بإذن الله هي: الدعاء!


ذلك السلاح العظيم الذي يستطيع الإنسان به أن يخوض غمار الحياة وهو مطمئن أشد الطمأنينة, وعلى الرغم من ذلك تركناه, فلم نلجأ إليه إلا في أحلك المواقف عندما تسود الدنيا أمام أعيننا, ونشعر أننا لن نستطيع أن نفعل شيئا في هذا الأمر الدنيوي, أو عندما نخاف وقوع ضر لا نستطيع دفعه, فنرفع أيدينا إلى الله داعين!
من منا يدعو الله أن يعيده سالما من عمله؟!
من منا يدعو الله أن يسهل له الوصول إلى عمله؟!
من منا يدعو الله أن ييسر له المواصلات (اللهم يسر لنا: حافلة … ميكروباص .. اللهم خفف زحام المواصلات!)
من منا يدعو الله فيما يعلم أنه يستطيع أن يفعله بنفسه بكل سهولة؟!

للأسف أن بعضنا يستغرب بل ويستثقل أن يدعو الله في الأمور الصغيرة! كأن هذا ليس من مقام الله!
بعضنا تأثر بقصة ذلك الذي أتى رجلا عظيما, فقال له: إني أريدك في أمر صغير! فقال له: إذن اذهب إلى غيري, فإني لا أقوم إلا بالعظائم!
فيظن أنه ينبغي كذلك أن يكون الحال مع الله, فلا نلجأ إليه لتقضية “التوافه والعادات”!


ولو كان الله رجلا, يحتاج أن يتفرغ لأمور محددة, لقلنا بذلك, ولكنه الرب الذي لا يشغله صغير عن كبير, ولا عظيم عن حقير, وإنما يسمع كل داع ويجيبه!

لذا فعلينا ألا نستصغر شيئا, وإنما نسأل الله في كل شيء!

فإننا لما هجرنا الله في الصغير … نسيناه عند الخطب الكبير …. وهكذا أصبحنا “عاقين” لربنا!

وهذا من هجرنا ربنا, فكما عق بعضنا والديه وهجرهما, هجر أكثرُنا الله عز وجل, فلم نعد نلجأ إليه ونأنس به!
ولله المثل الأعلى: فالأب …
رب الأسرة, يألم أشد الألم, إذا رأى ابنه معرضا عنه, لا يسأله العون والمدد … يحزن عندما يراه يعمل ويشقى ليحصل على المال بدلا من أن يطلبه منه!

يحزن عندما يرفض أن يأخذ كسبه ويظل يعاني بنفسه لنفسه!
يألم عندما يراه يتخبط في الدنيا حوله ليعرف طريق الصواب, ولا يسأله ليرشده الطريق, فينجيه من هذه الحيرة!

فكذلك الله –وله المثل الأعلى-, فهو يحب أن تلجأ إليه وتسأله وتدعوه, وأن تطيعه وتتقبل ما أنزله لك … فما فعل هذا إلا لخيرك ولنفعك!
فالرب العليم الرحيم يحب خلقه ويريد أن يخفف عنهم! ويأبى الإنسان إلا أن يعسر على نفسه!


فعلى الرغم من أن الله … قريب مجيب! كما قال:

“وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة : 186]”

فعلى الرغم من أنه قريب, تركناه ولجأنا إلى البعيد الضعيف!
لم ندعه على الرغم من أنه أمرنا بدعائه, وجعل دعائه عبادته, وتوعد المستكبرين عن دعائه:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر : 60]

أمرنا سبحانه وتعالى وجل وعظم بدعائه لأنه هو … الرب!
ولأنه الرب فهو الذي يجب أن يُسأل ويُلجأ إليه, وبهذا يحقق العبد معنى التوكل!
فبدعائه ربه يعلن العبد توكله على ربه وحاجته له في كل كبيرة وصغيرة!
فهو يقول بلسانه وبلسان حال:

إني العبد وأنت الرب …. فيسر!

أما العبد الذي ينسى الله ولا يدعه فهو غير متوكل على الله … متوكل على ذاته الضعيفة الذليلة!
وعجباً لعبد ينسى القوي المصرف ويتوكل على ساعديه وعقله … المحدود!

أكثرنا يدعي أنه متوكل على الله … ولا يلتفت إلى هذا المعنى … فهو يقولها بلسانه: توكلنا على الله!
ولكن لسان حاله يقول: توكلت على ساعدي!

مما يأسى له القلب ويدمى أن عامة المسلمين أصبحوا عباد سوء, مثل ذلك الذي قال الله في حقه:
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس : 12]
فيلجأ إلى الله عند الضراء, وعندما يكشفه الله عز وجل, ينساه! كأنه لم يدعه! وهكذا ينسى الله في الرخاء ويعرفه في الشدة!
وقديما قيل: اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة!


ولكنا –أكثرنا- لم نعرف الله إلا في الشدة … ونسيناه في الرخاء, فأصبح حالنا مثل عبد السوء, الذي قال الله في حقه:
فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر : 49]
أصبحنا مثله ونظن لأننا لم نقلها بلساننا فنحن في سلام وعلى خير!
نعم, لم نقلها بألسنتنا ولكنا قلناها بأفعالنا, فلأننا نظن أننا كسبنا باجتهادنا وبعملنا وعلمنا, نسينا شكر الله وحمده!


ولو كنا مؤمنين حق الإيمان أن النعمة من الله, لحمدناه! ولكنا نقول بألسنتنا ما ليس في قلوبنا!
ومنا من يدعو الله عز وجل, إلا أنه يدعوه في الخير, فيسأله الرزق والمعافاة …
فإذا رزقه الله نسى الله الكريم, وإن مسه الشر يأس وقنط, لأنه نسى أن له ربا يصرف الأمور, فلأنه يرى أن هذا الأمر أكبر من طاقته ييأس ويقنط!

إن المؤمن حق الإيمان لا يقنط أبدا فهو يعلم أن هناك رب رحيم مجيب … قوي, قادر على تغيير ما كان!
لذلك فإنه يخاطب نفسه حتى لا تقنط, قائلا:
لا تقولي: يا رب إن همي كبير, ولكن قولي: يا هم إن ربي كبير!
فيلجأ إلى الله ليرفع عنه همه وغمه وليعافيه! فيدعوه طالبا خيري الدنيا والآخرة:
… رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة : 201]


ولكن من يفعل؟
إن أكثرنا ينزل به الشر –من فعل نفسه- فييأس ويقنط, أو يدعو الله طلبا للخير وينساه بعد حصوله عليه, ويدعوه لرفع الشر وينسى حمده بعد رفعه!

فيا أسفى على من صار حالهم كحال من قال الله فيه:
“لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ….. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ [فصلت : 49-51]”


ومما يأسى له القلب أن بعضنا يضع واسطة بينه وبين الله القريب! كأن الله يحتاج إلى واسطة!

إن الله أمرنا بدعائه, وقال أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه, أما إذا دعوت فلانا أن يدعو الله, أو دعوت الله بحق فلان! فأنت لا تخلص دعائك لله!

وأعجب أكثر من من يدعي الإيمان بالله ثم يدعو من دون الله! فصار حاله مثل المشرك الذي قال الله في حقه:
“وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف : 5- 6]”

فيدعو (فيعبد) أمواتا لا يسمعون وينسى الحي المجيب, وإذا حشر الناس يكفر المدعو بعبادة الداع, فهو لم يأمره بهذا ولم يطلب إليه ذلك, وإنما كان يرجو أن يدعو الله له!

فبدلا من أن ندعو للموتى, أصبحنا ندعوهم أنفسهم! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

لذا فإني أدعوكم إخواني إلى دعاء الله, دعاءً بتبتل يخرج من القلب, فهو أصدق الدعاء وأفضله!
فإن كان أفضله بناءً ما ورد في القرآن ثم كلام الرسول, إلا أن العبرة بما يخرج من القلب, فكم منّا من يلوك الأدعية بلسانه ويكررها ولكنها كلام يخرج من اللسان, وليس توسلات من عبد ذليل إلى رب غني كريم!


تذللوا إلى الله وادعوه وألحوا في الدعاء, ولا يقنط أحدنا فيقول دعوت فلم يُستجب لي! وإنما يكون من الموقنين أشد اليقين أن الله يجيب دعاء كل داع!

(ولقد بيّنا في أثناء تناولنا لآيات الصيام – في منتدى آيات الأحكام, على صفحات موقعنا- الخطأ الشهير في فهم إجابة الدعاء, وكيف أن الناس يظنون أن هناك ساعات إجابة! وبينا أن الله يجيب كل دعاء في كل وقت, وفرقنا بين تنفيذ المطلوب وإجابة الدعاء!)

ادعوا الله كما أمر, ادعوه بما تحتاجون, ادعوه كما قال في كتابه!
فلا يقولن أحدكم: يا الله (كما نسمعها من محترفي الدعاء في وسائل الإعلام!) فلم ترد في كتاب الله ولا في كلام رسوله!
ولا يقول كذلك: يا رب, ولا: يا ربنا!
وإنما يدعوه قائلا: اللهم! أو: رب, أو: ربنا!

(ولقد فصلنا في موضوع: التأدب مع الله, والموجود على هذا الرابط
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=534

خطأ قول: يا رب, ويا الله! وأهمية الالتزام بما ورد في كتاب الله تعالى)

وفي الختام ادع الله أن يقرأ هذا الموضوع أكبر عدد من الأخوة, وأن يعملوا على نشره في منتديات ومواقع الشبكة, وأن يكون سببا في رجوعهم إلى الله ودعائه!

اللهم تقبلنا وتقبل منا واغفر لنا وارحمنا وتب علينا, واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم, إنك سميعٌ مجيب الدعاء!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.