أن تكون كمحمد وأبيه !

حدثنا في الموضوع السابق عن أهمية وضرورة التخلق بالنسبة للإنسان.وأنه بدون تخلق فلن يصل الإنسان إلى شيء , لأنه على الرغم من أن الإنسان مجبول على هذه الأخلاق إلا أنه يحتوي في عين الوقت نقيضها , ونقيضها الفاسد سهل مستعذب مستهوى لذا فإن الصعوبة تكمن في تقديم النظام والخير ( الأخلاق ) على الهوى والفساد الطبيعي 

ولأن الإنسان يشعر دوما بالعجز والحيرة في هذه الأرض , كما أنه كائن معَلم مقلد ,يربيه أهله فيأخذ منهم انطباعاته الأولى ومعارفه عن هذا الكون والتي تظل مخالطة لعقله ولتصرفاته طيلة حياته ,فما من إنسان إلا وعُلم , وإلا لا يصير إنسانا ويظل حيوانا !
لذلك احتاجت وتحتاج الأخلاق النظرية أيضا إلى أنموذج تطبيقي واقعي يقدمها كمثال قابل للتطبيق وليست كنظريات ومُثل لا يمكن الإتيان بها وتظل تحكى وتروى كأساطير الأولين , يسمعها الناس فيبشون لها ويسرون ولكن عند التطبيق يتساءلون : أين نحن منها , ثم أين هو ذلك الذي يطيق ويطبق , ما سمعنا بأحد نفذها !

والإنسان بطبعه يميل إلى التملص من الالتزامات , لذا كان حتما أن يقدم الدين الإسلامي الحنيف بجوار التنظير الأخلاقي العالي المسرود في ثنايات الكتاب العزيز التطبيق النبوي وتطبيق الجيل الذي رباه النبي المصطفى , والذي نعته الرب القدير بقوله ” وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم : 4] “
, ومما يعاب على فريق القرآنيين إنكارهم التام والكامل للسنة بحيث أنهم جعلوا القرآن كتابا نظريا لا تطبيق له على أرض الواقع , بل إنهم يزعمون أن الأمة كلها ضلت بعد النبي المصطفى ! 

فالقرآن يقول أن النبي كان على خلق عظيم , والقرآن ذكر لنا بعض صفات النبي المصطفى في جنباته – وسنعرض لهذه الصفات بإذن الله تعالى – ولكن الوصف الكامل للمصطفى جاء في السنة 
 ومن خلال هذا الوصف يستطيع الإنسان أن يخرج بوصف كامل وبصورة وتصور شامل عن هذا الإنسان الذي طبق المنهج , بيسر وسلاسة لا تعسف فيهما ولا شقاق !

فإذا رأينا من خلال التاريخ أن المنهج طُبق على يد صاحبه وعلى يد من رباهم صاحبه ووجدنا فيهم المدينة الفاضلة , سنجد أن المنهج قابل للتطبيق وليس مجرد نظريات وتعاليم مفرغة من المضامين الواقعية القابلة للمعايشة والتطبيق .

والإنسان بطبعه يحب تقليد العظام والإتيان بنفس أفعالهم حتى يصير عظيما مثلهم !
والقرآن الكريم ككتاب شامل لم يترك لنا هذا الأمر لنجعله نحن كحب أوميل شخصي في نفس وقلب كل منا وإنما جعله أمرا واجب الإتباع حتى تخرج هذه الأمة الكثير والكثير من الإنسان الكامل ( السوبرمان )
لذلك أمرنا القرآن باتباع خير قدوتين ومثالين وهما النبي المصطفى وأبيه الخليل إبراهيم , فقال الرب القدير في كتابه العزيز :

” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب : 21] “

وقال في حق الخليل وأتباعه :

” َقدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة : 4]
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة : 6] “
فالقرآن يأمرنا أن نتبع هؤلاء العظام ونقلدهم ويأمرنا أن نتأسى بهم , وأصل هذا المعنى عظيم , فهو كما جاء في المقاييس :
” الهمزة والسين والواو أصل واحد يدلّ على المداواة والإصلاح، يقال أسَوْت الجُرْحَ إذا داويتَه، ولذلك يسمَّى الطبيب الآسِي.

قال الحطيئة:
هم الآسُونَ أُمَّ الرّأسِ لَمّا تَوَاكَلَها الأطِبَّةُ والإساءُأي المُعالجُون. كذا قال الأمويّ.

ويقال أسوت الجرح أسْواً وأساً، إذا داويتَه. قال الأعشى:

عندَهُ البِرُّ والتُّقى وأسا الشّـ ـــقّ وحَمْلٌ لمُضْلِعِ الأثْقالِويقال أسَوتُ بين القوم، إذا أصلحتَ بينهم.
ومن هذا الباب: لي في فُلانٍ إسْوَةٌ أي قَُِدوة، أي إنّي أقتدي به.” اهـ

فلم يقل الله ” قدوة ” لأن القدوة هي التي تتبعها فقط , أما الأسوة فهي التي تتبعها وتكون في نفس الوقت مداوة لك على جراحك وآلامك , ومواساة لك في كل أفعالك .

لذلك فنحن يجب علينا كمسلمين أن نقتدي بالقدوة الحسنة في أفعالنا حتى نكون على خلق عظيم . فنحن عندما نتكلم عن الأخلاق لا نريد أن نقدم أي نماذج للاقتداء , وإنما نقدم النماذج المعتمدة من الرحمن الواجبة الاتباع , والتي يضمن المرء صحة مسلكها وفلاحه عند تطبيق نهجها .

لذا فإنا سنقوم بتتبع أفعال هذين النبيين العظيمين في كتاب الله الكريم , ثم بعد ذلك أفعال النبي المصطقى كما وردت في السنة الصحيحة حتى نقدم للقارئ الكريم نموذجا قويما عاليا عظيما يتبعه وهو مغمض العينين مفتوح القلب والعقل والفؤاد حتى يوصله في نهاية المطاف إلى التخلق القويم الرشيد وحتى يستطيع أن يقول في نهاية الطريق بكل عز وافتخار : إني كمحمد وأبيه !
هدانا الله وهدى بنا إلى طريق قويم !

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.