عبد الأرض … أم .. الله؟

لا جدال أن “الحرية” غاية أصيلة لدى كل إنسان في كل زمان ومكان, ويمكننا الزعم كذلك أن زمننا هذا هو “زمن الحريات”, حيث تم إعلاء الحرية كقيمة كُبرى على الكل السعي لتحقيقها, أفراداً كانوا أو أمماً, حتى ولو اقتضى الأمر الموت في سبيل هذا, وأصبحت “العبودية” و “العبيد” و “أخلاق العبيد” أوصافا مذمومة مستكرهة, يسعى الجميع للتبرؤ منها.


على الطرف الآخر نجد أن القرآن يعتبر البشر كلهم كمجموع “عباد” لله, بينما لم يُعط هذا النعت على المستوى الفردي إلا لصفوة الخلق!!
رغما عن هذا, فيمكنني الزعم أن من بين النعوت المقدمة للعلاقة بين الإنسان وربه, فإن هذا النعت هو النعت المهمل! فليس لدى الإنسان أي مشكلة أن يسلم وجهه لله فيُسمى: مسلم, أو أن يكون مؤمناً, أو أن يكون “متزكيا”, أو يكون من المتوكلين أو من المستعينين المستعيذين .. الخ,
ولكن أن يكون “عبداً”, فهذه ثقيلة على النفس! لما لهذه العلاقة الاجتماعية بين البشر وبعضهم من صورة بغيضة متخيلة, لإنسان يرزخ تحت الأغلال, ذي ثياب مقطعة متسخة, ليس له من أمره شيء, يعمل ليل نهار من أجل تحقيق رغبات سيده, والذي قد يعذبه أو يهينه لأقل سبب!! لذا قد يتساءل البعض: ألم يجد الله “وصفاً” أفضل من هذا لينعت به المؤمنين في كتابه أكثر من مائة مرة؟!

وبغض النظر عن أن “العبادة” هي “الدعاء” والنداء, وأن العباد هم من يكثرون دعاء ربهم, (وربما لهذا السبب تم تسمية: العبد, لدى البشر, عبداً, وهذه التسمية كانت من باب “المقلوب”, فلم يكن العبد هو المنادي وإنما المنادى, يناديه ربه/ سيده في أي وقت فيلبي!!),
بغض النظر عن هذا التخريج يمكننا النظر إلى العلاقة بين الإنسان وربه على أنها علاقة عبودية فعلية! فالعبد يكدح في الأرض, والإنسان منا يكدح كذلك في الأرض طلباً للرزق, ورغماً عن أن الإنسان قد يفسد في الأرض ليكتسب, إلا أن عامة سعي الناس “الأحرار”,
وإن كان لاكتساب المال لنفسه في المقام الأول إلا أنه في نهاية المطاف يصب في خانة الإصلاح في الأرض … فاكتسابنا وبغير قصد محصلته أن الأرض تعطي ثمارها وتُخرج خيرها, وبهذا تتحقق المشيئة الربانية من الإنسان: “… هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. [هود : 61]”, فالإنسان مجبرٌ يعمر الأرض.

وإذا كان البشر “الأحرار” طيلة مسيرتهم عبر آلاف السنين يعملون .. للأرض, فيمكننا أن نسميهم “عباد الأرض”, ولكن الرب الكريم من قبل بداية الخليقة أعلنهم “أسيادا” خلفاء عليها,
وفي الرسالة الأخيرة أعلنهم “عباداً” له, فنحن أجراء الله في الأرض … نعمل ونعمر ونصلح, وهو يجزينا جزاءً حسنا في الدنيا, وفي الآخرة سيجزينا الجزاء الأوفى على ما عملنا! كذلك هو لم يتركنا هملاً وإنما أوحى إلينا نوراً, وألزمنا باتباعه والاهتداء به, فمن أعرض عن “أمر” الله, أهلك نفسه.

في الختام أقول: إن تسمية “العبد” هي تذكير للإنسان بأن له “حدودا” ودورا وأجرا, وأنه مهما علا وامتلك وساد, لا يزيد في نهاية المطاف عن “عبد” مختبر, فالعبد كان يعمل في حديقة سيده “المسورة”, وأنت موجود على الأرض كذلك .. لا لتلهو وتلعب … وإنما لتعمل .. تعمل وتُجد في “حديقة” سيدك .. المفتوحة, المجعولة للأنام … والذي سيؤجرك بمقدار عملك في آخر اليوم …
أو إن شئنا الدقة .. في اليوم الآخر … فإما أن تُعتق نفسك فتكون من أصحاب “الحديقة الكبرى” أو أن تُنزل نفسك دار العبيد … الحقةش

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.