الله ليس “صبور”

نواصل اليوم بإذن الله وعونه الحديث عن أسماء الله الحسنى, والتي كنا قد عرضنا لها في موضوع سابق
نقدنا فيه التصور التقليدي لأسماء الله الحسنى والقائل بأنها توقيفية, وقلنا أنها ليست توقيفية بحال, وقلنا في نهاية المقال:


“نحن نقر بالنقص البشري, ونرى أن أكثر الناس لن يستطيعوا أن يقدموا الصياغة الأدق والأقوم في تسميتهم لله العظيم, ولكن هذا لا يمنعهم الحق أن يسموه بما يكبر ويعظم في نفوسهم! لأن هذه التسمية لن تكون تسمية “معتمدة” تنسب إلى الدين ونعلمها الناس!

فالأسماء الواردة في الكتاب –كأسماء- هي الأسماء التي نجزم بصحة كونها أسماء صادقة لله, متطابقة معه, نؤسس إيماننا عليها, ونخاطب –ونجادل- غيرنا بها! بينما الأسماء التي يسميها الناس, ويدعونه بها, فلن تزيد عن كونها “خواطر” “ومناجات” من العباد لربهم! تعبر عما فاضت به مشاعرهم تجاهه …. وقد لا تكون هذه التسيمة هي الأفضل أو الأصح .. إلا أنها لا محالة هي الأنسب في هذا المقام وذلك الموقف … الذي ربط فيه العبد الحدث العظيم الواقع أمامه بربه … فنسبه إليه … وجعل ربه محدثه … وخالقه! وهو كذلك لا محالة!” اهـ

ونحن لن نتوقف مع أي اسم يناجي إنسان به ربه, وإنما سنتوقف مع الأسماء المنسوبة إلى الله الرحمن, والمحسوبة كأسماء معتمدة مرجعها الدين, يُعلمها المسلمون وندعو غيرنا إليها!

تلك الأسماء التي وردت في رواية الترمذي والتي أجمع العلماء على أنها من تأليف الوليد بن مسلم, فنتوقف معها لنبين تلك الأسماء التي لا تتناسب مع جلال الله وكماله, والتي لا ينبغي للمسلم أن يسمي الله بها!


ونحن نعلم أن هناك من سبقنا إلى محاولة تنقية أسماء الله الحسنى, مثل الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني, والذي استبعد عدداً من الأسماء, وقام بضم أسماء أخرى لتصبح هي التسع والتسعون المعتمدة!
إلا أننا نقول أن الأسماء ليست تسعا وتسعين فقط, وإنما هي أكثر من ذلك بكثير
كما أن منهجنا في رد الأسماء سيكون معتمداً على كتاب الله أولا, ثم اللسان العربي, فسننظر في كتاب الله أولا لنبصر كيف استعمل الله هذا الاسم أو الفعل, وكيف أنه لم يسم الله به مرة, وكيف سمى به البشر, ثم ننظر في اللسان لنحدد معناه ولنبين كيف أن الآخرين الذين أسقطوا هذا الاسم على الله استعملوه في غير معناه كلية
وأن هذا الاستعمال غير مقبول لسانيا!
ثم نقدم الاسم البديل الذي ورد في القرآن, والذي وُضع الاسم الغير صحيح مكانه, ليستعمله من يريد أن يخاطب الرب الملك في هذا الموطن!


وأول اسم نبدأ به هو آخر الأسماء وروداً في قائمة الأسماء الحسنى وهو اسم “الصبور”, ذلك الاسم الذي كان دافعا لي للبدء في هذه الحلقات, فلقد كنت أصلي العصر ذات مرة وأدعو ربي في السجود, وأنا أنادي ربي بأسمائه الحسنى المختلفة وأحاول أن استخدم أكبر عدد ممكن من الأسماء الحسنى, وذات مرة دعوته بالصبور, فتوقفت وأخذت أتساءل:
هل الله صبور؟ كيف يكون الله صبورا؟ إن معنى الصبر لا يتفق مع الله, فمن أين أتت هذه التسمية؟! ومن ثم عزمت على البحث في الأسماء المنسوبة إلى الله والتي لا تتفق مع جلال الله وكماله!


إذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى, وجدنا أنه قد ورد فيه اسم “الصبر” كما استعمل اسم الفاعل “صابر” مع الإنسان, وأكثره على هيئة الجمع “صابرون/صابرين”, وجاء كذلك “صابرة/صابر”, وجاء كذلك بالصيغة الفعلية “صبر, تصبروا, نصبر, وكل هذا أتى مع الإنسان, فلم يأت مرة واحدة مع الله العزيز!

كما أنه لم تأت كلمة “صبور” فيه مطلقا, لا مع الله ولا مع الإنسان, وإنما استعمل مع الإنسان صيغة المبالغة “فعّال” “صبّار” في أربعة مواطن, جاءت كلها متبوعة ب “شكور”, وهي:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [إبراهيم : 5]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان : 31]
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ : 19]
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [الشورى : 33]


فكما رأينا لم يستعمل القرآن الصبر مع الرب العزيز, فإذا عرجنا على اللسان لننظر ما هو معنى الصبر, وجدنا ابن منظور يقول في معجم لسان العرب:
وأَصل الصَّبْر الحَبْس، وكل من حَبَس شيئاً فقد صَبَرَه؛ ومنه الحديث: نهى عن المَصْبُورة ونَهَى عن صَبْرِ ذِي الرُّوح؛ والمَصبُورة التي نهى عنها؛ هي المَحْبُوسَة على المَوْت.

فكما رأينا فأصل الصبر هو الحبس على المكروه أو الصعب, فالإنسان عندما ينزل به ضر أو أذى أو يحدث له ما لا يريد, يصبر على هذا, وهذا مما لا يكون مع الله بحال, فلن ينزل بالله تعالى أي شيء من هذا! فنحن لن نبلغ نفع الله فننفعه ولا ضره فنضره!

لهذا وجدنا أن الذين تناولوا هذا الاسم وضعوه في غير موضعه, فمما قاله أحدهم تعليقا له على الاسم:

 دلالات هذا الاسم وردت كثيراً في القرآن الكريم فالصبور هوالذي لا يُعجّل بالعقوبة لِمَنْ عصاه فهو يُمهل ولا يُهمل ، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة جداً تتحدث عن مدلول هذا الاسم الذي ورد في السنة ولم يَرِدْ صراحةً في القرآن الكريم قال تعالى:

” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً [فاطر : 45]

الإنسان أحياناً ، إذا تولى أمر عشرة أو أكثر ، فحينما يغضب منهم يتمنى أن يُنزِل فيهم أشدَّ العقوبة ، “ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى” فتأخير العقوبة هو مدلول اسم الصبور ، مرّت معنا آية من قبل وهي قوله تعالى :

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه : 129]

عني كان لِزاماً أن ينزل الله بالعُصاة أشد العقاب ، وأن يُنهِيَهم ويبيدهم ، ولكنَّ كلمة سبقت من الله عز وجل هي التي تجعل العقوبة متأخرة . فما هي هذه الكلمة ؟ هي : إن رحمتي سبقت غضبي ، ماهذه الكلمة ؟
إن الله خلق الخلق ليرحمهم ، ما الذي يؤخر إنزال العقوبات الحاسمة ؟ هو رحمة الله عزّ وجل ؛ يعني كأن الله عزّ وجل يُعطي الناس فرصةً ليتوبوا ، يُعطيهم فرصةً ليرجعوا لِيُنيبوا ليصححوا ليستغفروا … ” ا.هـ

فكما رأينا فحديث هذا الكاتب ليس عن الصبر بحال وإنما عن الإمهال وعن الحلم, والحليم الممهل ليس صابرا, لأن الصابر يحبس نفسه على ما يكره, بينما الله الحليم يؤخر عقابه لحكمة فهو لعلم وحكمة!! وإذا كان الله العظيم يصبر –تعالى عن ذلك- فمن يرفع عنه ما به؟!!

وعندما تفكرت في كيفية قبول الآخرين لهذا النعت مع الله, وجدت أنهم استعملوه بنفس الاستعمال العامي الخاطئ والذي يجعل الإمهال صبرا, فلأن الله تعالى يمهل ولا يعجل بالعذاب قالوا أن هذا صبر! كما تقول لإنسان:
أنا صابر عليك, إنما للصبر حدود!!

ولكن هذا ليس صبرا من الإنسان وإنما هو حلم وتملية, وهو كذلك من الله:
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف : 183
]

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد : 32]

فتملية الله للمكذبين ليس صبرا عليهم وإنما هو كيد من الله العزيز بهم, ومن ثم فإذا أردنا دعاء الله باسم ينطبق مع هذه الحالة فمن المفترض أن ندعوه ب “المملي” فهو أدق من الصبور!!

ولكن هذا الاسم ثقيل على اللسان, كما أن هذا فعل لله وليس اسما, والله لم يسم نفسه بهذا, ومن ثم فنحن لا نسمي الله به!!

فإذا كان معنى الصبر مما هو واضح بمكان فمن أين أتى هذا الاسم؟!

إذا نظرنا في السنة وجدنا أنه لم يُنعت الله في حديث بأنه صبور أو صبار, وإنما وردت رواية استعملت الفعل مع الله, فقالت:
 عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَداً وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ” وَيَرْزُقُهُمْ

وكما رأينا فهناك شك من الراوي في الرواية
فما المانع من أن يكون قد نسي ووضع “أصبر” مكان “أحلم”؟!
ولقد سببت هذه الرواية إشكالية للعلماء, لذلك وجدنا من يفسر الصبر بمعنى الحلم فيقول:

‏(‏أصبر على أذى‏)‏ هو بمعنى الحلم، أو أطلق الصبر لأنه بمعنى الحبس والمراد بهحبس العقوبة على مستحقها عاجلا وهذا هو الحلم‏.‏
والحلم ليس صبرا فتأمل, فإذا نظرنا في أقوال العلماء وجدناهم متفقين على أن الصبور لا يطلق على الله, ومن أقوالهم في هذا:

قال الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص 98) : ((معنى الصبور في صفة الله سبحانه قريب من معنى الحليم ؛ إلا أن الفرق بين الأمرين أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور كما يسلمون منها في صفة الحليم ، والله أعلم بالصواب)).

قال قَوَّام السنة الأصبهاني في ((الحجة)) (2/456) : ((قال بعض أهل النظر : لا يوصف الله بالصبر ، ولا يقال : صبور ، وقال : الصبر تحمل الشيء ، ولا وجه لإنكار هذا الاسم ؛ لأن الحديث قد ورد به ؛ ولولا التوقيف ؛ لم نقله)).اهـ.

فكما رأينا فهو لولا الرواية الواردة لم يقل به, وهذا دليل كبير على أن الاسم لا يتفق مع الله!
والرواية نفسها مشكوك فيها
كما أنه ليس ثمة عالم فسّر الصبر فيها بمعنى الصبر, وإنما جعله بمعنى الحلم!
ناهيك عن أن الرواية لم تقل أن الله صبور أو صبار!
والأسماء الحسنى يُفترض فيها أنها أسماء كمالات تدل دلالة صريحة على ظهور مدلولها في الله ظهورا كاملا, ومن ثم فهي غنية عن الشرح أو التوضيح! فإذا احتاج اسم إلى تأويل, دلّ ذلك دلالة واضحة على أنه ليس من الكمال, وأنه ليس من الأسماء الحسنى!!

وفي الختام نقول لمن يريد أن يدعو الله أو يشكره على حلمه عليه وتأجيل إنزال العقوبة به أو بغيره:
ادع الله بالحليم, فهو حليم, وادعه بصيغة الفعل مع الإملاء:
يا من يملي ولا يعجل ولا يهمل!
وإذا كنت تسأل الصبر فقل كما جاء في القرآن:
” رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة : 250]”
فالله سبحانه هو الذي يعطي الصبر فهو تجاوزا “المُصبّر” ولكنه لا يكون بحال صابرا … ناهيك عن أن يكون صبورا!!
غفر الله لنا وللمسلمين الذلل … والسلام عليكم ورحمة الله!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.