داء التفاهة!!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن داء استشرى في جسد الأمة وتأصل في نفوس كثير من أفرادها وهو داء التفاهة!
ولن نحاول أن نقدم تعريفا علميا للتفاهة وإنما سنكتفي بالقول أنها:

الانشغال بصغائر الأمور التي “لا” تضر ولا تنفع, والإعراض عن عظائم الأمور المؤثرة في حياة الفرد والمجتمع!
فإذا نظرنا حولنا وجدنا أن كثيرا من الشباب بل والشيوخ يشغلون أنفسهم بصغائر الأمور ويتعصبون لها تعصبا شديدا… فجل حركتهم من أجل الوصول إلى والحصول على أشياء حقيرة …
وعامة كلامهم عن أمور لا تقدم ولا تؤخر … ولا يجنون من وراءها إلا إضاعة أوقاتهم وأعمارهم وأعمار غيرهم!! أما أدوارهم الرئيسة في الحياة فهم عنها معرضون ولها ناسون!!

ولن نذكر هنا أي نماذج للتفاهة وإنما على القارئ أن يفكر فيما يمكنه هو شخصيا أن يصنفه حتى مسمى التفاهة! وهل ينطبق عليه تعريف التافه أم لا!!

والتفاهة ليست بالداء المستحدث في زماننا هذا وإنما هي مما وُجد في كل العصور السابقة! إلا أن كمها وكيفها يختلف من زمان لآخر, فقد تقل في أزمنة حتى تكاد تنعدم, وقد تعم وتظهر وتنتشر في أزمنة أخرى حتى تصبح هي السائدة! ومن ثم تصبح الثقافة المنتشرة هي ثقافة التفاهة!

فأصبح المتوقع أن يصبح الفرد الجديد الوافد على المجتمع تافها, وذلك لأن الجو المحيط به والبيئة المؤثرة فيه تدفعه دفعا إلى التفاهة!
ومن لا ينضم إلى نهر التفهاء هؤلاء يُنظر إليه نظرة استغراب فهو يتعب نفسه بلا فائدة, فهو يحارب طواحين الهواء! ويعقد حياته بلا معنى!
وداء التفاهة ليس محصورا في طبقة اجتماعية معينة, فلا نقول أن الأغنياء أكثر تفاهة من الفقراء أو العكس! فلكلٍ من الأسباب التي تدفعه إلى التفاهة!

ويمكننا القول أن التفاهة تظهر وتتفشى أكثر فيمن لديه “أوقات فراغ”!
وبما أنه لا يعرف –ولم يُعلم- كيف يستغل هذه الأوقات وكيف لا تنشأ في حياته أصلا, فإنه غالبا ما يستغلها في التفاهات!
فهي لا تحتاج إلى أي مجهود فهي قريبة محيطة به, كما أنها لا تحتاج إلى أي درجة من إعمال الذهن, وإنما يطفح الإنسان بما في داخله!

وقديما قالوا:
نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل! وأصبحت التفاهة الآن تشغل النصيب الأكبر من الباطل!!
وقد يقلل البعض من خطر التفاهة والتفهاء, إلا أنني لا أوافقهم في هذا, فأنا لا أتقبل التافه بحال وأعد الإنسان الذي يسعى في الشر والضر أفضل منه, وأتقبل جدا المقولة:

إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع

فذلك الساعي في الضر سيدفع آخرين إلى مقاومته ومن ثم فسيشغلهم بفعل شيء نافع, كما أن هذه المقاومة ستقويهم!
ناهيك عن أن الساعي في الضر قد ينقلب إلى السعي في الخير, أو سيسعى في الضر قليلا وفي الخير أكثر …
وهذا هو عامة حال الإنسان, فإذا انتقل إلى فعل الخير كان إنسانا قويا ذا خبرة ودراية, قادر على نفع غيره ودفع الضر عن نفسه وعمن حوله!
هذا بالإضافة إلى أن الناس يقفون موقفا حاسما ممن قد يضرهم ويحذرون منه, أما التافه فأغلب الناس قد تسخر منه وقد تراه لا ينفع ولكنه لا يضر, إلا أنهم مع مرور الوقت وشيوع التفاهة تصبح أمرا مقبولا … بل هو الطبيعي …. ومن ثم يُقلد بدرجة من الدرجات … بل وقد يسبقونه!!

ولعب الإعلام المرئي –ولا يزال يلعب- دورا كبيرا في تنمية التفاهة عند البشر, فقبل ذلك كانت مصادر التلقين تقتصر على تقديم النافع …. وقليل من الضر متضمن في ثناياه, أما مع الإعلام المرئي فأصبح الأعم الغالب هو الضار … التافه … وقليل من النافع الجاد هو ما يُقدم …. ذراً للرماد في العيون!!

وأنا أتقبل أن تصدر التفاهة من مترف, فمستقبله لا يشغل باله, كما أن كل ما يطلبه يجده, ومن ثم تصبح الحياة أمامه غير ذات معنى, ومن ثم يصبح إنسانا مسطحا تافها!!

ولكن أن يصبح الفقير الذي يقاتل للحصول على لقمة العيش تافها فهذا ما يؤلمني كثيرا! ولكنها آفة التقليد, فهو يجد الكبار تافهين! ويظنهم بهذا مستمتعين …
فيظن أن هذه هي الحياة!! ومن ثم يسعى للعيش مثلهم والاقتداء بضلالهم!!

نعم أنا لا أقلل من دور الإحباط المخيم على مجتمعنا المصري من نشوء حالة من اليأس عند البشر!! إلا أن هذا ليس مبرراً للإرتماء في أحضان التفاهة!! فاليأس هو ناتج الإحباط الطبيعي …. ولكن التفاهة هي قرار أحمق … يتخذه الإنسان بإرادته … كانتقام من نفسه ومن المجتمع!!

وعلى الرغم من أن التفاهة ليست داء مقتصرا على جنس دون الآخر, إلا أن ما يؤلمني هو أنه مستشر بدرجة كبيرة في الفتيات والنساء …. فباستثناء قيامهن بأدوارهن كراعيات للأطفال
والذي غالبا لا يقمن به بشكل قويم!- نجد أن التفاهة مسيطرة على أفكارهن وأفعالهن … وأحاديثهن! ومن ثم فلا يمكن للرجل الصبر على الإنصات لحديث جمع من النساء!

وأنا لا أنكر أن لنا معشر الرجال دور كبير في هذا, بسبب إساءتنا تربية المرأة –وليس بسبب تهميشها في العمل بحال!- إلا أن هذا لا يعفي المرأة من مسؤولية التحرر من التفاهة المعششة في ذهنها!

والمشكلة أن جلنا لا ينتبه إلى أنه في مرحلة متأخرة في هذا المرض, وذلك لأنه ينصب ذاته معيارا للصواب والجد, فقد يصنف كثيرا من أفعال الآخرين على أنها تفاهة, بينما لا يعتبر نفسه كذلك, وذلك لاختلاف شكل التفاهة التي يفعلها عن تفاهات الآخرين!
ومن ثم فلكي يدرك الإنسان كونه تافها من عدمه فإن عليه تنصيب ميزان مجردٍ يقيس عليه حياته وأعماله وكلامه وهو إنتاجه ونفعه لغيره, وليس مقدار ما يجني من الأموال!!!
وشفاء هذا الداء بسيط جدا –نظريا- عسير جدا على أرض الواقع, وذلك لأن الشفاء من هذا الداء يتمثل في كلمة واحدة وهي:
“قضية”
إن الإنسان التافه إنسان لا قضية له, ولا هدف ولا غاية لحياته, فلو حمل هم قضية, أي قضية حقيقية –وليست وهمية- لاختفت –أو قلت بدرجة كبيرة- التفاهة من حياته!

فلو حمل هم البيئة أو هم الفقراء أو هم التفاوت الطبقي المسيطر على المجتمعات العربية أو الإنسانية عامة, لو حمل -+هم التعليم الفاشل, الذي يخرج أجيالا أكثر فشلا!

لو حمل هم الغذاء الملوث … لو حمل هم التحرر من السيطرة الغربية .. لو حمل هم الدين الذي لا يعرفه المسلمون والدعاة –الذين هم منفرون- الناسون لقضايا الأمة والمزكون لنيران الاختلاف والفرقة!!!
….. لو … لو … لو ………
وهموم الأمم المصيرية كثيرة كبيرة تحتاج رجالا ليقوموا بها, فلو حمل همّ واحد منها لما وجد وقتا للتفاهة! ولكن من يلتفت إلى غيره, فلقد تحولنا إلى مجتمع رأسمالي –ألا لعنة الله على الرأسمالية- يعمل على تزكية الأنانية والشخصية, شعاره: فلتعمل حتى تكاد تهلك! فإذا كان عندك وقت فلتله فيه وتلعب!!
استهلك … استهلك … استهلك!

ولكي يقتنع المأفون بالاستهلاك سنغرقك بما يقنعك بالاستهلاك, فأنت إنسان بقدر ما أنت مستهلك!! فهذا هو هدف حياتك … ولهذا خُلقت!!

وقبل أن أنهي أقول:
على الرغم من انتقادي الشديد لعبد الناصر وعدم تقبلي له, إلا أنني أعود فأقول:
في زمانه كان لبلدنا الحبيب قضية يسعى الناس لها, ومن ثم فلم تكن التفاهة إلا سلوكا فرديا لبعض الحمقى الفارغين, أما بعد حرب أكتوبر فقد ضاع الهدف وطُمست القضية, ومن ثم أصبح كل إنسان يسعى لنفسه …
وأصبح الربح المادي هو الغاية العظمى … ولكي تستخرج المال من جيوب الناس فلا بد أن تلغي عقولهم … وخير سبيل لهذا أن تحولهم إلى جماعة من التفهاء!!!

ولكي ينصلح حال هذه البلدة أو غيرها من البلاد لا بد لكل قائد أو حاكم أن يتبنى قضية قومية, يسعى هو لها أولا ويحث المواطنين على العمل لها, فبهذا تنهض الأمم! أما إذا لم تكن هناك قضية واضحة المعالم … فستعاني الشعوب من التفاهة … حتى تنزل القاصمة التي تهلكها!!!

وفي الختام أقول:
يطعن الملاحدة في الأديان عامة بالقول بأنها أدت إلى وجود التعصب وقيام الحروب, ومن ثم يتساءلون ببلاهة: ما الحاجة إلى وجودها, لقد كان ضرها أكبر من نفعها؟!!!!

ونقول للحمقى:
على الرغم من وجود العصبية لغير الأديان وعلى الرغم من قيام الحروب لنصرة الأفكار الغير دينية, فإن النفع الأكبر للأديان في حياة البشر أنها جعلت لهم قضية يعيشون كل حياتهم لها!
ومن ثم جنبتهم الغوص في مستنقع التفاهة … الذي يتقلب فيه الملحدون!!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.