مُحبا القرب!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن أبي الإنبياء وخاتمهم, عن إبراهيم خليل الرحمن وعن محمد بن عبدالله, والذين قدما لنا النموذج القويم والمثال العالي في حب القرب من الله, والبحث عنه, لذا صارا مضرب المثل ونالا من التكريم والتشريف ما لم ينله أي إنسان آخر!

فإذا نحن نظرنا في حال الخليل
وجدنا أنه من الصغر يحمل قلبا تواقا للإله الحق, فلا تعجبه ولا تقنعه تلك الأصنام الأرضية ولا الكواكب الفلكية, فيقلبها ثم يهدمها, فما هي بإله حق ولا شبه ذلك! فيبحث عن الرب القدير, فيهديه الله تعالى ويريه ملكوت السماوات والأرض!

فإذا كان الخليل بهذا القلب قبل الوحي, فلنا أن نتصور كيف أصبح حاله بعده, لقد امتلأ قلبه حبا لله, وأدمن القرب منه والتعلق بكلماته, حتى أن هذا أصبح مطلبه ودعاه, فنجد الخليل الذي عرف وآمن أن الحرية في العبودية الحقة, يدعو الله أن يجعله مسلما, كما يدعو الله أن يريه المناسك ليعبده حق العبادة, كما يريد هوفيقول:

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة : 128]
ولا ينسى الخليل من يأتي بعده, فيدعو الله لهم أن يعطيهم النعيم والهناء الحق وهو كلمته سبحانه وآياته, فيقول:
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة : 129]
فآيات الله ورسالاته هي هناء الناس وهدايتهم ووسيلة قربهم وبها يفلحون!

وأقرب ما يكون الإنسان من ربه في الصلاة, فداوم إبراهيم الخليل عليها, ودعى الرب أن يكون هو وذريته من مقيمي الصلاة, وبذلك يضمنوا ويحافظوا على القرب بالله, فيقول:

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء [إبراهيم : 40]
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم : 37]
ويسعى الخليل في الأرض لنشر دين الله ولتعريف الخلق به, ويسلم وجهه لله حق التسليم, فيكون كما أراد الله, وبذلك يصل إلى مرتبة عظيمة, لم يصل إليها أحد قط, وهي أن يتخذه الله خليلا, فلم يتخذ الله صاحبة ولا ولدا ولكنه اتخذ إبراهيم خليلا:

وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء : 125]

ونفس الحال نجده مع نبينا محمد بن عبدالله, فهو الآخر يرفض تلك الأوثان المزعومة آلهة, ويبحث عن الرب القدير, ويذهب ويتحنث في غار حراء, يتفكر في خلق السماوات والأرض, إلى أن يأتيه جبريل الأمين قائلا: اقرأ!

وعلى خطى الأب إبراهيم, يسير الابن الكريم محمد بن عبدالله, فيحب الله ويحب كل خلق الله, لأنهم فعل الله وكلماته, ويأمره الله عزوجل بإقامة الصلاة, ولكن ليست الصلاة العادية, وإنما صلاة مخصوصة للنبي الكريم, صلاة مستمرة في كبد الليل وبطوله, يناجي فيها الرب العزيز القدير القريب:

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً [الإسراء : 79]
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل : 1-4]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزّمِّل : 20]

ويستجيب الرسول لأمر ربه بكل حب, فما أحلى الأمر بالمحبوب, فيدمن الصلاة كعنصر قرب من الله عزوجل, ويرى فيها أنسه وراحته, حتى أن الصحابة يروون عنه أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة, ففي الصلاة المنجى والحل والقرب والسكينة والطمأنينة .

ويتحرك النبي الكريم في دنيا ولكن قلبه لا يجد راحة إلا فيها, فقلبه معلق بها, وينتظرها, حتى إذا حان وقتها, قال: أرحنا بها يا بلال!

راحة للقلوب من سعير الدنيا والتماسا لبرد اليقين والقرب بالرب العظيم.

فإذا انتهى اليوم بما فيه استجاب لأمر ربه الآخر ” فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح : 7-8]
فينصب النبي الكريم قدميه ويقوم لله عزوجل الليل كله أو نصفه أو ربعه, يقوم ويرغب .
يقوم حتى تتفطر قدماه, فيقال له: أَ تَفْعَلُ هَذَا وَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ ؟! فيقول: أَ فَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً “
فلعظيم ما وجده النبي الكريم في القيام, يقوم ويقوم ويقوم, لأن في قيامه قرب, وما أحلى القرب, ومن ذاق عرف!

ويصرح النبي الكريم بما يجده وبأحب الأشياء إلى قلبه فيقول:
” حبب إلي من دنياكم: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة”
ففي الصلاة وجد النبي قرة العين لأن فيها الأنس, ففيها القرب بالله والأنس به, فما أعظمه من قرب.

وفي الختام نسأل: هل أنت أخي في الله من محبي القرب والصلاة, أم ……؟

اللهم اجعلنا من القريبين المحبين.
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك!
اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا التي بين جنوبنا ومن الماء البارد عند الظمأ.
اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم (يوم عرفة) -كما يسألك غيرنا من الألوف والملايين- القرب منك والأنس بك!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.