لا أخشى إلا الله!!!

من الكلمات التي انتشرت بين عوام المسلمين, والتي يقشعر من كذبها البدن ويشتاط المرء غيظا من سماعها من أمثال هؤلاء, تلك الكلمة التي تخرج من أفواههم وما لها مكان في حياتهم كلا, وهي:
“أنا لا أخشى أحدا إلا الله”, أو “أنا لا أخاف إلا الله”

والكلمة نفسها سليمة لا حرج فيها ولا مانع منها. ولكن المشكلة في صدورها ممن لا علاقة لهم بها ويخالفونها في كل أقوالهم وأفعالهم, ثم لا يتحرجون من قولها!

تجد الرجل داعرا ماجنا زانيا شاربا للخمر وعندما يتشاجر يتبجح بأنه لا يخشى أحدا إلا الذي خلقه!!!!
وتجد المرأة راقصة فاجرة في الفعل والقول ثم تتبجح بنفس الكلمة! ومن أمثال هؤلاء كثر!
وأعجب وأتساءل:
هل يعي هؤلاء الفساق ما يقولون فعلا؟! ألا يرون ما يفعلون في عامة أمورهم –ولا نقول كلها!-, هل يعتقدون أنهم يخشون الله فعلا؟! وهل يظنون أنهم لا يخشون أحدا إلا الله –على فرض خشيتهم لله؟!

ألا يوقن الواحد منهم تمام اليقين أنه يخشى الفقر والمرض والموت؟! ولا يقتصر الأمر على هذه الطوام, وإنما يعلم علم اليقين أنه يخشى البشر! ويخشى من ظلمهم, لذا يستعينون بحراس يحمونهم! على الرغم من أنهم لا يخشون أحدا إلا الله!

ولا نريد أن نضع هؤلاء في موقف المقارنة مع النبي الكريم, فهم لا يرقون بحال إلى منزلته العلية ولا يحلمون بذلك, ولكن الشيء بالشيء يُذكر, فالنبي لما نزل عليه قوله سبحانه “والله يعصمك من الناس” فصرف حرسه واكتفى بالله عاصما!

المشكلة أن المسألة أصبحت مسألة رد مسجل محتم! فإذا قال لك أحدهم في الشجار: أنت خائف!
فلا بد أن تأخذك حمية الإيمان!!!!!!!!!!! وترد بإباء ال … : أنا لا أخشى أحدا إلا الله!
على الرغم من أنك قد تكون مرعوبا من الشخص الذي أمامك, ولكن لا يمكنك أن تقول هذا, وإنما يجب أن ترد الرد المعلب!

وأنا لا أقولها! لأني اعترف وأقر أنه لا يزال في حياتي أمور وشئون لا أزال أخشاها! (بالمعنى الدارج) وهي ولله الحمد وإن كانت أقل بكثير مما يخشاه الآخرون, ولكني لا أدعي أني لا أخشى إلا الله, فلم أصل بعد إلى هذه المرتبة!
ولله الحمد والمنة أنا أحب الله حبا جما وأخشاه, ولكن لا أدعي أني لا أخشى إلاه, وندعو الله أن يوصلنا إلى هذه المنزلة.

إن الخشية مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا العلماء العاملين:
…. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر : 28]
ولها تأثير عظيم على أقوال وأفعال صاحبها, تورث رقة القلب واستجابة لأمر الله عزوجل ونزولا عليه. وهي لا تتحقق إلا بالنظر في كتابي الله عزوجل: القرآن والكون! فبهذا يخشع المؤمن ويصدع!

وأوضح مثال على ذلك هو الجبل:
لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر : 21]
فلو أنزل القرآن على جبل لخشع وتصدع حقيقة! فما بالنا لا يحدث لنا مثله؟!
إن هذا يعود إلى قسوة قلوبنا, التي أصبحت كالحجارة أو أشد قسوة, فالحجارة أحسن حالا من قلوب بعضنا:
… وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة : 74]

ونحن نسألك أخي القارئ 
هل أنت ممن يخشون الله فخشع قلبك له ولكلامه؟
أم أنك لست منهم؟! ولم؟
وهل أنت ممن يقولون هذه الكلمة أم ممن يتحرجون منها؟!

جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه ويتقونه


على الرغم من أن هذا الباب مخصص لخطاب القلوب, إلا أن الطبع يغلب التطبع! فبما أننا تكلمنا عن خشية الله, فلا يمكننا أن نفوت الفرصة للحديث عن الفرق بين الخوف والخشية! لأن كثيرا يستعملون الكلمتين بنفس المعنى! فيظنون أن الخشية هي الخوف!

ذَكَرَ الله تعالى الخوف -بمختلف تصريفاته- في القرآن (124) مرة -بحسب “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم”، أما الخشية فقد تكرر ورودها في (48) موضع.

يرتبط الخوف عند الإنسان بمدلول سلبي! فإذا قلت أني أخاف كذا, فهذا معناه أن هذا الشيء ضار للإنسان, وذلك مثل خوفنا من النار أو الحيوانات المفترسة. وهذا الخوف رد فعل طبيعي من الإنسان, نابع من الجزء الحيواني فيه, والذي أودع الله فيه هذه الغريزة حتى يحمي نفسه من الهلاك!

لذلك رأى بعضهم أن الخوف: هو الذعر وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى.
وهذا الخوف لا يحدث مع الإنسان في الدنيا لله عزوجل, لأنه لا يكون إلا عند مشاهدة الضر نفسه, أو عند تقينه بوقوعه لا محالة! ولأن النفس تؤمل الإنسان بطول البقاء, كما أن الإيمان بالغيب لم يترسخ عند كثيرين, فلم يتجاوز مرحلة العلم, لذا لا نجد هذا النوع من الخوف إلا فيما ندر جدا جدا!

ولكن هل هذا الذعر هو المعنى الذي يريده الله عزوجل منا؟!
بداهة لا يريد الله عزوجل جماعة من المذعورين! كما أنه لا يمكن تصور صدور عبادة من إنسان مذعور, فالعبادة تصرف واعٍ, هو أعلى درجات الوعي الإنساني, فكيف يتصور وقوعه من إنسان تحركه غريزة حيوانيه للحفاظ على النفس!

إذا فليس الخوف المطلوب بحال –ولا الخشية كذلك- هو الذعر, وإنما هو شيء آخر! فما هو؟
من أصعب (إن لم تكن أصعب الأمور) محاولة تعريف المشاعر!
فالشعور شعور! ومن الصعب جدا أن يصوغه الإنسان بكلمات, وكل ما يفعله هو عرض مظاهره وآثاره, لا أنه يصوغه أو يعرفه نفسه!

نعرض لك عزيزي القارئ ما قاله السادة العلماء في تفريقهم بين الخشية والخوف:

ذكر الإمام أبو هلال العسكري في الفروق أن “الخوف يتعلق بالمكروه وبترك المكروه تقول خفت زيدا كما قال تعالى {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل:50]. وتقول خفت المرض كما قال سبحانه: {ويخافون سوء الحساب} [الرعد:21].
والخشية تتعلق بمنزل المكروه. ولا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية ولهذا قال: {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد:21].” اهـ

وقيل أن الخوف : ظن وقوع المضرة من شيء.
وقيل أن خوف الله هو تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات، والتقصير في الطاعات.
والذي نراه نحن أن الخوف الإنساني هو انفعال مرتبط بشعور الإنسان بضعفه قبالة شيء ما, قد يوقع ما تستثقله النفس وتحاذر.

فقد تستثقله النفس وتحذر من شيء ويكون خيرا ونافعا ولا ضر فيه, وقد يكون حقا, وعلى الرغم من ذلك تكره النفس وقوعه وتظل في حالة ترقب لوقوعه.

وبقريب من هذا قال الراغب الأصفهاني:
الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. وأما الخشية فخوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه.

وأما الخشية فهي شيء أخص من الخوف, ولقد عجز بعضهم عن تعريفها وتفريقها عن الخوف! فقال: الخشية: حالة تحصل عند الشعور بعظمة الخالق وهيبته وخوف الحجب عنه!!
والذي نراه نحن أن الخشية هي خوف مرتبط بتعظيم المخوف منه, وفي هذا يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين:

“والخشية أخص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر:28).
 فهي خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي r: “إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية”،
ف الخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه، وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية.
 فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية” اهـ

ويقول الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس في بحثه الرائع “المفردات القرآنية مظهر من مظاهرالإعجاز”:
جاءفيما كتبه السيوطي رحمه الله ألفاظ يُظن بها الترادف، وليست منه، من ذلك الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما، ولا شك أن الخشية أعلى منه، وهي أشد منالخوف؛ فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي يابسة.وهو فوات بالكلية، والخوف من قولهم: ناقة خوفاء، أي بها داء وهو نقص، وليست بفوات، ولذلك خصّت الخشية بالله في قوله: “وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَالحِسَابِ” وفرق بينهما أيضاً أن الخشية تكون من عظم المختشى، وإن كان الخاشي قوياً، والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمراً يسيراً، ويدل على ذلك أن الخاءوالشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة، نحو: شيخ، للسيد الكبير، وخيش لما غلظمن اللباس، ولذا وردت الخشية غالباً في حق الله، من خشية الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)، وأما (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ(، ففيه نكتة لطيفة، لأنه وصف الملائكة، ولما ذكر قوتهم وشدة خلقهم عبر عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظاً شداداً فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين، ولما كان ضعف البشر معلوماً لم يحتج إلى التنبيه عليه. وأقول: إن الوجه الأخير الذي أشار إليه السيوطي هو الذي اقتصر عليه الراغبالأصفهاني، حيث قال: الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك من علم بما يخشى منه، ولكن السيد محمد رشيد رضا رحمه الله لم يرتضِ ما ذكره الراغب،
فقال رحمه الله: “إن القيد الذي ذكره الراغب لا يظهر في كل الشواهد التي وردت من هذا الحرف فيالقرآن وكلام العرب ـ وبعد أن استشهد على ذلك بشيء من أقوال العرب قال ـ: فإن كان بين الخوف والخشية فرق فالأقرب عندي أن تكون الخشية هي الخوف في محل الأمل
ومن دقق النظر في الآيات التي ورد فيها حرف الخشية يجد هذا المعنى فيها، ولعل أصل الخشية مادة خشت النحلة تخشو، إذا جاء ثمرها دقلاً (رديئاً)، وهي مما يرجى منها الجيد”.وإذاتتبعنا الآيات القرآنية الكريمة، ندرك الفروق سواء ما ذكره الراغب، أم غيره، فلا ضير أن يكون هناك أكثر من فرق بين الكلمتين، فقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)، يشهد لما قاله صاحب المنار، من أن الخشية خوف في محل الأمل، ومن أحق من العلماء بهذا الخوف وبذلك الأمل ؟! ولا يتنافى مع ما قاله الراغب، من أن الخشية: خوف يشوبه التعظيم، والعلماء حقيقون بهذاالتعظيم، حريصون عليه.

وما أروع ما قالته بنت الشاطئ في هذا الشأن, حيث قالت:
“نلاحظ أن الخشية في البيان القرآني تفترق عن الخوف ، بأنها تكون عن يقين صادق بعظمة من نخشاه ، وأما الخوف فيجوز أن يحدث عن تسلط بالقهر .
والخشية يجب ان لا تكون إلا لله وحده ، دون أي مخلوق ، يطرد ذلك في كل مواضع استعمالها في الكتاب المحكم بصريح الآيات.” اهـ

ونرجو أن نكون قدمنا لك أخي القارئ ما يروي الغليل بهذا الشأن ويظهر الفارق بين الكلمتين!
جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه ويخافونه والسلام عليكم ورحمة الله.


عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.