سورة المنافقون … الكشف للرسول

نواصل بفضل الله وفتحه تناولنا لسور المرحلة المدنية لنبين ترتيب نزولها ومناسبات نزولها, ونعرض اليوم لسورة المنافقون فنقول:

لا خلاف أن سورة المنافقون مدنية, إلا أنهم اختلفوا في زمن نزولها, والمشهور أنها نزلت في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة, وقيل في تبوك في السنة التاسعة, (وأنا أميل إلى أنها في التاسعة فعلاً, ولكن لا علاقة لها بتبوك) والمشهور أنها نزلت بعد الحج وقبل المجادِلة, أما أنا فأقول أنها نزلت بعد المجادلة (وليس قبلها)

فالمنافقون امتداد صريح للمجادلة والتي نزلت في العاصين للرسول المحادين له, والذين كانوا يحلفون له وللمؤمنين كذبا! وقالت أنه لا يستقيم الإيمان مع المحاداة! 
إلا أنهم لم يرجعوا عما هم عليه واستمروا في نفاقهم, فإذا جاءوا الرسول شهدوا أنه رسول الله واتخذوا أيمانهم جنة, وكانوا إذا دُعوا من المؤمنين إلى الرسول ليستغفر لهم لووا رؤوسهم وأصروا على ما هم عليه

فأنزل الله سورة المنافقون معرفاً الرسول بحالهم مبيناً له أن استغفاره لهم وعدمه سواء! فاستكملت السورة ً الحديث عن الطائفة التي خُتمت بها المجادلة, “وإذا جاءوك حيووك .. إذا جاءك المنافقون”, فالذين: اتخذوا أيمانهم جنة, هم الذين قيل فيهم: أولئك هم الكاذبون … والله يعلم إنهم لكاذبون.
ومقابل الأمر ب: فقدموا بين يدي نجواكم صدقات .. كان “نجواهم بالإثم والعدوان” والتي حكاها الله في المنافقون: لا تنفقوا على من عند رسول الله.


ومقابل ما قيل في المجادلة عن المحادين: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله هم الخاسرون .. نٌصح المؤمنون ب: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون.

ومن خلال نظرنا في السورة ظهر لنا أن السورة ما نزلت في غزوة وأن المقصود بالمنافقين منافقون وليس شخصا واحدا: عبد الله بن أبي سلول.

فالسورة نزلت في فترة كان المسلمون فيها في حالة شدة ودُعوا فيها إلى الإنفاق على المحتاجين, وكان ثمة جماعة من المنافقين عُرفوا بنفاقهم فأخرجهم الرسول من المدينة, فجاءوا الرسول يحاولون أن يخدعونه بأن يشهدوا أنه رسول الله ليستغفر لهم وليسمح لهم بالرجوع إلى المدينة (لينقلبوا عليه بعد ذلك ويخرجوه منها)
فأنزل الله العليم سورة المنافقون محذرا الرسول والمؤمنين (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه) فيحذر الرسول من السماع لهؤلاء والموافقة على طلبهم ويبين لهم مكرهم ومكنون صدورهم, ويحذر المؤمنين من السماع لدعاويهم وتحريضهم بعدم الإنفاق ومن الإلتهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله.

بدأت السورة بالقول للرسول أن المنافقين إذا جاءوه قالوا نشهد إنك لرسول الله (وهذا ما يقولونه أمامك, بينما إذا دُعوا لتستغفر الله لووا رءوسهم واستكبروا) والله يشهد إنهم لكاذبون, ولا تسمع لأيمانهم فهم اتخذوها جنة (لاحظ: الرسول مال لتصديقهم لأنهم أقسموا, ولو كان كاذبا لما كان للأيمان لديه وزن) فصدوا عن سبيل الله

وهؤلاء لكفرهم بعد إيمانهم طُبع على قلوبهم فلا يفقهون (ومن ثم لا يمكن أن يكون إيمانهم حقيق) ولا تغتر بالمظهر القوي ولا بالكلام الحسن (فتطمع في ضمهم إليك) فهم جبناء وهم العدو فاحذرهم. وسواء استغفرت أم لم فلن يغفر الله لهم. فهم الذين يقولون (وليس غيرهم فلا تسمع لتنصلهم) لا تنفقوا, وهم يقولون كذلك أنهم إن رجعوا إلى المدينة ليخرجنك منها (فكيف بعد ذلك تسمع لهؤلاء أو تصدقهم؟) ربما كانوا في مكة بعد فتحها!

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)

وبعد أن حذرت السورة الرسول تنتقل لتحذير المؤمنين من الالتهاء بالأموال والأولاد عن الذكر وتأمرهم بالإنفاق (فلا يكونوا مثل أحرص الناس على حياة) فلن ينفع الإنسان ماله عند موته وسيتمنى أن يُؤخر فترة قصيرة فقط لينفق ويصلح حاله ولكن لن يستجاب الله, فأجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)

وقبل أن نطلب إلى القارئ الكريم أن يقرأ السورة مرة أخرى بعد أن بيّنا له الوحدة الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها ليرى تماسكها واتصالها, ندعوه للتفكر:
إذا كان محمداً هو من يؤلف القرآن فلماذا ألف هذه السورة؟! هل ألف السورة ليقول لنفسه: احذرهم ولا تصدقهم فهم كاذبون مخادعون؟!

لقد كان في غنى عن هذا, فكان يمكنه بكل بساطة أن يرفض اعتذاراتهم ويقول أنه غير مصدق لهم وأنه لن يسمح لهم بالعودة إلى المدينة وينتهي الأمر. إن هذه السورة لشاهد صدق على سماحة الرسول ورغبته في دخول الناس في الإسلام والتجاوز عن ذلاتهم وأنه يأمل في انصلاح أحوالهم بسماعهم القرآن وتعرفهم على الدين

ومن ثم كان على استعداد لقبول أعذار هؤلاء واستغفر لهم الله (أو كان يريد الاستغفار), فأنزل الله تعالى السورة ليبين له أن هؤلاء مخادعون مختوم على قلوبهم وليس ثمة أمل من استجابتهم فلا تصدقهم؟!

أنار الله بصائرنا وقلوبنا وجنبنا النفاق ورزقنا الفقه وحسن العمل, إنه ولي لذلك وأهل له, والحمد لله رب العالمين.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.