سورة ص والإنابة إلى الله

سورة ص من السور المكية, التي تقول كتب أسباب النزول أنها نزلت تقريبا في السنة الثالثة قبل الهجرة, أي أنها مما تأخر نزوله في المرحلة المكية, وإن كنت أميل إلى أنها نزلت قبل ذلك

وأنها مما نزل في المراحل الأولى من البعثة, حيث كان المشركون لا يزالون يتواصون بالثبات على ما هم عليه من عبادة آلهة مع الله ورفض مبدأ الوحدانية بزعم أن ما هم عليه هو الحق وأن شركهم هذا لن يؤثر على رزقهم فهم أغنياء وسيُرزقون وتكون لهم العاقبة الحسنة.

كما كانوا يجادلون في بعثة الرسول الكريم وفي القرآن العظيم وكونه من الله ويتهمون محمدا بالكذب, مدعين أنهم لم يأتهم ذكر من الله يقيم عليهم الحجة فيدفعهم إلى الإيمان.

فأنزل الله -عز وجل وعظم وتقدس- سورة ص, ليقول لهم أن: التعزز يمنع التذكر, فليست المشكلة في وجود الذكر فلقد جاءهم بالفعل, ولكن العزة والشقاق تمنعهم من الإنابة والرجوع إلى الله, (لظنهم أنهم أفضل من محمد كما رفض إبليس أن يسجد لآدم لظنه أنه خير منه) ولأنفتهم من الاعتراف أنهم كانوا على باطل, مبينا لهم كيف أن الأنبياء أنفسهم كانوا يؤوبون إلى الله عندما يصدر منهم ما لا يليق أو عندما ينزل بهم الضر ولا يتحرجون من هذا.

ومن ثم: فأنيبوا إلى ربكم يكن لكم جزيل العطاء وحسن المآب (وهو المحور الرئيس الذي تدور السورة في فلكه), فإذا كنتم في حالة جيدة وأنتم مشركون فسيهبكم الله المزيد ويفتح عليكم البركات إذا آمنتم وأنبتم, أما إذا لم تفعلوا فستكون لكم عاقبة السوء.

والاتصال بين السورة والسورة الماضية لها جلي, فلقد قال المشركون في الصافات: “لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ”, وختمت الصافات بالحديث عن رب العزة: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات : 180] 
ونزلت هذه السورة لتبطل تحججهم بعدم وجود الذكر مبينة بأن السبب في استمرارهم على ما هم عليها هو التعزز. كما واصلت سورة ص ما تناولته سورة الصافات من إظهار عجز الشياطين وضعفهم وذلك بالحديث عن تسخيرهم لسليمان عليه السلام وكيف أن الله رفع النصب عن سيدنا أيوب لما دعاه, ومن ثم فإذا آمنتم تكونوا من عباد الله المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان, وإلا فستكونون من الغاوين المعذبين.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت بهذه المعاني:
بدأت السورة بالحديث عن موقف الكافرين من القرآن والرسول البشري ومسلكهم في محاربة الدعوة, فبينت أن القرآن قدم الذكر ولكن المسألة هي أن الذين كفروا في عزة وشقاق يمنعهم من التذكر والرجوع إلى الله, وكم أهلكنا من أقوام رجعوا إلى الله ونادوه عند نزول العذاب

فلم ينفعهم هذا فليس الوقت وقت نجاة ولا فرار, وكيف عجبوا من مجيء رسول من البشر –وليس حتى من الملأ- وكيف تواصوا على البقاء على ما هم عليه, وكيف كانوا يأمرون أتباعهم بأن يمشوا (مبتعدين عن محمد والقرآن فلا يسمعوا لهما!)

وكيف أن السبب في ذلك ليس ما ادعوا من مبررات وإنما شكهم وعدم ذوقهم العذاب, وأن الذي سيدفعهم إلى الإيمان هو نزول العذاب بهم (صيحة واحدة ما لها من فواق) وساعتها لن ينفعهم إيمانهم!

فهل عندهم خزائن الرحمة فيحددوا على من ينزل الذكر وعلى من لا ينزل! أم لهم ملك السماوات والأرض! (إن كل ما لديهم مجموعة) جند مهزوم لن ينفعهم ولن ينصرهم, ولقد كذبت قبلهم أقوام, فحق عليهم عقاب الله, ولقد تبجحوا ودعوا أن ينزل بهم نصيبهم من العذاب في الدنيا:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)

ثم تخاطب الآيات النبي الكريم وتأمره بالصبر على أقوالهم وذكر عبد الله داود, والذي كان كثير الأوب إلى الله على الرغم مما أُعطي, فلقد سُخر معه الجبال والطير وشد ملكه وأوتي الحكمة وفصل الخطاب (فلم يدفعه هذا إلى التعزز وعدم الاعتراف بالخطأ –كما فعل أهل مكة والذين لم يؤتوا معشار ما أوتي- ولم يمنعه هذا من الأوب إلى الله والاستغفار من كل ما يحتمل أن يكون أساء فيه)

ثم تقص السورة على النبي موقفين حدثا لسيدنا داود وهما موقفه مع الخصم المستورين, وكيف استغفر وأناب, وكيف وهبه الله سليمان, وكذلك موقفه مع الصافنات الجياد (وتُعترض القصة بآيات تتحدث عن عدم العبثية في خلق السماوات والأرض وعدم تساوي المؤمنين بالمفسدين
 
ومن ثم فهناك حساب, وكيف أن القرآن أُنزل ليتدبر وليذكر أولو الألباب), ثم تعرض الآيات لموقف فتنة سليمان وكيف استغفر ربه ودعا ربه بملك لا ينبغي لأحد من بعده فوهب الله له ذلك, ولم يقتصر الأمر على العطاء فقط وإنما له زلفى وحسن مآب عند الله:

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) -وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)- وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)

كما تأمر الآيات النبي بذكر عبد الله أيوب الذي نادى ربه ليرفع عنه ما به من البلاء فاستجاب الله له ووهب له أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى, وكذلك تأمر النبي بذكر عباد لله أخلصهم الله بذكر الآخرة فلم ينسوا يوم الحساب أبدا وكيف أنهم مصطفون أخيار:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48)

ثم تبين الآيات أن ما ذُكر هو ذكر يؤكد ما جاء به محمد, وإن للمتقين في يوم الحساب لحسن مآب وللطاغين شر مآب, وكيف أن أهل النار سيختصمون ولن يرحب بعضهم ببعض وسيدعون على بعضهم بعضا بالعذاب:

هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)

ثم تأمر الآيات النبي بالرد على المكذبين بالقول أنه مجرد منذر, وأن ليس هناك إله إلا الله الواحد القهار العزيز (أما آلهتهم فعاجزة), وأن القرآن نبأ عظيم هم عنه معرضون, وأنه لم يكن له علم باختصام الملأ الأعلى, فما يوحى إليه هو أنه نذير مبين 
ثم تعرف الآيات بما حدث في مبتدأ الخليقة عندما عرف الله الملائكة بخلق البشر, وبأمرهم بالسجود له وكيف سجد الملائكة كلهم إلا إبليس وكيف توعد بغواية البشر أجمعين إلا عباد الله المخلصين وكيف أن الله توعد بأن يملأ جهنم منه وممن اتبعه.

ثم تُختم السورة بأمر الرسول الكريم بالقول أنه ليس له غرض دنيوي في دعوته هذه فهو لا يسألهم عليه أجر وأنه ليس من المتكلفين وأنه ذكر للعالمين وسيعلمون نبأه بعد حين:


قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)

وبعد أن بينا للقارئ الكريم الوحدة الموضوعية للسورة, ندعوه لقراءتها مرة أخرى على مرة واحدة فسيفتح الله عليه فيها ما لم نذكر نحن, إنه هو الفتاح العليم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.