لم لا …. لا: نعم, لم؟!

حديثنا اليوم عن نظرة الناس إلى الأمور, كيف يرى البشر الأشياء, وكيف يتعاملون معها, وكيف يبررونها لأنفسهم؟
الناظر في حال البشر يجد أنهم يتعاملون مع الأشياء بمنطق شبه قويم, طالما أن الأمر لا يتعلق بهم, فيحاولون أن يزنوا الأمور عقلا ومنطقا, ويصدروا الأحكام بطريقة قويمة!
فإذا تعلق الأمر بمن يبغضون تعاموا عن كل خير ولم يروا إلا المثالب, ولله در الشاعر حيث يقول:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** وعين السخط تبدي المساويا
أما إذا تعلق الأمر بهم أو بمن يحبون, فيختلف الحال تماما, فينتقل الأمر من باب المنطق إلى باب التبرير, فإذا كان الأمر حقا, فله ما يسانده من عناصر الأحقية, ويزيد الإنسان إليها ما يرسخه, ويجعله غير قابل للزحزحة,
أما إذا كان غير ذلك فيبدأ الإنسان في تبرير أفعاله, ويبدأ التبرير بالسؤال العتيق: لم لا؟


فإذا كان الإنسان يريد أن يترك أمرا مما هو مفروض عليه, فيبدأ بالسؤال: ولم لا؟ فهناك الكثيرون لا يفعلون, وإذا تركت أنت فهل ستهدم الدنيا, أم ستزلزل الأرض؟ لن يحدث أي شيء من هذا.
وإذا أراد أن يأتي منهيا عنه, فيبدأ كذلك بنفس السؤال: لم لا, فما هو إلا صغيرة, وما هو من الكبائر, فلا حرج في فعله!
وإن كان من الكبائر فيكون الوعد بالتفرد, فستفعلها هذه المرة فقط, لتذوق وتتمتع, ثم بعد ذلك لن يكون العود أبدا! والله غفور رحيم!
ومرة في مرة يعتاد الإنسان على الشيء فيعز عليه أن يفارقه!
وإذا أراد أن يأتي أمرا تافها, برره لنفسه أنه من باب الترفيه وأنه لا حرج فيه ولا إثم! (وكأن إضاعة العمر وعدم تعلم الدين ليسا أكبر الآثام!)

والناظر يجد أن “لم لا” هذا, مدخل إلى عامة الطوام التي تنزل بالإنسان وبالمجتمع, فإذا نظرنا إلى أرباب الدعاوى الساقطة في الأدب أو أرباب! الفن الهابط, نجد أنهم يسوقون لبضاعتهم الكاسدة بهذا السؤال: 
لم لا؟ ما المشكلة فيما نقدم؟

إن المجتمع في حاجة إلى المرح والسرور والمتعة!
(يقصدون أن الحيوانات في حاجة إلى ما يثير غرائزها, والمغفلون في حاجة إلى ما يزيدهم غفلة وإلهاء!)
نحن نقدم شيئا ما ولم نجبر أحدا على أخذه, وكل إنسان مخير في قبول ما يحلو له.
(وقولهم هذا شبيه بمن فتح بيت دعارة في أحد الأحياء وسرح فتيات الليل في الحي, ثم يدافع عن نفسه قائلا أنه لم يجبر أحدا على الزنا وأن الرواد هم داعرون ابتداءا! ولست أدري إذا كان هذا العقيم الفكر لا يعرف أن تسهيل وتوفير عناصر الفساد مشجع على ارتكابها, وتزينها للإنسان جار لها, فالإنسان بطبعه يحتوي على الفجور والتقوى, فإذا توفرت المحفزات لأحدهما برز وتوارى الآخر!).

لذا فإنا ننصح الأخوة أن يغيروا منطلقهم في التفكير من “لم لا” إلى ” نعم, لم؟!”
فإذا أردت أن تفعل شيئا أو تتركه, فليكن سؤالك الأول لنفسك: نعم, سأفعل أو سأترك ولكن: لم؟!
ما الفائدة من هذا الفعل الذي سأقوم به, وما النفع الذي سأجنيه من الترك؟!
وبهذا الميزان نغير تفكيرنا السلبي الذي يعتمد على تزيين عدم وجود الضر إلى تفكير إيجابي, يعتمد على النفع في الشيء!

وبهذا يكتسب الإنسان خطوة في الحوار مع أرباب الفساد, فإذا قال له أحدهم مبررا فعله: وما المشكلة ولم لا أفعل؟
فلا يحتار في البحث عن الضر في الشيء وإنما يعيد الكرة إلى حجره ويسأله: ما النفع في الشيء الذي تقوم به, وهل نفعه أكثر بكثير من ضره أم أن نفعه خاص بصاحبه وضره عائد على غيره؟!

جعلنا الله وإياكم من الساعين في الخير, النافعين الناس, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.