سورة العلق, بين العلم وخطورته!

تدور سورة العلق في فلك القراءة كباب لفتح نعم الله على الإنسان والاقتراب منه.
وكانت سورة التين قد انتهت بالسؤال عن حكمة الله تعالى, وتبدأ سورتنا بالأمر بالقراءة, ففي كتاب الله ستجد الحكمة والإيمان, وكلما تقرأ أكثر سيفتح لك ربك الأكرم أكثر.

تبدأ السورة بقوله تعالى:
“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)”
فتأمر[1] النبي الكريم –وكل المسلمين تباعا- بقراءة القرآن أولا –وأي كتاب تباعا. وكما أمر بالتسبيح والعبادة وأتبعهما بالتذكير بأن الرب هو الخالق, لم تتخلف القاعدة في آيتنا هذه, فأمرت الآية النبي الكريم بالقراءة مبتدأ باسم الله, الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما.

وتذكر لنبي الكريم أن الإنسان المخلوق في أحسن تقويم مخلوق من علق[2], فهو منذ بدأ خلقه إلى موته معتمد على التعلق بغيره, فلا يستطيع أن يعتمد على نفسه ويستقل بها قط, فتعلق أيها الإنسان بربك عن طريق قراءة كتابه.

“اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)”
فاقرأ وربك الأكرم, وفلك من الثواب على القراءة ما يزيد عن ما تتصور, وسيُفتح عليك من العلوم كلما تقرأ أكثر ما لم يخطر لك ببال, فالعلم بالدرجة الأولى فتوح وعطاءات من الله عزوجل, فهو الذي جعل القلم وسيلة للتعلم, به يحفظ الإنسان ما علم ويبلغه غيره[3],

فالقلم أفضل وسيلة للحفظ والتعلم, فاقرأ وسيأتيك العلم, فالله هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم, فالله يعلم الإنسان منذ بدء خلقه, فهو الذي علمه البيان, علمه كيف ينشأ الكلمات عن طريق معرفة العلاقة بين الشيء والكلمة, علمه الكلام وكفى به وسيلة للتعلم, فبدون البيان والقلم ما كان لينشأ للإنسان حضارة. فإذا كان الله هو الذي علمك هذا كله, فلم لا تقرأ القرآن وتأخذ علمه؟!

ثم تقدم السورة الإجابة على السؤال المطروح في السورة الماضية: “فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ“, وهو:
“كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)”

فالإنسان يطغى عندما يظن أنه كفرد أو جنس استغنى –بعلمه بالدرجة الأولى- عن خالقه, الذي خلق السماوات والأرض والذي علمّه, فيظن أنه أوتيه على علم عنده! علم لدني من لدن نفسه! فلم يعد لا هو ولا الكون –من وجهة نظره- في حاجة إلى الخالق, ويستطيع أن يسير نفسه بنفسه. والعجيب أنه لا ينسى أنه لا يستطيع الاستغناء عن المخلوق! ويدعي الاستغناء عن الخالق.

“إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى[4] (8)”
فإلى الله عزوجل الردة والانتكاسة الكبرى, التي ينزلها بكل إنسان في الدنيا متى شاء, فيرجع إلى منزلة أدنى من الحيوان, فلا ينفعه علمه, وفي الآخرة بصلوه النار, جزاء إعراضه عن الدين وظن الاستغناء عن الخالق.

وبعد أن تكلمت السورة عن المعرض عن الكتاب وعن الدين, تتكلم عن ذلك المعاند المحارب للدين وللمؤمنين, فتقول:
“أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى[5] (10)”

أرأيت ذلك الذي ينهى أي مؤمن من المؤمنين عن قراءة القرآن إذا دخل في الصلاة, فلا يريد أن يسمع القرآن, كما
ينهى عن السجود لله عزوجل, فما أعجب حاله وفعله فإنه طاغ مستغن.

“أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)”
فسواء كان على الهدى بأن سمع القرآن وآمن به –وهذا فعل قلبي- أو كان من الآمرين بالتقوى –وهو فعل لساني- أو حتى كذب بالقرآن وأعرض عنه, ألم يعلم في كلتا الحالتين أن الله يرى؟! أم أنه يظن أن الله غافل عما يفعل فلا يرى ما يحدث في خلقه, لذا يطغى ويتجبر؟!

[1] الأمر أمر وجوب, ولقد فصلنا على موقعنا الشخصي وقلنا أن القراءة واجبة على كل إنسان مسلم, استنادا إلى هذه الآية, فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى الموضوع.

[2] ركز السادة المفسرون قاطبة عند تناولهم لهذه الكلمة على الجانب المادي منها, وهي العلقة التي تكون في الرحم, ونسوا أن هذه الآية هي مثل قوله تعالى: “خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء : 37]“, والتي قالوا فيها أن المراد منها العجلة, وليس مادة الخلق!

ونحن نقول أنها الاثنان, وبهذا نقول أيضا هنا, فالإنسان مخلوق من علق, وهو طيلة عمره قائم بالعلق –العلاقات-, واختيار هذا الكلمة تحديدا ليس من أجل مناسبة رؤوس الآيات, وإنما لإشارة جلية.

[3] في الآية إشارة إلى تدوين العلم الذي يحصل للإنسان بفضل وفتح الرب الأكرم, حتى لا يضيع, فإذا فتح الله عليك من أبواب علمه وكرمه, فكن أنت أيضا كريما وبلغ غيرك ولا تبخل بعلمك, وأفضل حافظ له هو القلم.

[4] عامة المفسرين على أن الرُجعى مصدر مثل أي مصدر! فهو بنفس معنى مرجع ورجوع! وقالوا أن المراد منها رجوع أو مرجع الإنسان! –والرجوع غير المرجع, ووضعهما كلاهما كمقابل للرجعى يضع علامة استفهام كبيرة حول دقة المفسرين في التفسير!-وبداهة فإن قولهم هذا غير صحيح, ف “فُعلى” ليست بمعنى “مفعل” ولا “فعول”, ف رجعى على وزن فُعلى, وهو يأتي صفة لمؤنث مثل: حسنى, يسرى, عسرى, كبرى, صغرى, عظمى, عليا, أولى, أخرى, دنيا, قصوى. ولقد اجتهدنا في تحديد المراد بالرجعى,

واعتمدنا في تحديد المدلول على السياق وعلى السورة السابقة, التي قال المولى فيها: “ثم رددناه أسفل سافلين”, فكما تحدث هناك عن الخلق في أحسن تقويم ثم الرد أسفل سافلين, فكذلك تحدث هنا عن الخلق من علق, ثم الرجعى. ونكرر هذا اجتهاد لا نقطع به, وندعو الأخوة إلى النظر في الكلمة.

[5] للسادة المفسرين في تفسير! هاتين الآيتين أقوالا عجبا, فبينهم ما يشبه الإجماع على أن الآية نزلت في أبي جهل, الذي كان يتوعد النبي! وهكذا جعلوا “عبدا” النكرة هو النبي الكريم! وأعجب ثم أعجب, فمرة يجعلون الأتقى هو أبابكر وليس النبي, ومرة يجعلون “عبدا” نكرة هو النبي الأعظم, على الرغم من أنه إما “عبدالله” أو “عبده”, أما أن يكون عبدا هكذا, فهذا ما لا يُقبل!

أضف إلى ذلك أن الآية لم تقل أن ذلك الشخص كان ينهى عن الصلاة, فتأمل! وإنما كان ينهى عبدا عن شيء إذا صلى, ويظهر لنا من خلال سياق السورة وتكرار الأمر بالقراءة أنه كان ينهى عن قراءة القرآن والسجود.

“كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ[1] بِالنَّاصِيَةِ[2] (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)”
فإن لم ينته هذا الإنسان عن طغيانه وعن ظنه أنه استغنى عن خالقه, وعن النهي عن قراءة القرآن والسماع إليه, فلنأخذن بالناصية ولنجرنه بها هو وكل متكبر طاغ, تلك الناصية الكاذبة في توجهها المرفوعة كبرا, الرافضة السجود لله عزوجل, الخاطئة في أفعالها, المغترة بعلمها, الظانة استغناءها بنفسها وبالبشر أمثالها.

“فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ[3] (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ[4] (18)”
فليدع ذلك المغتر بعلمه أولئك الذين يجتمع بهم ويجالسهم ويحسبهم مصدر عزه وقوته, فسندع نحن ملائكة تدفعه وتصده هو ومن معه عن ما يريدون.

ثم تختم السورة بنهي الرسول والمؤمنين عن طاعته, وتأمر بالسجودوالاقتراب:
“كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)”
وذلك كما جاء في قوله تعالى: “فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)”
فلا تطع ذلك المغرور المتكبر الطاغي, واقرأ القرآن واسجد لله عزوجل واقترب منه تزداد فتحا وعلما.
وكما نرى فقد بدأت السورة بالأمر بالقراءة, وختمت بالأمر بالسجود والاقتراب, فكأن قراءة القرآن هي باب القرب إلى علام الغيوب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

[1] السين والفاء والعين أصلان: أحدهما لونٌ من الألوان، والآخر تناوُل شيءٍ باليد. (…) وفي كتاب الخليل: كان عُبيد الله بن الحسن قاضي البصرة مولعاً بأن يقول: “اسفَعا بيده فأقيماهُ”، أي خُذا بيده.

[2] الناصية هي مقدم الرأس وأعلاه, وهي محل التوجيه والتحكم في الدواب: “إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود : 56]”, ولأصحاب الإعجاز العلمي في القرآن كلام حول هذه الكلمة فليراجع.

[3] جاء في المقاييس: “النون والدال والحرف المعتل يدلُّ على تجمُّع، وقد يدلُّ على بللٍ في الشَّيء. فالأوّل النَّادي والنّدِيّ: المجلس يَنْدُو القومُ حوالَيْه؛ وإذا تفرَّقوا فليس بَندِيّ. ومنه دار النَّدْوةِ بمكّة، لأنَّهم كانوا يَنْدُون فيها، أي يجتمعونَ” اهـ

[4]الزبن أصل يدل على الدفع, و جاء في اللسان-: زَبَنَتِ الناقة إذا ضربت بثَفِناتِ رجليها عند الحلب، فالزَّبْنُ بالثَّفِنات، والركض بالرجْل، والخَبْط باليد. ابن سيده وغيره: الزَّبْنُ دفع الشيء عن الشيء كالناقة تَزْبِنُ ولدها عن ضرعها برجلها وتَزْبِنُ الحالب. وزَبَن الشيءَ يَزْبِنُه زَبْناً وزَبَنَ به وزَبَنَت الناقة بثَفناتِها عند الحلب: دَفَعَتْ بها. وزَبَنَتْ ولدها: دفعته عن ضرعها برجلها. وناقة زبُون: دَفُوع، وزُبُنَّتاها رجلاها لأَنها تَزْبِنُ بهم” اهـ

إذا فالأصل يدور في الدفع, فما علاقة هذا بالملائكة؟ لذا اختلف المفسرون في المراد عند تناولهم لهذه الآية, ويظهر الإمام الفخر الرازي هذا الاختلاف والحيرة, فيقول:
“المسألة الثانية: قال أبو عبيدة والمبرد: واحد الزبانية زبنية وأصله من زبنية إذا دفعته وهو متمرد من إنس أو جن، ومثله في المعنى والتقدير عفرية يقال: فلان زبنية عفرية، وقال الأخفش: قال بعضهم واحده الزباني، وقال آخرون: الزابن،
وقال آخرون: هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في لغة العرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب، ولا شك أنهم مخصوصون بقوة شديدة. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤسهم في السماء، وقال قتادة: الزبانية هم الشرط في كلام العرب, وهم الملائكة الغلاظ الشداد، وملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أي يدفعونهم في جهنم.” اهـ والله أعلم بمراده من الكلمة, فلا نجزم بالمعنى.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.