الحب في كتاب الله عزوجل !

إن الحديث عن هذا الموضوع حديث ذو شجون يحتاج إلى إفراد الصفحات الطوال له, لذا فإننا سنكتفي في هذا الموضوع بالعرض.
وهذا العرض ما هو إلا عرض سريع للآيات التي ورد فيها الحب من الإنسان في القرآن لشيء ما ونعلق عليها نحن تعليقا سريعا , أما ربط الآيات ببعضها واستخراج المواقف المتشابهة المتماثلة فسنفرد لها موضوعا آخرا ولكنا نكتفي هنا بتجميع الآيات حتى تكون عونا للباحث .

إذا نحن تتبعنا المفردة ” ح ب ” في كتاب الله عزوجل بغض النظر عن موقعها في الجملة مرفوعة كانت أو منصوبة حتى ولو كانت جزءا من كلمة أخرى وليس لها أي علاقة بالحب , نجد أن أول ذكر لها في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو في قوله تعالى: ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة : 165] “
ونلاحظ أنها ورد بصيغة فعلية واسمية وتكررت ثلاث مرات في الآية الكريمة !
إذا أول ذكر للحب في كتاب الله هو التنبيه على ضلال من يحب أي شيء من دون الله فيتخذه ندا لله عزوجل . وفيه تنبيه على أن حب الله هو أصل الدين , فلكي تكون عابدا لله حق العبادة لا بد أن تكون محبا له حق المحبة أكثر من أي شيء في الدنيا كلها , ولا يعني هذا أن لا نحب الدنيا وما فيها وإنما يعني هذا أن يأتي كل هذا بعد حب الله عزوجل !
وفي الموضع الثاني الذي ذكر فيه الحب في كتاب الله عزوجل يأتي ذكر حب المال والتملك المترسخين في الإنسان , فيقول الله تعالى في سورة البقرة : ” لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ….. “

ونحن عندما نتكلم عن الحب في كتاب الله عزوجل فإنما نتكلم عن حب البشر لله أو لغيره , وسنفرد للحديث عن ما يحبه الله وما لا يحبه الله موضوعا مستقلا !

وفي الموضع الثالث
يأتي الحديث عن أسباب الحب الخاطئة , فيقول الله تعالى ُكتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 216]
فحب أي شيء من الدنيا قد يصيب ويخطىء , أما حب الله فليس تعتريه الظنون !

أما في الموضع الرابع
فيذكر الرب العليم الخبير الأصناف التي غرس حبها في تكوين الإنسان , فيقول : ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران : 14] “
وفي الموضع الخامس
يبين لنا الرب الرحيم طريقة الوصول إلى محبته فيقول : “ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران : 31] “

وفي الموضع السادس ي
ذكرنا الله عزوجل بسيطرة الحب على العقل وأنه يجب على الإنسان أن يحكم عقله في قلبه فيقول : ” هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران : 119] “

ثم يردف الله عزوجل بذكر نوع متأصل في النفس وهو حب الحمد وإن لم يفعل الإنسان ما يستوجبه فيقول : ” لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران : 188] “

ثم يذكر الله عزوجل بعد ذلك الوهم المتأصل في النفس البشرية وهو أن حب الله سيكون منجاة للإنسان عند الله عزوجل , فيقول ” َقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [المائدة : 18] “
ثم يذكر الله عزوجل وطأة الحبيب على حبيبه فيقول : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة : 54] “
عد ذلك يذكر لنا الرب القدير موقف سيدنا إبراهيم من النجوم وكيف أن الحب العقلي المنطقي ! قاده إلى رفضها كآلهه , فقال :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام : 76]
فيعرض المولى عزوجل لنا قول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ” لا أحب الآفلين ” وهنا يعرضه الله عزوجل كموقف منطقي من الخليل والذي يجب على كل إنسان أن يكنه ! فليس الأمر هوى أو إعجاب غير مبرر, فأنا أحب هذا وأبغض ذاك بدون سبب منطقي عقلي ! ولكنه شيء منطقي ! فإذا كان الحبيب يأفل فهو ينبغي أن لا يُحب 

والأفل كما جاء في المقاييس : الهمزة والفاء واللام أصلان: أحدهما الغيبة، والثاني الصِّغار من الإبل. فأمّا الغَيبة فيقال أفَلت الشّمس غابت، ونجوم أُفَّلٌ. وكلُّ شيءٍ غابَ فهو آفلٌ. اهـ
والذي أراه أنه ليس كل ما غاب عنك فهو آفل , ولكن كل ما بعد ون
تج من هذا البعد صغر حتى تلاشى أو اختفى فهو آفل ! ( وهذا ما يحدث مع الإنسان حتى أنه قيل : البعيد عن العين بعيد عن القلب , فيظل الحب يخفت حتى يتلاشى ) والإله لا ينبغي له أن يغيب فما بالنا أن يأفل ! لذلك حق للخليل أن يقول لا أحب الأفلين .

ثم يعرض الله عزوجل لنا موقف المكابرين وكيف أن الإنسان قد يبغض من يسدي له نفعا , فيقول :
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف : 79]
فيذكر الله عزوجل موقف قوم شعيب منه , وليس هذا الموقف خاص بقوم شعيب ولكن الإنسان الفاسد عامة لا يحب من ينصحه لأنه يعلمه خطأه .

ثم يتحدث الله عزوجل عن موجبات الحب وأنها وإن كانت نابعة من القلب والعِشرة والمودة ولكن لا بد أن يكون للعقل دور فيها فلا تكون عمياء هكذا بدون ترو فتورد الإنسان موارد الهلاك وإنما يجب أن تكون ممتلكة لأسباب الحب الحقيقية , لذلك يقول الله تعالى في سورة التوبة :

” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ُقلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة : 24,23]
ثم يتحدث المولى عزوجل بعد ذلك عن رجال ترسخ الإيمان في قلوبهم حتى أنهم أصبحوا يحبون التطهر ! المعنوي منه قبل المادي الجسدي ! فهم يأتون المسجد ليطهروا أنفسهم من كل ما علق بها من أدران الذنوب أو هموم الدنيا , يحبون كل ما يحببهم فيه . فيقول :
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة : 108]
ثم يذكر الله لنا قصة يوسف عليه السلام وكيف لعب الحب فيها دورا رئيسا , فأخوة يوسف يكيدونه بسبب الغيرة – والتي هي من النواتج العمياء للحب – ورغبتهم بالانفراد بأبيهم لأنهم يرون أن أباهم قد ضل بحبه الشديد ليوسف وأخيه لذلك :
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يوسف : 8]
أما النسوة المتكلمات ! فيرين أن امرأة العزيز في ضلال مبين ! أيضا لأنها شغفت بحب يوسف ! قكل من يتعلق بيوسف يراه الآخرون في ضلال مبين !
َقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يوسف : 30]
ولكن يوسف لا يهمه ولا يؤثر فيه أي حب فحب الله ومنهجه أحب إليه من أي شيء , فلما ترسخ الحب في قلبه أحب أي شيء يحافظ له على هذا الحب , لذلك قال :
َقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف : 33]
وبعد أن تحدث الرب اللطيف الخبير عن دور الحب في قصة الخليل وحفيده يوسف ينتقل إلى موقف أقوام آخرين من الحب !

ثم يخبرنا الله عن الذين يطلبون حب الدنيا ويستجدونه حتى يقدمونه على الأخرة , – فهو الرحيم بنا لا يعيب علينا حب الدنيا ولكنه ينبهنا إلى خطورة تقديمها على الآخرة وكيف أنها توردنا وإياهم موارد الهلاك -, فهم في ضلال بعيد والله لا يهديهم بسبب ” استحبابهم ” لشيء غير مقدم أساسا ! في القلب !

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ [إبراهيم : 3]
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل : 107]
ثم يحدثنا الله عزوجل عن دور الحب في إلغاء العقل والمنطق , فيخبرنا بقصة إلقاء سيدنا موسى في اليم وكيف أنه سيلقي محبة على موسى حتى لا يفكر من سيلتقطه في قتله فبذلك ينجو ويعيش النبي القادم! فيقول

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّ
ةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه : 39]

( وليتدبر القارئ في الآية جيدا فسيرى عجبا في الموافقة والمخالفة ! )

ثم يتحدث الله عزوجل عمن تمكن الزيغ والضلال من قلوبهم حتى أنهم أصبحوا يكرهون العفاف وأصبحوا يرونه تخلفا ورجعية ويريدون أن تتحرر المسلمون من قيود العفاف والحشمة وينطلقون في الحياة !! كالبهائم طبعا ! فيقول :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور : 19]
أما الصنف الآخر فهو الذي يبحث عن مغفرة الله عزوجل ويحس بثقل ذنوبه فهو يحب أن يغفر الله له ! فيفعل أي شيء من أجل هذا !

.. أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور : 22]
ثم يذكر الرب القدير ويوضح أن الحب لا يتحكم فيه أحد فها هو النبي الخاتم يحب بعض الناس ولحبه لهم يحرص على دعوتهم من أجل هدايتهم , لذا يقول الله تعالى له : ِإنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص : 56] .
وكما نعلم أن النبي المصطفى كان رحمة للعالمين لذلك فهو كان حريصا على كل البشر : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين !
أما سيدنا سليمان فهو يحب حب الخير , وينشأ هذا الحب عن ذكر الله , لذلك َقَالَ “ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص : 32]
وعلى العكس من الناس فالله حبب للصحابة ولمن نهج نهج النبي الإيمان 
– (الناس زين لهم حب الشهوات أي أن الحب زين ولولا التزيين لأعرضوا)
أما المؤمنين فحبب إليهم الإيمان وزين الإيمان في قلوبهم فنشأ الحب أصيلا , فكرهوا من أجل ذلك الكفر والفسوق والعصيان
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات : 7]
ثم يحدثنا الله عزوجل عن كراهية بعض الأفعال عند كل الناس على الرغم من أنهم يفعلونها ويأتونها , فيكرّهنا في الغيبة ضاربا لها أبشع صورة وهي : “أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات : 12] “

أما المؤمنين فيحبون إخوانهم لتمكن الإيمان من قلوبهم, ومن تمكن الإيمان من قلبه صغر عنده “الأنا ” وكبر لديه “الهو” , وهذا هو حال المسلمين الخلص . لذلك مدحهم الله مبينا وجه استحقاقهم للمدح وهو حب إخوانهم:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر : 9]
فلما أحبوهم فعلوا كل شيء من أجلهم فتنازلوا لهم عن المال والنساء والدور وكل شيء .

ثم يذكر لنا الله أن الإنسان يحب الفوز في العاجل والآجل لذلك قال بعد أن تحدث عن التجارة الرابحة التي فيها ربحان , فربح مغفرة الذنوب والجنة ومساكن عدن فيقول :

َوأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف : 13]
فالإنسان يحب النصر في الدنيا ويحب أن يكون هو ومبادئه عاليان لهما السيادة ولا يحب أحدا الضعف والذلة .
ثم ينقطع الحديث عن الحب فلا يأتي إلا في القيامة لوما وعتابا لمن ضيع نفسه فيقول لمن لا يؤمن إلا بما تراه عيناه
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [القيامة : 20]
ولكن هناك دوما جانب آخر ويأتي في السورة التالية وهي ” الإنسان ” فمن يفعل ذلك هو الإنسان الحق , َوهؤلاء يقدمون حب الآخر وحب ثواب الله على حب الطعام ” ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان : 8] ” فهم ليسوا حيوانات محبة للعاجل .
وفي نفس السورة يذكر الرب القدير نفس الصنف المذكور في القيامة مرة أخرى حتى يكون دوما النوعان في مقارنة – كما هو حال القرآن دوما في ذكر المقابل – إنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً [الإنسان : 27]
وفي آخر جزء في القرآن يأتي الوصف العام لعامة الناس , فيأتي خطابا للجمع كما في الفجر ” وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً [الفجر : 20] “ ويأتي خطابا للفرد كما في العاديات : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات : 8]
ولكن لا ينبغي لأي حب أن يشغل الإنسان عن حب الله عزوجل !
في الموضوع القادم نناقش معنى الحب . ثم نقوم بعد ذلك بربط هذه الآيات ببعضها إن قدر الله ويسر . وعليه العون

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.