الأنانية!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن “الأنانية”
تلك الخصلة الذميمة التي رسخت في نفوس أكثر البشر, إن لم يكن كلهم!
فتجد عامتهم يسعون ويتحركون لذواتهم ولملذاتهم, لا يعنيهم ما هو أثر سعيهم على الآخرين, أهو ضار لهم أم نافع!

هذا لا يهم, المهم أن أحقق لذاتي ورغباتي وأهدافي …. المهم أن أنجح في حياتي ولو كان ذلك على أكتاف الآخرين …. أو حتى على أرواحهم!

المهم أنا أكون …. أنا …. أن أصير كما أريد!

وبسبب حب النفس المبالغ فيه وتقديم الذات على غيرها اندثرت كثير من المعاني الجميلة في حياتنا ودخلت مجتمعاتنا سباقا مريرا, الهدف الأوحد له هو جني المزيد والمزيد من المال والجاه والسلطان!

إن الأنانية من أصول الشر, التي تزين للإنسان كثيرا من الأفعال القبيحة, والتي تدفعه دفعا إلى ارتكاب الكثير من الموبقات!

وعلى الرغم من خطورة هذه الخصلة, إلا أن كثيرا منا لا ينتبه إليها ولا يحاول التخلص منها, وذلك لأنه لا يلحظ أنها أصل كثير من أفعاله!

فربما يرى أنه يفعل أفعالا قبيحة ويحاول أن يقلع عنها, إلا أنه لا ينتبه إلى أصل الفساد, فربما يبتر الثمرة والفرع, إلا أن الجذر يظل مترسخا في قرار نفسه!
ولذلك يعود إلى فعل هذه المنكرات!

إن الأنانية ما هي إلا حب للذات مبالغ فيه, وحب النفس من الأمور الحتمية لاستمرار حياة الفرد والجماعة!
لذا فإن الإشكال كله يقع في هذه الزيادة, ولو استطعنا اجتثاثها فإننا نكون بهذا قد أنهينا أصلا كبيرا من أصول الشر والفساد عند الإنسان!

إن طفولة الإنسان تلعب دورا كبيرا وأثرا رئيسا في أنانيته, فالأنانية تبدأ عنده منذ طفولته, والولدان يعملان على تهذيبها أو على تنميتها! فإذا وجد الطفل من والديه تلبية لكل أو لجل متطلباته! وإذا وجدهم يحرصون على تنفيذ كل ما يريد, وإذا وجد منهم تقديما له على إخوته, فإن هذا يشعره بأهميته, كما ينشأ عنده تعودا على الحصول على ما يطلب.

أما إذا وجد من الوالدين قبولا ورفضا لما يطلب, فإن هذا يقلل كثيرا من شعوره بأهميته, وإذا قام الوالدان بتعويده على أن يقتسم ألعابه وحاجاته مع إخوته وأصدقاءه منذ صغره! وكذلك إذا عوداه على الإعطاء وعلى عدم البخل, وكذلك إذا عوداه على أن يقوم ببعض أموره بنفسه, ويقومان هما له بما لا يستطيع,
فإن هذا يقلل كثيرا من أنانيته وينشأ إنسانا سويا يضع نفسه في المكان السليم, فلا ينزلها أعلى مما تستحق! إنسانا يعرف أن للآخرين نصيبا فيما يملك!


والمشكلة أن أكثر الآباء لا يفعل, فينشأ الإنسان وهو يظن أن له منزلة خاصة غير الناس, يظن أن على المجتمع أن يتحمله ويتولى أموره –كما كان يفعل والداه- يظن أن على الناس أن تتحمل سلوكه وأفعاله وألا تنتقده إلا بالقدر اليسير!
فإذا لم يجد هذا ممن حوله يظن أنهم لا يقدرونه قدره! وقد يكرههم أو لا يلقي لهم بالا, فكما لم يهتموا به فلن يهتم بهم ولن يعمل لهم شيئا!

وإذا كان التعيس من الأثرياء فإنه يشعر أنه من جنس آخر غير جنس البشر! فهو في منزلة تعلوهم, وعليهم أن يتعاملوا معه على هذا الأساس!
فإذا حدث واحتك به بعض “الرعية” هاج وماج وثار! فكيف للرعاع أن يتعالوا على السادة! ألا يعلمون من هو وماذا يستحق! أليس له حقوق عليهم!

ويكبر الواحد من هؤلاء ويدخل معترك الحياة يقاتل كالوحش الكاسر ليتحصل على أكبر قدر ممكن من المال والجاه, ليرضي بها نفسه, وليتركها لعياله من بعده!
فهم الذين سيحققون له الخلود في هذه الحياة, فهم الذين سيبقون ذكره!

وقد تؤدي الأنانية إلى نتيجة معاكسة تماما, فإذا لم يجد الأناني من المجتمع قبولا فقد ينعزل عنه, ويظل وحيدا شريدا إلى آخر حياته!
وقد لا يهجره كلية إلا أنه لا يرد له الدين الذي في رقبته! فقد يرفض الزواج حتى يظل حرا طليقا!
وإذا تزوج قد يؤجل الإنجاب حتى يستطيع أن يعيش ملذاته!

ينسى هذا الأناني أن أمه وأباه أضاعا زهرة شبابهما في تربيته, وأن المجتمع قد حمله وتكفل به حتى كبر وأصبح ما صار إليه!
ينسى أنه ثمرة تعاون المجتمع كله في إنباتها ورعايتها … ينسى هذا كله ولا يتذكر إلا ذاته … وملذاته!
لا يهمه حق الناس ولا المجتمع ولا الأمة, فالواحد من هؤلاء شعاره:
نفسي …. نفسي … ذاتي … ذاتي …. شهواتي …. ملذاتي!

إذا كان هذا هو الداء فكيف هو الدواء؟!
إن الدواء هو أن يتخلص الإنسان من “الفكر الطفولي” الذي يسيطر عليه! والذي هو المحرك الرئيس لكل البشرية, فلطفولة كل منا نصيب وافر في سعيه وفي توجيه حياته كلها!

ونحن لا نطلب إليه الانسلاخ من آثار طفولته كلها, فهذا ما قد لا يقدر عليه أحد! وإنما نطلب إليه أن ينظر إلى حياته بمنظور آخر!
يتفكر كيف أن هذه هي أدوارنا في الحياة, أن يحملنا غيرنا وأن نحمل غيرنا!
فلقد كنا صغارا فتكفل بنا أهلونا ومجتمعنا, ولقد كبرنا الآن وحان الدور لكي نحمل غيرنا!

ولا يكون حملنا فقط لأولادنا لأننا نكون بهذا نحمل أنفسنا ونتاجها فقط! وإنما نحمل كذلك من يستحق الحمل!
فإذا كنا نتكفل بأولادنا الصغار لعجزهم ولضعفهم عن القيام بشئون أنفسهم, فعلينا كذلك أن نحمل كل من يعجز عن القيام بأمور نفسه!

فنتكفل بالمرضى والمستضعفين والفقراء والمساكين واليتامى, وبذلك نكون قد رددنا الجميل إلى المجتمع الذي حملني في صغري!

إن الله عز وجل قد جبل الإنسان على الراحة والسرور عندما يعطي غيره, ونحن نُسكن أنفسنا وضمائرنا عندما نعطي لأولادنا, وعندما نرى السعادة والبسمة على وجوههم!
ولو جربنا أن نعطي الآخرين لعرفنا لذة العطاء, وكيف أنها تحقق عند الإنسان الشعور بالرضى وسكون النفس! ذلك الشعور الذي لا يحققه للإنسان الحصول على كل أموال الدنيا!

كذلك يكون الدواء بأن يرى الإنسان الأناني آثار فعله وكيف ضرت الآخرين, ويسأل نفسه:
هل كانت المنزلة التي وصل إليها تستحق كل هذا الضر والفساد؟!
وكذلك بأن يدرك, أنه وإن وصل إلى المنزلة التي يريد فإنه يظل وحيدا بعيدا عن الناس لا يجد له منهم محبا ولا معينا ولا نصيرا –وإنما كثيرٌ من المنافقين المتزلفين- فإذا سقط فلن يجد من يعينه!
بينما لو مد يده للناس وعمل على النهوض بهم وتحسين أحوالهم, فإنه سيجد أن الناس يسيدونه –يجعلونه سيدا- عليهم من تلقاء أنفسهم!
يجد منهم العون والسند والحب, فإذا أصابته ضراء طاروا سراعا لمساعدته وللوقوف بجواره لرفع الضر عنه!
وهذا أهم ما يمكن للإنسان أن يجنيه, حب الناس له, أن يكون الناس له عائلة كبيرة!


كذلك عليه أن يدرك أنه من الممكن أن يجني نفس الثمار والمكسب المادي, بل وأكثر, إذا ساعد الناس, فسيصبح أكثر الناس عاملين منتجين وليسوا عالة عاطلين! وبذلك يصبح المجتمع قويا معافا, يخلو من الضغائن والأحقاد! ويظلون دوما يتذكرون له هذا الفضل!
ولقد أدرك رجال الأعمال الغربيين هذه النقطة جيدا, فعملوا أن تنمية المجتمع والعاملين يعود عليهم بربح أكبر, فخصصوا نسبة من أرباحهم للمجتمع وللأعمال الخيرية! فمنهم من يساهم في البحث العلمي ومنهم من يؤسس المدارس والمستشفيات ومنهم من يقدم دورات تعليمية تثقيفية … ومنهم ….
أما عندنا فالهم الأكبر لرجال الأعمال هو كنز أكبر قدر ممكن من المال وليذهب إلى الجحيم العمال, فلا يهم أن يمرضوا أو يعيشوا في ظلمات الجهل, فهناك غيرهم كثير … فالأهم هو المال … والملذات!


ولن يحدث هذا التغير بين ليلة وضحاها وإنما عليه أن يجاهد نفسه ويعودها على البذل والعطاء وعلى النزول من البرج العاجي التي تعيش فيه, وبهذا الجهاد سيستطيع أن يحقق تلك الدرجة العليا من الإيمان التي قال الرسول في حقها:
“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”

وفي الختام نقول:
لن يفلح أي دواء إذا لم يؤمن الإنسان أنه واحد من خلق الله, لا يتميز عن غيره في شيء, وأنه لم يُخلق من طينة غير الطين.
وأن يضع نصب عينيه أن الله خلقنا جميعا سواسية كأسنان للمشط, وأن المال أو النسب أو القدرة العقلية ليس مقدار التفاضل وإنما التقوى, وأنه إذا فضله الله تعالى بشيء من هذه فليس ليستعلي على غيره أو يحسبها على نفسه, وإنما أن يعممها على خلق الله, فالله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه!

إذا كان الأناني يحب نفسه حبا جما فعليه أن يتذكر أن هناك دارا آخرة سيحاسب فيها ويجازى وعليه أن يعمل من أجل ما ينجيه في ذلك اليوم وفي تلك الدار!
وإذا كان الأناني يحب أن يُكرم نفسه فعليه أن يكرم خلق الله, فإذا هو أكرم خلق الخالق فسيكرمه بكرم على قدره! فانظر كم هو قدر كرم الله المتعالي أكرم الأكرمين!
فالعبرة أن تكون مكرما عند الله وليس عند نفسك أو عند الناس, فما أهنأ ذلك الذي يتحصل على هذا كله!

جعلنا الله وإياكم ممن يحبون إخوانهم كأنفسهم, ويعملون لنفع غيرهم ويكرمون خلق الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.