مكعبات الأحكام

أعجب كثيراً من جرأة الفقهاء على القول بأحكام قاسية قد تُبيح دم إنسان, بدون استنادٍ إلى دليل صريح في المسألة, وإنما اعتماداً على ما يمكن تشبيهه بلعبة “المكعبات” التي يلعبها الأطفال, فيقومون برص مجموعة أدلة بجوار بعضها ثم يخرجون بحكم عجيب!

ورغماً عن أن النبي لم يأت بما قالوا به في يوم من الأيام, إلا أنهم وبكل عجب يظنون أقوالهم صوابا! وبكل أسى تُنسب إلى الدين! وبكل غرابة يصدقهم العوام ويقولون بقولهم, الذي يصبح هو القول الوحيد المعتمد! المجمع عليه بين الفقهاء!!!

ومن أبرز النماذج التي تقابلنا في الفقه الإسلامي لهذا المسلك الغريب هو “حكم تارك الصلاة” فنجد أن الفقهاء رسخوا وبكل عجب أن تارك الصلاة كافر أو يُقتل!

والحديث هنا عن المقر بها –وليس الجاحد- ولكنها يتركها تكاسلاً, فكان أبو حنيفة أكثرهم رحمة فقال أنه لا يكفر ولكن يُحبس حتى يصلي! وقال مالك والشافعي أنه لا يكفر ولكن يُقتل حداً!
إذا فهو ليس بكافر ولكنه يُقتل على الرغم من ذلك!! بينما ذهب أحمد إلى أنه يكفر ويُقتل ردة! وزعموا أن هذا هو إجماع الصحابة.

تصور أن الصلاة التي يُفترض فيها أن تمثل العلاقة بين العبد والرب, والتي يتجسد فيها الجانب الروحاني للدين يصبح هذا حكم تاركها!

فأي دين هذا الذي يجعل عقاب من تكاسل في التواصل مع ربه أن يُقتل وأن يقاطعه أصدقاءه وأن تُفصل عنه زوجه؟ وأي رب هذا الذي يقتل المقصرين رغما عن أنه يقبل توبتهم إن تابوا إليه ويعفو عنهم؟!

الذي دفع الفقهاء للقول بهذا الحكم القاسي غير المنطقي هو مجموعة نصوص وجدوها تعرض لهذه المسألة, مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ”, وكذلك ما رواه الترمذي في سننه: “عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ” اهـ

ومن ثم قالوا أن تارك الصلاة كافر ويُقتل! ولكن يُشغب على هذا الحكم ويجعل هذه النصوص “مشكلة” أن الثابت من حياة الرسول أنه لم يقتل أحداً ترك الصلاة, ولا كان يتتبع الناس لينظر من لم يصل فيعاقبه بأي عقاب كان, بغرامة أو بحبس, فلم يحدث هذا!

ومن ثم كان من المفترض أن يخرج الفقهاء من هذه الأحاديث بحكم ينسجم مع فعل الرسول, وليس أن يخرجوا بما لم يفعل الرسول في يوم من الأيام!!

وهذا ما سنقوم به, فنقول: هذه الأحاديث صحيحة فعلاً, وهي من قول الرسول! ولكنها قيلت في مناسبة ما, -لم يحاول الفقهاء البحث عنها-, وهي الحديث عن تلك الأمم حديثة الإيمان التي دخلت في الإسلام بعد فتح مكة, فكان بعض المسلمين يشكك في إيمان هؤلاء فيقول أنهم غير حقيقي الإيمان, وأنهم يتظاهرون بهذا فقط, فكان رد الرسول: “العهد الذي بيننا وبينهم”,

وكلمة “العهد” هي المحور في فهم الحديث, والتي يفهمها عامة المسلمين بمعنى: “الفرق”, وهي ليست كذلك,- أي بيننا وبينهم عهد أن يلتزموا بالصلاة, وللرسول –وللمؤمنين- الظاهر في الحكم على الآخرين, فطالما أنهم يقيمون الصلاة فهم مؤمنون,

وليس لنا الحكم على نواياها, فإن حدث وتركت القبيلة –الأمة- الصلاة, فلم تعد الصلاة تقام في مساجدها, يمكن الحكم أن هؤلاء الأقوام ارتدوا!

فهذا الحديث قيل في فترة نزول سورة التوبة, والتي كان فيها الحديث عن أقوام ينكثون عهودهم, فيؤمنون ثم يعودون إلى شركهم, بل وكانوا يساعدون غير المسلمين على الاعتداء على المسلمين وقتلهم, وفي مثل هؤلاء الأقوام نزلت سورة التوبة عامة وخاصة قوله تعالى: “فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة : 5]”,
وفي مثل هذه الأجواء المليئة بالخيانة ونقض العهود كان قول الرسول –والذي رواه البخاري وغيره-: “عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ”,

فليس المقصود ب “الناس” كل البشرية, وإنما ناقضو العهود المعتدون الذين قيل فيهم: “وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة : 3]”,
إعلان لقبائل العرب التي يحضر منها دوماً “مندوبون” في الحج, سيعلمون أقوامهم “… الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة : 1]”

ومن ثم فالمقصود بالحديث هو الأقوام حديثي الإيمان عامة, وأن العبرة في تمييز إيمانها من كفرها هو الصلاة وإقامتها –وكذلك أداء الزكاة-, وليس الأفراد ولا المجتمعات التي أسلمت فعلا وترسخ واستقر إيمانها, ويتكاسل بعض أفرادها عن أداء الصلاة!

ومن ثم فلا يحق ولا يجوز للدولة إجبار المسلمين على الذهاب إلى المساجد –كما تفعل المملكة العربية السعودية مثلاً- ولا تتبعهم لتنظر من يصلي ومن لا يصلي, فتعاقب تارك الصلاة, وإنما هذا دور الوالدين والأصدقاء, الذين عليهم توجيه النصح إلى الأبناء وحثهم على الصلاة, وتشجيعهم على أداءها, فلا خير في صلاة لا روح فيها يؤديها الإنسان مجبرا!

وفي الختام أقول: الأصل في الدين عامة وفي أداء فرائضه كذلك, الحرية, فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر, ومن شاء فليصل ومن تكاسل نٌصح! فلا إكراه في الدين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.