إشكالية تجديد الخطاب الديني

“ما ترك الأول للآخر شيئا”
لا تقتصر صلاحية الدين على الصلاحية الإقناعية أو الصلاحية النظرية –التي عرضنا لها في المقال السابق-, وإنما تتعداه كذلك إلى الصلاحية العملية, وبتعبير أدق: القدرة الإصلاحية, فهل برهن الدين الإسلامي على قدرته الإصلاحية وعلى نجاعته كدواء لأدوية المجتمع؟

بسبب الانتكاسة التي تمر بها الأمة على جميع المستويات, وخاصة المستوى الأخلاقي السلكوي, أصبح من العسير القول أن الدين أفلح في المداواة, ومن ثم ظهرت بعض الأصوات من العاملين في الساحة الإسلامية –ومن خارجها- التي تقول أن العيب ليس في الدين نفسه, وإنما في الخطاب الديني وتنادي بتجديده, لأنه لم يعد فقط غير صالح ومناسب لمجتمعاتنا المعاصرة
وإنما لأنه أدى كذلك إلى تفريخ متشددين متطرفين, وحتما فإن هذا الخلل مؤشر قوي على أن المنهج المتبع ليس هو المنهج الرباني الذي قدمه لعباده كهدى.

ورغما عن أن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ليست بالجديدة, فلقد ظهرت منذ ما يناهز الثلاثة عقود, إلا أنه لا يزال يُنظر إليها بريب من أكثر العاملين في مجال “الدعوة الإسلامية”, بل ومن عوام المسلمين, الذين ينظرون إليها باعتبارها دعوة للتلاعب بالدين, تطبيقا لأجندات أجنبية, تريد تنقية مناهج التعليم الديني مما يؤثر على علاقة المسلمين بغيرهم, وحذف الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الجهاد وما شابه مما قد يؤدي إلى التطرف وظهور متطرفين “إرهابيين”.

ومن يرى الأمر من هذا المنظور –والذي فيه نسبة من الصحة- لا يرى أي مشكلة كبيرة في واقع المسلمين ولا في المحتوى الديني المقدم لهم, وأن المشكلة في التطبيق وليس في النظرية!!

وذلك لأنهم يعطون لنتاج علماء المسلمين الأوائل نفس قداسة النص وصلاحيته, ومن ثم فلا يمكن الحديث عن التجديد .. بله التطوير!! وهناك من يرون أن هناك مشكلة ولكن حلها يحتاج إلى تغيير لغة الخطاب الديني, وليس المضمون ولا المحتوى! وهو ما قدمه “الدعاة الجدد” في العقدين الأخيرين, والذين اقتصروا على تقديم نفس المحتوى الديني ولكن بلغة معاصرة, مع التركيز بشكل أكبر على الجانب الأخلاقي والتطبيق العملي .. أحيانا, إلا أنه لا يقدم أي حل للإشكالية!

إن الخطوة الأولى لتجديد الخطاب الديني هي الإيمان ببشرية التراث الإسلامي ومن ثم نسبيته, وأن النص فقط هو المقدس, وأن نتاج العلماء ذلك –ربما- كان صالحا لمجتمعاتهم وأزمانهم, بينما اختلفت الأحوال والمتطلبات في زماننا ومجتمعاتنا هذا, ومن ثم فعلينا أن نأخذ ما يناسبنا, ونترك بلا تحرج ما لم يعد صالحاً لنا, ونجتهد من خلال النص نفسه في استخراج حلول جديدة لنا! وبدون محاولة إصلاح “الفكر الإسلامي” نفسه
فإن الحديث عن تجديد الخطاب الديني سيظل محض سراب!! وشعارات تلوكها الألسنة! أو ربما يتعداه إلى التدخل الحاد المباشر من الحكومات! بتقديم الدين كما يراه مُنظروها وكما يريدون!! وهو ما سيرفضه العامة حتما!

ف “علماء السلطان” مجروحون دوماً عند العوام! وسيطرة الحكومات على “الخطاب الديني” في الدول العربية حالياً –من خلال سيطرتها على منابر المساجد- هو من أكبر عوائق تطويره, فالخطيب موظف عند الحكومة, يقرأ الخطبة التي تقدمها له –والتي لا علاقة لها بالواقع غالباً وتنحصر في الشعائر وفي بعض المسائل التي لا تهم أحداً من قريب أو بعيد-, ومن ثم تُفرغ الخطبة من محتواها

لذا فأنا أرى أن إلغاء “الخطبة الموحدة” –حديثة التطبيق عندنا في مصر والقديمة في دول الخليج-, وجعل المنابر تابعة لهيئة دينية مستقلة, هو خطوة هامة نسبياً في تطوير الخطاب الديني!
وإن كنت لا أعتقد أن الحكومات ستفعل! والخطوة الأكثر أهمية والمتعلقة بالمنابر هي تطوير مناهج الكليات الشرعية نفسها, وتلقيحها بكثير من “المشائخ الباحثين” المتنورين غير المذهبيين, الذين يعملون على تحرير طلبة هذه الكليات من النظرة المذهبية ومن التراثية, من خلال التركيز على عدم تطابق أفعال السابقين للمنهج النبوي, وأنها كانت إمكانية واحدة من إمكانيات عديدة للتطبيق, أو حتى كان بها خطأ في التطبيق, وبدون هذا التبيان سيظل الفعل النبوي والتراث وحدة واحدة لا يمكن التنازل عنها ولا مخالفتها, وستظل فكرة “ما ترك الأول للآخر شيئاً” ظاهرة ومسيطرة!!

رغماً عن هذه الصعوبات أقول أن الفرصة الآن مواتية أكثر من السابق لتطوير الخطاب الديني, وذلك لأن مطلب “التطوير” لم يعد مطلب “أكاديميين” ينحصر في الندوات والمؤتمرات
وإنما بدأ يتحول إلى ما يمكن نعته بأنه “مطلب جماهيري”, فالجماهير –وخاصة أجيال الشباب- أصبحت تعزف عن خطب الجمع بل وعن الدين كله, بعد أن رأت وسمعت وقرأت بديلاً وبدائل أخرى أكثر إقناعا وإبهاراً على صفحات الكتب ومواقع الشبكة المعلوماتية, وأصبح شبه متفق عليه بينهم أن الخطاب الحالي لم يعد صالحاً بحال! ويشاركهم الكبار كذلك إلا أنهم يذهبون لحضور خطبة الجمعة مهما احتوت لأنه واجب ديني!

كذلك لأن نسبة كبيرة من الشعوب العربية أصبحت تبحث عن “بديل ديني”, بعد أن فقدت الثقة في الحاملين القدامى للدين من التيارات السلفية –بما فيها الإخوان المسلمون-, وذلك لأنهم رأوا أنها تسخر الدين لمصلحتها الحركية, أو لأنها أثمرت جماعات متشددة, داعشية أو تحت داعشية,

ومن ثم أصبح لديها استعداد لتقبل تصور جديد من الدين تتمسك به, بدلاً من أن تفقد هويتها! وعندما يبدأ هؤلاء في “ممارسة الدين” بشكله الجديد, سيجد أصحاب الفكر التقليدي أنفسهم مضطرين لمسايرة هذا التوجه الجديد أو تغيير لغتهم وهذا ما نريد.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.