سورة الزمر: الإنابة إلى الله هي الشفيع

سورة الزمر سورة مكية استنتج علماء التفسير أنها مما نزل في أو قبيل السنة الخامسة من البعثة, استناداً إلى قوله: ” وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ”, والذي اعتبروه إشارة إلى أمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة فراراً مما نزل بهم من اضطهاد المشركين, الذي بدأ في السنة الرابعة وازداد وتصاعد في السنة الخامسة.

والأجواء التي يمكن استخراجها من السورة لا تتعارض مع هذا القول, فيظهر من السورة أن المشركين اجتمعوا ضد الرسول –والمؤمنين- وأمروه بالشرك بالله بعبادة الملائكة, وإلا سنفعل بك وبالمسلمين كذا وكذا, كما خوفوه من آلهتهم وأنها ستنزل به العذاب إن لم يفعل, وبرروا فعلهم هذا بأنه ليس بشرك وأنهم يعبدون هذه الآلهة لأنهم عصاة مقصرون, وهي شفيعتهم عند الله تغفر لهم ذنوبهم (ومن ثم يصبحون من المقربين المتقين), (لأنها بنات الله ومن ثم فلها تحكم في نصيب من ملك الله, كما يقسم الأب ملكه على أبناءه)

فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة الزمر ليثبت الرسول الكريم ويأمره بإخلاص العبادة له, مبينا تهافت قضية “اتخاذ الشريك كشفيع يغفر الذنوب الكثيرة” (وهو المحور الرئيس الذي تدور السورة في فلكه), من خلال إبطال شبهة بنات الله (وما قيل في حق الملائكة ينطبق كذلك على: بنوة عيسى), والحكم بأن سبيل النجاة من الذنوب مهما كثرة هو الإنابة إلى الله وحده.

والاتصال بين السورة والسورة الماضية جد جلي, فلقد كانت السورة السابقة تدور في فلك الإنابة إلى الله, وهنا تبين السورة أن الإنابة مطلوبة على كل حال مهما كثرت الذنوب فهي سبيل النجاة وليس الطرق الالتفافية.
وكما بدأت وخُتمت سورة ص بالحديث عن القرآن
فقالت: “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)”, بدأت سورة الزمر بالحديث عنه كذلك: ” تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر : 1]”, كما يتواصل الحديث عن الله العزيز, والذي بدأ في خواتيم سورة الصافات وفي ص.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت بهذا التصور:
بدأت السورة بخطاب النبي بالقول أن تنزيل الكتاب من الله العزيز وأن الكتاب أنزل بالحق ومن ثم فعليه أن يعبد الله مخلصا له الدين فهو على الحق والهدى, أما متخذي الأولياء فهم مختلفون والله سيحكم بينهم, وهو لن يهدي من كذب (فنسب له الولادة والولد) وكفر بآياته.

ولو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مخلوقا (لا أن يلده) سبحانه خلق بالحق وهو العزيز الغفار يغفر أقوال المخالفين المكذبين (لأجل مسمى), وهو خلقنا نحن من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها يخلقنا في ظلمات ثلاث (عدم السمع والبصر والفؤاد, ومن ثم فلا يمكن لبشر مولود أن يكون إلها), فإن كفرنا فإنه غني عنا* ولا يرضه وإن شكرنا يرضه لنا, وكل إنسان سيتحمل نتيجة أعماله لا تحمل نفس وزر أخرى (ومن ثم فلا شفاعة لعيسى), وإلى الله المرجع فينبئنا بما كنا نعمل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

ثم يأمر الله النبي بأن يقول لذلك الإنسان الذي يدعو الله وحده عند الضر, وعند النعمة يشرك بالله أن يتمتع بكفره فهو من أصحاب النار, لأنه لا يستوي من يدعو الله ويرجو رحمته ويحذر الآخرة به فلا يستوي العالم والعامل بغيره, ويؤمر النبي كذلك بأمر المؤمنين بالتقوى
وبذلك تكون لهم الحسنى في الدنيا فإن لم يتمكنوا من ذلك فليهاجروا ليتمكنوا من الثبات على دينهم وتقواهم, ولهم أجرهم بغير حساب. كما يؤمر النبي بالرد على المشركين الذين يخوفونه بالقول بأنه أمر بالإخلاص لكي يكون أول المسلمين, وبأنه يخاف عذاب ربه, فاعبدوا ما شئتم من دونه, فلست أنا الخاسر, فللمشركين وأهليهم ظلل من النار, وهذا ما يخوف الله به عباده (فهل هناك وجه مقارنة بين هذا وبما تخوفوني به؟!!!)
ثم يبين الله العليم حال الفريق المقابل وهو الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا إلى الله وكيف أن لهم البشرى (بينما لا يستطيع الرسول أن يفعل شيئا لمن حق عليه كلمة العذاب) ولهم غرف من فوقها غرف مبنية:

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
_________________
* هذه الجملة مبطلة للمسيحية البوليصية القائمة على فكرة تجسد الإلهة لغفران ذنوب البشر, فالله غني عن البشر ولا يحتاج لأن يتحول لبشر مثلهم يموت من أجلهم حتى يغفر لهم ذنوبهم.

ثم يعرض الله نموذجا واقعيا لما يراه الإنسان ويحدث أمامه وفيه ذكرى بالآخرة والخاتمة لأولي الألباب, وهو الماء الذي يخرج به زرع مختلف ألوانه ثم يتحد في نهايته فيكون مصفرا ثم يكون حطاما.

(وعلى الرغم من كثرة المذكرات فإن العبرة هي بالتقبل والرفض) فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ليس كمن قسى قلبه فهم في ضلال مبين, فالله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني قرآنا عربيا غير ذي عوج يهدي به الله من يشاء ومن يضلل فما له من هاد فهو ضلال يوصله إلى عاقبة سوء يتقي بوجهه سوء العذاب جزاء بما كان يكسب ولقد كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون وفي الآخرة عذاب أكبر.

ولقد ضرب الله في هذا القرآن أمثلة كثيرة للذكرى (المؤكدة لإخلاص العبادة), فهل يستوي رجل خالص لآخر بذلك الذي فيه شركاء متشاكسون؟ إنكم متساوون في الموت بينما ستختصمون يوم القيامة عند ربكم:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)

ثم يرد الله على الذين خوفوا الرسول فيبين الله عظيم ظلم من كذب على الله (فنسب الولد إليه) وكذب بالكتاب, (فكيف يطمئن؟!)
وأن جهنم مثوى لأمثاله, بينما الذي جاء بالصدق وصدق به فهم المتقون المحسنون ولهم ما يشاءون عند ربهم, ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا في شركهم(بشفاعة أعمالهم وإيمانهم وليس بالآلهة الباطلة) ويجزيهم أجرهم, ومن ثم فاطمئن أنت يا محمد ولا تهتم بتخويفهم أليس الله كافيك؟! والعبرة بمن يهديه الله وحده ويضله!
لذا فسلهم هل يدفع ما تدعون من دون الله ضر الله إن أرادني بضر أو يمسكن رحمته, لذا فأعلن أن حسيبك ووكيلك الله وقل لقومك أن يعملوا على مكانتهم فسوف تعلمون من يأتيه العذاب منا

ولقد أنزلنا إليك الكتاب وأنت لست مسئولا عن ضلالهم أو هدايتهم, وإنما الله يضل ويهدي, (وكذلك) يمسك بعض الأنفس ويترك الأخرى وفي ذلك آيات, أم اتخذوا من دونه شفعاء (يهدونهم ويمنعون عنهم الموت) لا يملكون شيئا ولا يعقلون! قل لله الشفاعة كلها وإليه المرجع.

وكمقابل لاشمئزار قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إذا ذُكر الله وحده بدون الآخرين واستبشارهم إذا ذُكر الآخرون قل أنه –وحده- يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون, وحينها لو أن للذين ظلموا ما في الأرض لافتدوا به وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا:

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)

(وكما حدث في الجزء الأول من السورة تعود السورة للحديث عن الإنسان الذي يصيبه الضر بعد الحديث عن الحساب)

ثم يبين الله كيف أن الإنسان ينيب إلى الله عند الضر (مؤمنين بقضاء الله) أما النعمة فينسبها إلى نفسه, وقد فعل هذا الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما لديهم وأصابهم سيئات ما كسبوا وسينزل هذا بهؤلاء أيضا فما هم بمعجزين! وكيف يقولون هذا وهم يعلمون أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

وفي مقابل هؤلاء يأمر الله النبي أن يقول لعباد الله ألا يقنطوا من رحمته فهو يغفر الذنوب جميعا وأن عليهم أن ينيبوا إليه ويسلموا له من قبل أن يأتيهم العذاب وأن يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم قبل التندم والتحسر قبل أن تسود وجوههم. وحينها سينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم:

فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)

ثم يرد الله على المشركين به بالتأكيد على أنه خالق كل شيء والوكيل على كل شيء (فليس للآلهة المزعومة أي دور) وله وحده مقاليد السماوات والأرض, لذا فأنكر على الجاهلين أمرهم إياك بعبادة غير الله, وليس هذا بالجديد فلقد أوحي إليك وإلى السابقين أن الشرك يحبط العمل ويجعل الإنسان من الخاسرين.

إن المشكلة أن المشركين ما قدروا الله حق قدره حينما نسبوا له الولد المعاونين, فهو متفرد بالأمر في يوم القيامة فالأرض جميعا قبضته والسماوات مطويات بيمينه سبحانه:

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

ثم تُختم السورة بمشهد سريع لليوم الآخر يبين التفرد التام لله بالملك في اليوم الآخر (وكيف أن الملائكة ليس بيدها شيء) يبدأ بالنفخ في الصور وكيف أن من في السماوات والأرض سيصعقون باستثناء من يشاء الله (ولن يستثني الآخرون أحدا!)

وكذلك تشرق الأرض بنور ربها ويوضع الكتاب ويجيء بالنبيين والشهداء فيقضى بينهم بالحق ولا يظلمون وتوفى كل نفس ما عملت, ويساق الذين كفروا إلى جهنم جماعات وهناك تفتح جهنم ويبكتون على تكذيبهم فيبررون بأنه حقت كلمة العذاب على الكافرين فيؤمرون بدخول أبواب جهنم.

بينما يساق المتقون إلى الجنة زمرا وتفتح أبوابها ويُسلم عليهم وهناك يحمدون الله على توريثهم الأرض يتبوءون من الجنة حيث يشاءون, وساعتها ترى الملائكة (عباد الله) حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بين الملائكة بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين:

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)

وبعد أن بينا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة ندعوه لقرائتها مرة أخرى على مرة واحدة فسيرى فيها من اتصال المعاني وترابط المباني ما لم نذكره نحن, إنه سبحانه هو الفتاح العليم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.