هل تطمئن القلوب بذكر الله أم توجل؟!

نذكر اليوم نموذجا من التخبط الذي أوقع القائلون بالترادف كتابَ الله عزوجل فيه, فبسبب فهمهم الكلمة بكلمة أخرى ظهرت تعارضات بين آيات وآيات وكلمات وكلمات!!
واستغل غير المسلمين هذه التناقضات المزعومة ولعبوا على وترها وزعموا وجود تناقضات في كتاب الله! على الرغم من أن الفتاح العليم يقول:

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]
فينفي الفتاح العليم وجود الاختلاف ومن ثم يستحيل وجود التناقض تباعا!

ومن النماذج التي زعم المعارضون وجود التناقض فيها, قوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال : 2]
وقوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد : 28]
فلما قال المفسرون أن الوجل بمعنى الخوف!! ظهر تعارض –عند المفسرين- وهو: هل تطمئن القلوب بذكر الله أم تخاف؟!

وتلقف المرجفون!! هذا التعارض المزعوم الذي أوجده المفسرون وذكروه في نماذج!! لتعارضات موجودة في القرآن ومن ثم فلا يمكن أن يكون وحيا إلهيا!!

وحاول المفسرون إبطال هذا التعارض –الذي سببوه- فوفقوا بين الآيات بتوفيقات, منها ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
“وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة، وذلك الخوف.

إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله. وهذا هو اللائق بهذا الموضع،
لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .

فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وقال في آية أخرى: {الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } [الرعد : 28 ] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضاً قال في آية أخرى: { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [الزمر : 23 ] قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين،
وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} [الزمر : 23 ] والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله.” اهـ

ولقد اقترب الإمام الفخر الرازي كثيرا في توفيقه بين الآيتين, إلا أن المشكلة هي في إصراره على فهم الوجل بمعنى الخوف!

ولا تعارض بين الآيتين, فعلى فرض أن الوجل بمعنى الخوف, هل هناك ما يمنع أن يجتمع الخوف مع الطمأنينة في قلب؟! (لاحظ أن الخوف ليس بمعنى الفزع!!)
يمتنع ذلك فعلا إذا كان الاثنان متضادين! أي أن الخوف عكس الطمأنينة! فهل الخوف عكس الطمأنينة؟
لا, فنحن نقول: اطمئن ولا تقلق!
والله تعالى يقول: وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً.
إذا فليس الاثنان متضادين حتى يستحيل الجمع بينهما!
قد يقول قائل: ربما ليس متضادين ولكن يفترض أن ينشئا كلاهما عن أمر واحد, وهذا غريب أن يجتمع الوجل والطمأنينة من أمر واحد!!

نقول: الغريب هو من يقول هذا الأمر, فالمشاعر الإنسانية لا تُقسم إلى أصناف منفصلة, وإنما هي متداخلة, ألا يجتمع السرور والتوجس في نفس الإنسان –في نفس الوقت والظروف!-؟! وألا يجتمع الرضا والغضب في عين الوقت على نفس الشخص لنفس الفعل؟!

بداهة تجتمع المشاعر وتتداخل تجاه الفعل الواحد, فما بالنا إذا اختلفت الظروف والأحوال, فإن هذا أكثر من كاف لاختلاف الشعور تجاه الشيء الواحد تبعا لظروف الفرد ولأحوال الشيء! وهذا هو الحال في هاتين الآيتين!

أما إذا قلنا أن الكلمتين مختلفتا المعنى –بداهة- (أي أن الوجل غير الخوف) ارتفع الإشكال مباشرة! فكما قلنا: من الممكن اجتماع أكثر من شعور في داخل الإنسان! والمهم أن يكون من الممكن اجتماع هذه المشاعر!

فإذا قلنا أن الوجل غير الخوف, فما هو الوجل؟
قلنا قبل ذلك ونقول: من أصعب الأمور تعريف المشاعر لأنها مشاعر تُحس وتُشعر! ولقد قابلتنا هذه الإشكالية عند محاولتنا التفريق بين الخوف والخشية

والتي يمكن للقارئ الإطلاع عليها على هذا الرابط:
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?p=888#post888
والتي خلصنا فيها إلى أن:
الخوف الإنساني هو انفعال مرتبط بشعور الإنسان بضعفه قبالة شيء ما, قد يوقع ما تستثقله النفس وتحاذر.
و أن الخشية هي خوف مرتبط بتعظيم المخوف منه.

فإذا انتقلنا إلى تعريف الوجل وتصوره, قابلتنا نفس الإشكالية, فنقصد كتاب الله عزوجل لنستخرج منه الاستعمال الصحيح للكلمة, معتمدين على حسنا اللغوي الفطري, فنقول:
إذا نظرنا في استعمال القرآن للكلمة في غير هذا الموطن, ألفينا الله تعالى يقول:
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون : 60]
فهل الوجل هنا بمعنى الخوف أم بمعنى الهيبة والرهبة المرتبطة بالترقب؟! هو بالمعنى الثاني, فالقلوب تترقب هائبة هل ستقبل الأعمال أم لا؟ فهي لا تعرف هذا.

فإذا قصدنا موضعا آخر, ألفينا الله تعالى يقول حاكيا عن الخليل وضيفه:
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر :52- 53]
فإذا قصدنا سورة الذاريات التي فصلت هذا الموقف ألفينا الله تعالى يقول:
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الذاريات : 25-28]
فنلاحظ أن الخليل استنكر هؤلاء الأضياف, لأنه شعر فيهم بشيء غير طبيعي, إلا أنه لم يكن خائفا منهم أولا وإنما مستشعرا غموضهم, فوجل منهم إلا أن هذا الوجل لم يمنعه من أن يقوم فيعد لهم الطعام, فلما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة! (لاحظ تشابه المبنى: وج س: وج ل, فإذا كان الإنسان يستوجس الخوف فبالتأكيد الوجس غير الخوف!).


فإذا نحن فهمنا الوجل على هذا المعنى ارتفع الإشكال, ولم نحتج إلى تقدير (عذاب) فلا نقول أن القلوب توجل من ذكر عذاب الله وتطمئن بذكر الله!

وإنما نقول أن الوجل يكون من ذكر الله وكذلك الطمأنينة تكون من ذكر الله!
ولكن الوجل هو المرحلة الأولى ثم تليه الطمأنينة!

فعندما يُذكر الله عزوجل تهاب قلوب المؤمنين وتترقب وإذا تليت آياته عليهم زادتهم إيمانا, وهذا دليل على أن الوجل لا يكون بمعنى الخوف!

ونوضح بمثل –ولله المثل الأعلى فليس كمثله شيء-:
إذا كان هناك قائد عظيم نافذ الكلمة والفعل, لا يظلم أحدا, فمن الطبيعي أن توجل القلوب عند ذكره, لوجود رهبة له في القلوب وترقبا من فعله وأمره الذي سيصدره! فإذا استمع الإنسان إلى خطبة لهذا القائد المفوه ازداد الإنسان إعجابا به واحتراما له, لما في كلامه من عدل وقوة. ولا يلغي هذا الإعجاب أو الاحترام الرهبة الموجودة في صدور المستمعين تجاهه, إلا أنه قد يزيحها كثيرا فتطغي مشاعر الإعجاب والاحترام وتصبح هي السائدة!

وكذلك حال المؤمن تجاه الله, فإذا ذُكر الله وجل قلبه -في بادئ الأمر- هيبة ثم بعد ذلك يبدأ مفعول الذكر فيطمئن القلب بذكر الله الحبيب!

ولقد بين الرب العليم تنقل القلوب من حالة إلى أخرى تأثرا بالشيء الواحد في قوله سبحانه:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر : 23]
فبقرأة الكتاب تقشعر الجلود هيبة ورهبة ثم يسري مفعول آيات الله في جسد ونفس الإنسان فتلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله عزوجل!

إذا –وبغض النظر عن اختلاف المناسبة- لا تعارض بين الآيتين, لأن كل واحدة منهما تذكر موطنا وأثرا واحدا من آثار الذكر, وكما بينا فلا مانع أبدا من تداخل المشاعر, ولا مانع عقلا من وجود أكثر من أثر للفعل الواحد!
كما رأينا أن الوجل لا يكون بمعنى الخوف! 

وإنما الوجل هو هيبة ورهبة مرتبطة بترقب قادم أو واقع!
هذا والله أعلى وأعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.