طاعة الزوجة لزوجها … هل هي واجبة؟!

تصور “الأسرة السعيدة” من التصورات التي يطمح أكثر البشر إلى تحقيقها وإيجادها في حياتهم, ويخفق فيها كذلك أكثر تلك الأكثرية!
وهذا الإخفاق راجعٌ لأسباب عديدة, من أهمها عدم وجود تصور واضح عن شكل وهيئة تلك “الأسرة السعيدة”, ناهيك عن أن أكثرنا لا يحوز إجابة للسؤال التقليدي: لماذا نتزوج!! (وذلك لارتباط الزواج بالجنس) لذلك نجد حرجاً من كثيرين عند الإجابة عن سؤال الأطفال لهم: لماذا نتزوج؟!!

ومنظومة الأسرة/ الزواج وإن كانت لا تزال راسخة في مجتمعاتنا الإسلامية, إلا أنها ليست منظومة قائمة على تصورات “دينية” بشكل تام أو حتى في المقام الأول, وإنما نصيب أكبر من تصوراتنا حول الزواج, والعلاقة بين الزوج والزوجة تحديداً راجعً إلى العادات والتقاليد –

ونرجأ الحديث عن العلاقة بين الأبوين والأطفال إلى مقال قادم-, وراجع إلى نظرة عامة للمرأة ودورها في الحياة تكونت وتشكلت في فترات سابقة ثم استقرت ورسخت, حتى صارت ثوابتاً! من أن الزواج “ستر” للفتاة!! وكذلك أن دور المرأة في الأسرة هو “خدمة” زوجها وأولادها!

وأكثر النساء في عالمنا العربي يستخدمن هذه الكلمة بدون تحرج!! مثل قول الواحدة لزوجها: “مش أنا دوري إني أخدمك؟!”! أو: “فلان مراته ماتت وهو مسكين يا عيني ومحتاج واحدة تخدمه”! وهن في هذا يكررن أقوال الرجال, الذين نجد الواحد منهم يتحدث عن حاجته للزواج من أجل إيجاد امرأة تخدمه –هو وأمه التي كبرت في السن!!-

والحق أن النصوص الدينية لم تقل بأن دور المرأة في الزواج أن تكون “خادمة” لزوجها, وإنما ورد الحديث عن “طاعة المرأة” لزوجها, وكيف أنها من الواجبات بل من أوجب الواجبات, وأصبحت هذه الطاعة من مفاتيح دخول المرأة للجنة! وقام كثيرٌ من “رجال الدين” والمتدينين ب “فلسفة” وتبرير هذا الدور, حتى أصبح كثيرٌ من النساء –وخاصة المتدينات- يكررنه ويدافعن عنه, باعتبار أن هذا ما جاء به الدين!

لذا نتوقف مع هذه “المسألة الإنسانية”: العلاقة بين الزوج والزوجة, والتي أصبحت حكماً فقهيا!! لنبين كيف تم النظر إلى هذه العلاقة, وما ترتب على هذا المنظور من أحكام,
فنقول:
من مشاكل الفقه الإسلامي –أو الفقهاء الإسلاميين, إن شئنا الدقة- أنهم حاولوا تقديم إطار “قانوني” لكل الأفعال والعلاقات الإنسانية (–كما حاول المناطقة قبلهم تقديم “قراءة عقلانية حدية للموجودات وللأفعال”, ولم يفلح كلاهما, فأشكال الوجود والأفعال الإنسانية لا يمكن أن يحيط بها إطار ثابت!), وإيجاد حكم تفصيلي للشرع في كل كبيرة وصغيرة, رغماً عن أن الشرع ترك للبشر مساحات كثيرة واسعة!!

الشاهد أن الفقهاء لم يرضوا ب (أو لم يقتنعوا أو لم يتصورا) “علاقة إنسانية تحكمها الأخلاق والأعراف”, قائمة على التراحم والتعاون والمساواة والحوار والاختلاف, وكذلك وجود “نهايات مفتوحة”, فلا تُحسم بعض القضايا –مباشرة- بين الزوجين وتظل معلقة!
فعندما حاول الفقهاء تصور وتكييف “منظومة الزواج” كيفوها تبعاً لمنظور: الوصاية: سيد وتابع, (وليس: الشريكين المتماثلين, وهذا المنظور ليس منظوراً “سننياً” بأي حال, وإنما هو منظور “صناعي), وبطبيعة الحال فإن السيد هو الراجل, والتابع هو: المرأة!

ونجد هذا في التشبيهات التي يقدمونها لتبرير طبيعة العلاقة, هذه, فنجد أحدهم قد كتب قائلاً: “إنكم تعلمون جيداً بأن كلّ مكان يلزمه رئيس، ولو اتفق أن تكون إحدى دوائر الدولة خالية من رئيس، ستكون الأمور مضطربة وقلقة في تلك الدائرة، حتى لو كان من فيها لا يتجاوزون السبع أو الثمان أشخاص.

ومثل البيت كمثل إحدى دوائر الدولة الرسمية، أو على حد قول علماء النفس بأن مثل البيت كالدولة الصغيرة، وهذه الدولة لا بُدّ لها من رئيس، وإن الطبيعة تقول، وكذا فطرة المرأة: بأن الرجل يجب أن يكون رئيساً لهذه الدولة الصغيرة أو المؤسسة السرية” اهـ

وهكذا جعلوا الرجل سيداً مطلقاً له تام وكامل الطاعة على زوجته, وعليه أن تطيعه مهما أمر! وهكذا يمكن القول بأن توصيفنا للعلاقة ب “السيد والتابع” هو توصيف لطيف, والأدق توصيفها ب: السيد والأمة!

وهذا ما نجده في رواية عن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أنه قال : الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ } .
ورواية أخرى عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: النِّكَاحُ رِقٌّ, فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ
والحق أن الأحاديث –الضعيفة والموضوعة- لعبت دوراً كبيراً في هذه التصورات,

فمن ذلك ما رواه البزار مثلاً: “
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل بابنته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيعي أباك. فقالت والذي بعثك بالحق لا أتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته. قال: حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه قالت والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تنكحوهن إلا بإذنهن” اهـ

فحق الزوج على الزوجة كبير حتى أن لحس القرحة لا يكفي! (ونلاحظ في هذا الحديث أنه من المفترض أن الرسول لم يبح للأب أن يجبر ابنته على الزواج, بينما للزوج الطاعة المطلقة (تبعاً لتصوراتهم!!),

وغالباً ما يكررون في هذا الراوية الشهيرة –الضعيفة- التي رواها الهيثمي وغيره عن الرجل الذي انطلق غازيا وأوصى زوجته ألا تنزل من فوق البيت, ومرض أبوها ومات وأرسلت للرسول تستأذنه فأمرها بطاعة زوجها, ثم قال لها أن الله غفر لأبيها بطاعتها زوجها!!!

ولهذا عندما سٌئل ابن تيمية: “مَسْأَلَةٌ : فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ وَالِدَيْهَا , فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ : بِرُّهَا لِوَالِدَيْهَا ؟ أَمْ مُطَاوَعَةُ زَوْجِهَا ؟ . الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا , وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ” اهـ

ولا يقتصر الأمر على السيادة وإنما هي سيادة مقرونة بفضل عظيم! فمن عظم فضل الرجل نجد أنه لولا “التوحيد” لأمر الرسول المرأة أن تسجد لزوجها!!!

فنجد ابن ماجة يروي في سننه: “عن عبد الله بن أبي أوفى قال : لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا معاذ قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها …” اهـ

وهو حديث باطل المعنى, فلا فضل يتفضله الرجل على المرأة وإلا لها عليه مثل ما له عليها أو أكثر! وأقول أنا عمرو الشاعر: وإن كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الأبناء أن يسجدوا لوالديهم لعظيم فضلهم عليهم, والذي لا يمكنهم أن يردوه أبدا!

ولا يختلف حال المرأة عند الشيعة عنه عن حالها عند أهل السنة تقريبا, فالرجل له الفضل … الخ!
وهكذا وبكل أسف جعل الفقهاء للرجل حق الطاعة المطلقة –باستثناء ما حرم الله صراحة- على المرأة! فلزامٌ عليها أن تستأذنه في كل شيء, فلا تخرج من البيت إلا بإذنه (ولا تزال هذه النقطة موجودة بقوة عند الشريحة الأكبر من العرب, فإن خرجت المرأة مخالفة لنهي زوجها فهي مشكلة كبيرة, ولا تكاد تفعل ولا يُقبل هذا الخروج إلا خروجها غاضبة لبيت أهلها) ولا تفعل إلا بإذنه!! وإذا نهاها عن شيء انتهت!! وإذا أمرها بشيء ائتمرت!

ولهذا وجدنا عند المسلمين ما يُمكن تسميته ب “الحق الجنسي المقدس”!! فإذا دعا الرجل زوجته للفراش وجب وجب وجب عليها أن تلبيه مهما كانت المشاغل والأحوال وإلا ستبيت تلعنها الملائكة!!!, فأبو حاتم يروي في صحيح أن الرسول قال: “أَيُّمَا رَجُلٍ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ ” اهـ

“ولا تؤدي حق ربها حتى تؤدي حق زوجها!!” فالزوج طريقها إلى الله!! بل إن إيمانها لا يكمل إلا بتأدية حق الزوج!!! ففي المستدرك على الصحيحين: “… ولا تَجد امرأةٌ حلاوةَ الإيمان؛ حتى تؤدِّي حقَّ زوجها” اهـ
ولهذا وجدنا ابن قدامة يتساءل في الموسوعة الفقهية الكبيرة: المغني:”

وهل له منعها من أكل ما له رائحة كريهة، كالبصل والثوم، والكرات؟ على وجهين؛ أحدهما: له منعها من ذلك؛ لأنه يمنع القبلة، وكمال الاستمتاع. والثاني: ليس له منعها منه؛ لأنه لا يمنع الوطء ” اهـ

ولا يقتصر الأمر على هذا وإنما أصبحت المرأة مطالبة كذلك بإرضاء الرجل, فرضا الزوج عن زوجته يعني رضا الله عنها وسخطه عليها يعني سخط الله عليها… فلا تقبل لها صلاة حتى يرضى عنها زوجها!!!

وهكذا أخذت الطاعة درجة عالية في “هرم القَيم” عند المرأة المسلمة! حتى كتبت إحداهن تقول: “إنّ من أعظم الأعمال التي تقرّب المرأة من الله سبحانه وتعالى، وتنال بها رضاه، هو طاعة زوجها في كلّ الأمور التي لا إثم عليها فيها” اهـ

وللأسف “-أ-وجدت” الأحاديث التي تقول بهذا, فنجد مثلاً أن الترمذي وابن ماجه والحاكم يروون عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة” اهـ! وهو حديث باطل, فقد يكون الزوج راضياً عن زوجته وهي عاصية مقصرة!! بل قد يكون هو من يأمرها بالمنكرات فأطاعته فرضي عنها!!

والحق أن القول بوجوب طاعة المرأة للرجل ليس فيه نصوص صريحة تقول بوجوب الطاعة التفصيلية وإنما هي أحاديث عامة –ضعيفة- أو حتى صحيحة تُحمل على الشكل العام وليس التفصيلي, واستنتاجات من بعض أحاديث أخرى واستنطاق لها لما لم تقل, مثل ما رواه البخاري: ” لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه” اهـ. فنجد الألباني يستنبط في كتابه: آداب الزفاف ص 282 قائلا:
“فإذا وجب على المرأة أن تطيع زوجها في قضاء شهوته منها ، فبالأولى أن يجب عليها طاعته فيما هو أهم من ذلك مما فيه تربية أولادهما، وصلاح أسرتهما ، ونحو ذلك من الحقوق والواجبات” اهـ

وكذلك القول بالطاعة راجع إلى التصور السائد بأن الرجل أفضل من المرأة, والذي استخرجه بعضهم من قوله تعالى: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .. [النساء : 34]”, ومن قوله تعالى: ” … وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ [البقرة : 228]”

وآية النساء تتحدث عن الرجال قوّامون على النساء وهي صيغة مبالغة من القيام على الشيء, من تعهد الشيء وعنايته ورعايته, والتي غالباً بما تُصحب بإنفاق الأموال على الأسرة! وآية البقرة هي تتحدث عن الطلاق, وأولها يقول: “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ …” اهـ,
ولهذا قال بعض الفقهاء أن الدرجة هذه ليست مطلقة في جنس الرجال مقابل جنس النساء, وإنما هي حق الزوج في رد زوجته في فترة العدة حتى وإن لم ترض!

والآية هذه تقرر حدود وشكل العلاقة بين الزوج والزوجة, حيث أنها جعلت لهن مثل الذي عليهن –بالمعروف-, تبعاً للعرف السائد, وليس أنه يجب فعل كذا وكذا دوما!

ومقابل هذه الحقوق الهائلة للرجل لنا أن نتساءل: ما هي حقوق الزوجة على الزوج؟ هل على الزوج أن يطيع زوجته أم؟! المشكلة أن الناظر في كتب الفقه يجد أن المحتوى الفقهي المقدم هو الحد الأدنى, والذي لا يصلح بأي حال من الأحوال!! فحق الزوجة على الزوج: المهر, وأن ينفق عليها, والإعفاف (أن يجامعها كل حين حتى لا تستبد بها الشهوة!!) وأن يبيت عندها مرة كل أربع ليالٍ!!

وكذلك المعاشرة بالمعروف وعدم الإضرار والعدل في القسم بين الزوجات! وكل هذا مترتب على الطاعة, فإن لم تطع في بعض الأوامر أصبحت ناشزا لا حق لها في مسكن ولا ملبس ولا مطعم!! وتبعا لهذه التصورات أصبح الرجال لا يرون للنساء عليهن حقوقاً وأصبحوا يطالبون بحقوقهم الكثيرة على المرأة! ويتذمرون ويسخطون ويرمون المرأة بكذا وكذا إن هي قصرت!!

ونحن نعترض تماماً على هذه التصورات, فالزواج ليس عملاً لفرد عند فرد آخر, وليس استئجار أو تملك ل “البضع” أو ل “الخدمات”, -تبعاً لتعريف بعض الفقهاء للزواج!!!!!!-,

وإنما الزواج علاقة إنسانية بين فردين: رجل وامرأة, قائمة على المودة والرحمة أو الحب, وكل فرد مكمل للآخر, يلبي له احتياجاته الروحية والجسدية, فالرجال لباس للنساء والنساء لباس للرجال, وكلٌ منهما سكن للآخر! والمفترض أنه باتحادهما يكونان أسرة وينجبان أطفالا ويربونهم … الخ. ولست أدري كيف يكون الزواج مودة ورحمة وهو علاقة استعلاء وتبعية بين فرد وآخر؟! وكيف تنبت وتنمو المشاعر بين طرفين متفاوتين؟!!

وقولنا أن التكييف الفقهي للزواج والعلاقة فيه ليس “سننياً” راجع إلى أن المرأة بفطرتها لا ترى نفسها أقل من الرجل وأنها لا تستطيع التفكير وأن الرجل فقط من يفعل!

والأهم من ذلك أنه لا تحلم –ونركز على: الحلم- باليوم الذي تُصبح فيه خادمة لرجل! وإنما تحلم باليوم الذي تجد فيه رجلاً يحبها ويحترمها ويكرمها يعيشان سويا وينجبان أطفالا يربونهما سوياً! ولا يقتصر الأمر على “الرومانسية” النسائية, وإنما يتعداه كذلك إلى الرجل,

فأكثر انحرافات الرجال راجع إلى أنه لم يجد “شريكة” للحياة! وإنما وجد “خادمة” يأمرها فتطيع, والإنسان في حياته يريد علاقة متبادلة, حيث هما يتشاوران ويتحاوران, -ويتبعان الحق الذي يأتي على لسان أي منهما- ويتسامران ويتمازحان! وليس علاقة من طرف واحد! وفارق شاسع بين أسرة يتولى المسئولية فيها فردان يتكاملان, وبين أسرة تكون الزوجة فيها محمولة من الزوج! بحيث تصير عبئاً عليه!

ولأن القراء للأسف لا يقنعون ب “الأدلة السننية” العامة, والمستخرجة من فعل البشر في كل الأعصار والأمصار, والتي هي برهان جلي على أن هذا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها, فنقدم للقراء أدلة من السنة, تؤكد أن العلاقة التي كانت سائدة بين الرجال والنساء هي تلك العلاقة “العادية/ السننية” الموجودة في كل زمان ومكان, والقائمة على آداء الأدوار تبعاً للعرف أن المرأة لم تكن ترى نفسها أقل, و أن الرجل لم يكن يرى لنفسه طاعة وإنما كانت المطالبة دوما بما يلزمه الشرع أو العرف, والتنازع حول هذه النقطة!

ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب (والواقعة بعد السنة الثامنة من الهجرة): “قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. قَالَ وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ نَعَمْ قُلْتُ قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ” اهـ

فها هن أزواج النبي يراجعنه بل وهن اللائي يهجرنه (بيخاصموه بالعامية) والرسول لم يقل لإحداهن: كيف تفعلن هذا! أو لم يقل لهن: لي عليكن حق الطاعة!! ويحدث هذا ويتكرر منهن! ثم “يصالحهن” الرسول وتسير الأمور! وكم من مشاداة حدثت بين النبي وأزواجه, فترفع عائشة مثلا صوتها على الرسول, ويدخل أبو بكر عليها فينهرها!! فعائشة ترفع صوتها على النبي ولا يقول لها: كيف تفعلين هذا!!

والقصية الشهيرة لمغاضبة علي لفاطمة والتي بسببها سُمي سيدنا علي ب: أبي تراب, وفيها تقول السيدة فاطمة للرسول عندما سألها عن زوجها: “أين ابن عمك؟ “
قالت فاطمة رضي الله عنها: “كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج” اهـ
فها هما ابنة النبي وابن عمه يتشاجران فيترك لها البيت ويخرج (كما يفعل كثيرٌ من الرجال المحترمين الآن, وليس أولئك الذين يضربون نساءهم!!) ويذهب لينام في المسجد!
وكم قرأنا عن حوارات ومشادات بين الرسول وأزواجه وبين الصحابة وأزواجهن, ولم نجد أحداً منهم مرة واحدة يقول لزوجه: أنا الرجل (أو: أنا الزوج) ولا بد أن تطيعينني!)
ولست أدري ولا أتصور أصلاً كيف يكون للزوج هذا الحق والقرآن يتحدث عن شقاق بين الزوجين يستدعي تدخل الأهل: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً [النساء : 35]”
وكيف يحدث الشقاق إن كان للزوج هذا الحق! كيف ينشأ الخلاف أصلاً؟! المفترض أن ينهى الزوج زوجته -بحقه المقدس- عن الكلام في هذه المسألة وينتهي الأمر! ولست أدري كيف لا تخشى تلك الزوجة غضب زوجها عليها فتلعنها الملائكة ويغضب عليها الله؟!!

ورغماً عن أن “النموذج المكي” للعلاقة بين الرجل والمرأة هو ما أسقطه الرسول, وأن “النموذج المدني” في العلاقة بين الرجل والمرأة هو ما أقره الرسول, –وإقرار النبي سنة أو واجب على قولهم!!-, وكان هو من المتعاملين تبعاً له لسنوات طويلة في مواقف عديدة! إلا أن “النموذج المكي” –المذكور في رواية مسلم عن عمر بن الخطاب- هو الذي انتصر وساد, وأصبح يُنسب إلى الإسلام, وذلك لتوافقه وانسجامه مع أهواء الذكور!!!

لذا نقول في الختام: كان الأصل –ولا يزال- أن تقوم العلاقة الزوجية على “صالح الأخلاق” وتوزيع الأدوار تبعاً لأعراف البلد والعصر, وليس على “وجوب طاعة الزوجة لزوجها”,

فالبيت السعيد هو القائم على الحوار والمشاورة, -وليس: شاوروهن وخالفوهن!!!- الذي يرحم الزوج فيه الزوجة ويرى تعبها وجهدها فيتطوع هو ليقوم ببعض الأدوار, والذي ترى الزوجة فيه جهد زوجها فتوفر له سكناً وراحة, هو البيت الذي يتجاوز فيه كلا الطرفين –أو على الأقل أحدهما- باختيارٍ وعن حب, يتجاوز عن أخطاء الطرف الآخر ويتقبل أعذاره ..

هو الذي يسعى فيه كل طرف لفعل ما يسعد الآخر, أو على الأقل يتجنب ما يغضبه! هو الذي يُقدّر فيه كل طرف مشاعر الآخر ولا يستقل بها ولا يسخر منها .. فبهذه الأخلاق الحسنة وبهذه المعاملة الكريمة تنمو بذرة الحب, ويتطوع كلٌ منهما لفعل الأفضل للآخر وللأسرة, وليس الإهمال بحجة أن ليس هذا دوري!

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.