مثلث الخرافة II نزول المسيح

الضلع الثاني: نزول المسيح

لا يمكن في الواقع فصل هذا الضلع عن سابقه، فهما متداخلان أشد التداخل، فعيسى عند أهل السنة هو من سيقتل الدجال! ومن أجل هذه المهمة العزيزة الخطيرة والتي ستحدث بأن يبدأ الدجال بالذوبان بمجرد أن يرى عيسى، ولكن عيسى يقتله بالحربة قبل أن يذوب تماما، ولست أدري لم يقتله بالحربة ولا يتركه يذوب؟! المهم لأجل هذه المهمة الغالية أبقى الله عزوجل المسيح حيا إلى وقت نزوله في آخر الزمان!

ولكن مهلا عزيزي القارئ من قال أن عيسى بن مريم لا يزال حيا حتى الآن؟ إن القرآن يؤكد ويشدد أن عيسى مات وخلا كما خلت من قبله الرسل، والسنة لم يأتي فيها حديث واحد أن عيسى لم يمت وأنه رفع إلى السماء، نعم هناك أحاديث تقول أنه سينزل ولكن لا توجد أحاديث تقول أنه في السماء، كل ما قيل أنه سينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ولكن لا يوجد حديث واحد أنه رفع إلى السماء! هناك أقوال رويت عن مسلمة أهل الكتاب وعن بعض الصحابة ولكنها مأخوذة من أهل الكتاب. لذا سيكون تركيزنا هنا على إثبات موت عيسى بن مريم من الكتاب والسنة، ثم نناقش بعد ذلك مسألة النزول المزعومة هذه:

إذا نحن نظرنا في القرآن وجدنا أنه أكثر من الحديث عن وفاة عيسى بن مريم، ولولا وجود أحاديث النزول هذه لما تجرأ أحد من العلماء على تأويل كلمة واحدة منها، ولو أولها أحدهم لاتهم بموالاة النصرانية وتصحيح عقائدها، ولكن لما كانت هناك روايات تؤيد عقائد النصارى قُبل التوجه وأولت الآيات وأصبح من يأخذ الآيات بظاهرها –كما يجب مع كل القرآن– لا يفقه شيئا في اللغة ومكابر ومعاند إلخ الأوصاف. وقبل أن نبدأ عرض الأدلة على وفاة المسيح نعرض معنى كلمة وفاةفي اللغة، والكلمة واضحة المعنى ولكن السادة العلماء أنزلوا معاول التأويل على الكلمة حتى تخرج عن معناها وتحتمل أي معنى آخر.

تعريف الوفاة

جاء في المقاييس لابن فارس: الواو والفاء والحرف المعتلّ: كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمام. منه الوَفاء: إتمام العَهْد وإكمال الشَّرط. ووَفَى أوْفَى، فهو وفِيٌّ. ويقولون: أوْفَيْتُكَ الشَّيءَ، إذا قَضَيْتَه إيّاهُ وافياً. وتوفَّيْتُ الشَّيءَ واستَوْفَيْته؛ [إذا أخذتَه كُلّه] حتَّى لم تتركْ منه شيئاً. ومنه يقال للميِّت: تَوفَّاه الله.اهـ.

وجاء في اللسان: … والوَفاةُ: المَنِيَّةُ. والوفاةُ: الموت. وتُوُفِّيَ فلان وتَوَفَّاه الله إذا قَبَضَ نَفْسَه، وفي الصحاح: إذا قَبَضَ رُوحَه، وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ اسْتِيفاء مُدَّتِه التي وُفِيتْ له وعَدَد أَيامِه وشُهوره وأَعْوامه في الدنيا. وتَوَفَّيْتُ المالَ منه واسْتوْفَيته إذا أَخذته كله.اهـ.

وكلمة الوفاةﺇذا كانت من باب التفعل أي الفاعل هو الله والمفعول به هو من ذوي الأرواح ولا يوجد قرينة تصرف معناها فليس معناها سوى الموت لأنه هكذا اكتمل عمر الإنسان وتم فيتوفاه الله فيموت!. وهذا هو المعنى المتفق عليه في كل المعاجم.
جاء في القاموس المحيط: توفاه الله:قبض روحه. وجاء في تاج العروس: توفاه الله:أماته الله. وفي المنجد: توفي فلانا: قبضت روحه ومات. والمعنى أكثر من واضح لا يحتاج إلى استدلال ولكنها مجادلة العلماء!!

ولتوضيح مسألة القرينة التي تحدد المعنى العام نورد الأمثلة التالية: توفني مسلماﱟ: أمتني مسلما. يتوفاكم بالليل: الليل هي القرينة التي صرفت المعنى العام للوفاة. (ونلاحظ أن الله يتوفانا بالليل وليس في الليل!)

وفيت نذري: أديت ما علي من واجبات.

من ذلك يتضح لنا أن الوفاةﺇذا لم تصحب بقرينة كالليل أو المنام فمعناها الموت حتما ولقد حدد الله الوفاة بالموت في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها: ﺇذا جاء أحدهم الموت توفته رسلناأي أن الإنسان ﺇذا مات فان قبض روحه يتم عن طريق الملائكة الموكل ﺇليهم هذه المهمة. وبعد هذا العرض لإثبات ما هو معلوم، نقدم إليك عزيزي القارئ الأدلة القرآنية الجلية على وفاة عيسى بن مريم وفاة طبيعية حين أتاه أجله:

الأدلة القرآنية على وفاة عيسى عليه السلام

(إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥) [سورة آل عمران,٥٥]

هذه الآية نص صريح على وفاة عيسى قبل رفعه. ولكن العلماء اختلفوا من أجل الروايات في فهم الوفاة! فمنهم من قال أن الوفاة ليس المقصود بها الموت، على خلاف كل المواضع الواردة في القرآن، ومنهم من قال أن في الآية تقديم وتأخير، أي أنه والعياذ بالله كان من المفترض أن تكون إني رافعك إليك ومتوفيك!، وهذان القولان لا يحتاجان إلى كثير مناقشة ورد، فالآية أكثر من واضحة في المسألة.

(وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨) [سورة النساء,١٥٧١٥٨].

والدليل في هذه الآية قوله تعالى: بل رفعه الله إليه، وبغض النظر عن الاختلاف في معنى الرفع، هل هو رفع مكانة أم رفع للجسد بعد الموت، الآية تذكر الرفع وآية آل عمران قالت أنه سيتوفى ثم يرفع، فإذا قيل هنا أنه رفعفيعني هذا أنه حدث بعد التوفي وليس بدونه!

(وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧) [سورة المائدة,١١٦١١٧].

فهذه الآية نص صريح على أن عيسى توفي في زمانه الطبيعي وليس في آخر الزمان، ومن يجادل ويقول أن المعني هنا هو وفاة آخر الزمان فسيكون معنى كلامه أن عيسى رفع إلى السماء حيا –مخالفا آية 55 في آل عمران– وظل حيا بدون أن يعلم ما أحدثه أتباعه على الأرض، وكان كل همه الصلاة والزكاة في السماء! حتى يأتي الميعاد الذي ينزل عنده ليذوّب الدجال! قد يقول القارئ: وما علاقة الزكاة بمكثه في السماء؟ نقول: عيسى عليه السلام يخبر عن نفسه: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١) [سورة مريم,٣١].

فهل سيقول القائل: أن الله أوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيا على الأرض فقط؟ وسيقولون، ولكن لا دليل لهم! ثم إن النبي(ص) استعمل هذه الآية في الاستدلال على ما نقول به، وذلك ما جاء عند البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … ألا وإنه يجاء (يوم الحشر) برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال فأقول يارب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلماتوفيتني كنت أنت الرقيب عليهمفيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فالرسول استدل بالآية على مخالفة أفعال الأقوام بعد وفاة نبيهم وليس على وفاة في آخر الزمان. ثم إنه سيكون من التناقض البين أن يكون المقصود من الوفاة هو وفاة آخر الزمان، فالله يسأله عن فعله في زمن بعثته وليس عما فعل في نزوله المزعوم، حيث أنه سيأتي من أجل القتل فقط وليس من أجل شيء آخر –وهذه هي أحلام اليهود-، فهل سيرد عيسى بحديث عن وفاته في آخر الزمان؟ إن الآية تتحدث عن موقف عيسى يوم القيامة ممن ابتدعوا التثليث، فهو سيتبرا منهم ويعلن أنه لا علم له بهذه البدع ويعلن أنه أدى رسالته حتى أماته الله ولا علم له بما بعد ذلك فالعلم لله وحده. كما أنه من المفترض أن عيسى نزل من أجل أن يكسر الصليب وينهي المسيحية! ويفترض أن هذا سيحدث فعلا! فهل يسأله الله تعالى عن ماذا فعل قومه في آخر الزمان بعد أن ماتوا جميعا أو دخلوا في الإسلام، أم أنه يسأله عن فعل قومه بعد وفاته في زمانه؟ فنخرج من هذا كله أن المقصود من الوفاة هو الوفاة الطبيعية في زمن المسيح وليس وفاة آخر الزمان. أما من يقول أن المقصود من الوفاة هو التوفي، فعلى الرغم من مخالفته لآية آل عمران ولآيات أخرى من القرآن، فسنجد أنه لا دليل معه على ما يقول إلا دفاعه عن عقيدة النصارى في أن المسيح حي لم يمت وأنه في السماء!.

كانت هذه هي الأدلة على وفاة المسيح خاصة وإليكم الأدلة على وفاة الأنبياء عامة:
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤) [سورة آل عمران,١٤٤]، والخلو كما جاء في المقاييس: الخاء واللام والحرف المعتل أصلٌ واحد يدلُّ على تعرِّي الشَّيء من الشيء. يقال هو خِلْوٌ من كذا، إذا كان عِرْواً منه. وخَلَتِ الدار وغيرُها تخلُو. والخَلِيّ الخالي من الغَمّ. وامرأةٌ خَلِيَّة: كنايةٌ عن الطَّلاق، لأنّها إذا طُلّقت فقد خَلَتْ عن بعلها. ويقال خلا لِيَ الشّيءُ وأخلى. قال: مِن الموتِ أم أخْلَى لنا الموتُ وَحْدَنا والخَلِيّة: الناقة تُعطَف على غير ولدِها، لأنّها كأنّها خَلَتْ من ولدها الأول. والقرون الخالية: الموَاضِي. والمكان الخَلاء: الذي لا شيءَ به.اهـ

وهناك من يقول أن: خلا الرجل بمعنى مات. ولكن ليس هذا هو المعنى المخصوص من الخلو، وإنما المقصود هو الانخلاع من الشيء، فالرسل قبل الرسول أدوا مهمتهم ثم انخلعوا من الدنيا ومن الرسالة وتعروا عنها وانتقلوا إلى معية الله عزوجل، ولم يبق أي أحد منهم ولا أي مهمة لهم، فهم أدوا ما عليهم، ولو كان عيسى حيا أو حتى له مهمة لم يؤدها بعد وسيبعث من أجلها!، لما كان خلا ولأصبحت الآية غير مطابقة للواقع. فالآية أكبر دليل على موت الرسل كلهم ميتة طبيعية، ولو كان هناك استثناء لقيل: ولم لا يرفع كما رفع عيسى وإدريس؟! ويؤيد هذا الفهم قول الله عزوجل: (وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤) [سورة الأنبياء,٣٤]، فلو كان عيسى حيا لكان مخلدا!

سيقول المعترضون: عيسى سيموت في آخر الزمان وبذلك يكون لم يخلد! نعود فنقول: وما الدليل على أنه لا يزال حيا، الإمام بن حزم رحمه الله انتبه إلى أنه لا يوجد حديث يقول أنه لا يزال حيا وأن القرآن يقول أنه مات، فقال بذلك ولكن الله سيبعثه قبل يوم القيامة. والرسول نفسه قال أن عيسى قد مات، فيروي لنا الإمام الواحدي في أسباب النزول عن سبب نزول سورة آل عمران فيذكر حديثا طويلا فيه حوار الرسول المصطفى لوفد نصارى نجران ورده استدلالاتهم على ألوهية المسيح وفي هذا الحوار يقول الرسول(ص): قالا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى،اهـ.

ومن يتدبر في كتاب الله يعلم أنه لا يمكن أن يكون في هذه الآية بالذات أي استثناء من أي نوع، فالآية والآيات السابقة لها تتحدث عن ثبات سنن الله في خلقه، فهي تتحدث عن السماء وثبوتها وحفظها وأن الناس معرضين عن ذلك وتتحدث عن الليل والنهار والشمس والقمر وأنه لكل منهم مساره الذي يحيد عنه قدر أنملة، ثم تواصل الآيات الحديث عن عدم وجود الإستثناءات في خلق الله فتقول: (وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤) [سورة الأنبياء,٣٤]، فلا يطمع أحد في الخلود، ولو كان عيسى حيا لطمع الناس أن يرفعوا إلى السماء ويخلدون ولو حتى لألف سنة!

ولقد أكد الرسول المصطفى معنى الخلد وهو الاستمرارية والبقاء في حديث له ذُكر في كتاب ﺇحياء علوم الدين للأمام الغزالي ورواه المفيد الشيعي في أماليه واللفظ للمفيد: عن عبد الله ابن عباس قال: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه فقالوا: يا رسول الله هذه الأنصار في المسجد تبكي ورجالها ونسائها عليك فقال: وما يبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت، فقال: اعطوني أيديكم، فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما تنكرون من موت نبيكم ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم؟! لو خلد أحد قبلي ثم بعثه الله لخلدت فيكم، ألا إني لاحق بربي، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله تعالى بين أظهركم تقرؤنه صباحا ومساء فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي، وأنا أوصيكم بهذا الحي من الأنصار([1]) فقد عرفتم بلاهم عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار ويشاطروا الثمار ويؤثروا وبهم خصاصة فمن ولي منكم يضر فيه أحد وينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم. وكان آخر مجلس جلسة حتى لقي الله عز وجل.

قد يقول قائل: سلمنا بأن عيسى عليه السلام قد مات، فما الذي يمنع أن يكون رأي بن حزم صحيحا وأنه سيبعث قبل يوم القيامة؟ نقول: الموانع المستخرجة من أصول الشريعة كثيرة ولكن نذكر أولا قول ربنا ثم من السنة ثم نذكر الموانع العقلية على البعث والإنزال: أولا هناك من يستدل بآيات عامة على أن من مات لا يعود إلى الدنيا أبدا ويستدلون بمثل قول الله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٥٦) [سورة الدخان,٥٦]، وقوله: (أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١) [سورة يس,٣١]، وقوله: (وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥) [سورة الأنبياء,٩٥]، وقوله: (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠) [سورة المؤمنون,٩٩١٠٠].

ولكن الناظر يجد أنها كلها أدلة عامة استثنى القرآن منها بعض الحالات، مثلما ذكر بعث قوم بني إسرائيل وبعث الذي مر على قرية وبعث الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، فلا يوجد ما يمنع عقلا أن يبعث عيسى مرة أخرى، ولكن كيف يتدخل العقل والنص حاكم عليه، فالنص القرآني يوضح أنه لا استثناءات مع عيسى بن مريم حيث يقول: (وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣) [سورة مريم,٣٣]، كما قال عن يحيي بن زكريا عليهما الصلاة والسلام: (وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥) [سورة مريم,١٥] -وفي هذا دليل على كذب من قال أن يحيي عليه السلام قُتل من أجل عاهرة وإنما مات في سلام من الرحمن-، فلو كان هناك فرق بين النبيين لما قارن الله بينهما.

كما أن آية المائدة تنفي أن يكون عيسى على أي علم بما أحدثه قومه من بعده، فلو كان بُعث مرة أخرى قبل يوم القيامة لما قال: وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، لأنه يفترض أن عيسى بُعث خصيصا من أجل أن يقتل الدجال! ورأى ما أحدثه قومه، بل ويفترض أنه أتى من أجل أن يضع الجزية ولكي لا يقبل إلى الإسلام، فكيف تنتفي رقابته عليهم في البعثة الثانية وهناك وصاية وليست رقابة فقط. –هذا إذا غضضنا الطرف عن التناقض الوارد في المسألة بين أحاديث البخاري ومسلم، فعند البخاري سيقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، أما عند الإمام مسلم فهو فقط يقتل الدجال ثم يحصر بواسطة يأجوج ومأجوج ولا يذكر بعد ذلك شيء مما ذكره البخاري– كما أن الله عزوجل أجمل سيرة عيسى ونبوته وأتباعه إلى يوم القيامة في آية آل عمران فقال: (إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥) [سورة آل عمران,٥٥]، فالله يخبر سيدنا عيسى أنه سيتوفاه وسيطهره ويجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم مرجع الكل والجميع إلى الله فيحكم بينهم يوم القيامة في مواطن الخلاف، ولو كان هناك أي دور له لذكره المولى عزوجل في موطن إخباره بأحوال قومه من بعده. ولكن لما لم يكن له أي دور لم يذكره الله عزوجل. فهذه الآية تقطع لسان كل من يزعم أنه سيبعث قبل يوم القيامة، ويدعي أن الله لم يخبر عما سيحدث قبل يوم القيامة بالنسبة لعيسى، فها هو الله أخبره، فماذا تقولون؟ إن السادة الذين يقولون أنه سيبعث لا يقرأون القرآن أو يفسرونه إلا ليوصلوه حيثما توجهت رواياتهم لا حيثما يحل القرآن!

وبخلاف ذلك فالله أجمل فضله عليه في آية المائدة فقال: (إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡ‍َٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠) [سورة المائدة,١١٠]، فلم لم يذكر له أنه رفعه إلى السماء وأبقاه حيا وأنزله في آخر الزمان، أو أنه أماته ثم بعثه بخلاف باقي خلق الله، فمن منا لا يحلم أن يحيي مرتين ويأتيه الموت مرتين؟! كل هذه أدلة تنفي أن يكون عيسى مات ثم بعث، وهذه مسألة عقيدية لا ينفع فيها الظن بل لا بد من اليقين، فأين هو اليقين في أقوال ما أنزل الله بها من سلطان ولا جاءت في أقوال الرسول(ص)؟ أما الأدلة من السنة على وفاة عيسى فلم ترد مباشرة أحاديث تقول أن عيسى لن يعود إلى الدنيا مرة أخرى ولكن وردت القاعدة العامة، ومن ذلك ما رواه الترمذي:قال: يا عبدي تمنى علي أعطيك قال يا رب أن تحييني فأقتل فيك ثانية قال الله: ﺇنه سبق مني القول ﺇنهم ﺇليها لا يرجعون، فمن مات لا يرجع إلى الأرض مرة أخرى!

تناقض نزول عيسى مع أصول الدين

أما الأدلة الكثيرات على أن بعث عيسى وإرساله مرة أخرى مناقض لأصول الدين، والتي سنذكر بعضها فقط، فمنها:

1- لو قلنا أن الله سبيعث عيسى مرة أخرى ليؤيد هذا الدين، فما الفائدة؟ سيقول السادة المتحمسون: حتى يظهر للنصارى أنهم كانوا على باطل. ونقول لهم: ولكن النصارى لن يقتنعوا أن هذا عيسى، وسيقولون: إن هذا دجال من المسلمين يدعي أنه عيسى، فكيف نقيم الحجة عليهم؟ ثم كيف نعرف أن هذا الشخص هو عيسى بن مريم؟ فقد يدعي أي شخص أنه عيسى ويرتدي الثياب الموصوفة في الحديث وينزل فوق المنارة البيضاء شرقي دمشق، فما الدليل على أنه عيسى؟ هل سيقوم بعمل المعجزات حتى نصدق أنه عيسى؟ إذا تكون البشرية قد ارتدت وانتكست على أدبارها، فلقد رفض الله أن يعطي جماعة من البدو معجزات حسية منذ قرابة ألف وخمسمائة عام وطالبهم بالإيمان بالعقل، فهل نعود هذه الأيام للإيمان عن طريق المعجزات الحسية؟

2- الشرائع القرآنية شرائع ثابتة ومستمرة، والله أعطى الناس الحرية ليؤمنوا فقال: (وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ ٢٩) [سورة الكهف,٢٩]، وقال: (لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ ٦) [سورة الـكافرون,٦] والحساب يوم الحساب، فما الذي طرأ حتى ينزل المسيح فيصادر حرية الناس في العبادة ويحملهم على دين معين ويحطم مقدساتهم؟ و ما ذنب الخنزير حتى يقتل؟ فليس معنى أن لحم الخنزير محرم أنه يقتل.

3- قال الله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧) [سورة محمّـد,٧] فالله ينصر من ينصره ويخذل من خذله، فما المبرر لنصرة الأمة في هذه الضائقة بالذات، فلقد مرت بالأمة المصائب والكوارث نتيجة لإعراضها عن شرع ربها؟ والأمة في هذه الحالة تستحق ما حل بها لأنها تركت أقوى أسلحتها، وبحثت لنفسها عن أسلحة أخرى، والروايات كما رأينا تصور الأمة في حالة بالغة من السوء ثم ينزل المخلص من السماء فينصر الأمة، فلم تنصر الأمة ما دامت تركت طريق ربها؟ فالأولى أن تترك حتى تفيء إلى نفسها وتعود إلى طريق ربها.

4- القول ببعثة ونزول المسيح يعني أن شرائع الإسلام غير صالحة أو كافية، فلو كانت كافية لتسيير الأمة في كل وقت، فلم الحاجة إلى منقذ خارجي، ألا يكفي كل المسلمين ولم لا يبعث الرسول نفسه؟ أو أن يهيأ الله لهم من ينقذهم ويهديهم من الأمة، لم الحاجة إلى منقذ سوبرمن خارج الأمة؟

5- كيف سينزل المسيح عليه السلام؟ هل سينزل نبيا أم سينزل منزوع اللقب أي أنه سينزل وهو ليس بنبي؟ إذا قال السادة العلماء أنه سينزل نبي فهذا يناقض قوله تعالى: ( وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ ٤٠) [سورة الأحزاب,٤٠]، و إذا كان غير نبي فما سمعنا أن نبي ينزع منه اللقب. طبعا السادة العلماء الأفاضل لا يكلون ولا يملون وسيقولون: هو سينزل نبيا تابعا فلن يأتي بشرع جديد بل سيطبق الشريعة المحمدية، فهذا لا تعارض بينه وبين قوله تعالى وخاتم النبيين. سنقول لهم: إذا قلتم بذلك فلم كفرتم الجماعة الأحمدية القاديانية؟ الفارق الرئيس بيننا وبينهم هو هذه الآية، فنحن نقول أن خاتم بمعنى الزينة والأخير، وهم يقولون أن لفظة خاتمإذا جاءت مضافة إلى جمع العقلاء فهي تعني الزينة فقط. إذا على قولهم فالرسول هو زينة الأنبياء وأفضلهم ولكن لا مانع من مجيء نبي آخر تابع للنبي(ص)، بمعنى أنه لا يأتي بشرع جديد بل يأتي بتوضيح ما أبهم وأشكل في القرآن والسنة ويكون قوله هو القول الفصل([2]).

6- هذا التصور لنزول المسيح وهزيمة الدجال مخالف لسنن الله في كونه، فلم و لن تكون هناك جنة على الأرض، فطالما أن هناك غل في القلوب سيكون هناك خير وشر في الدنيا، أما في الآخرة: (وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧) [سورة الحجر,٤٧]، أما أن نعتقد أن البشرية سيتدهور حالها ثم ينزل المسيح ويقابل المهدي المنتظر، فيغيران حال البشرية في أيام معدودات، فهذا ما لا يقبله عقل وما لا يكون إلا في الأفلام الأمريكية! فالرسول الأعظم ظل سنوات طوال لكي يغير الناس، والله يقول: ( إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١) [سورة الرّعد,١١]، فكيف سيغير المسيح حال هؤلاء الناس في أيام معدودات، فيصبح حالهم بهذه المثالية؟ الملاحظ أنه لا المسيح ولا المهدي سيغير الناس وإنما سيأتون ليقاتلوا ويقتلوا، -وهذا هو التصور اليهودي لمسيحهم المقاتل- وفي هذا هما مثل أي إثنين آخرين، فكيف سيتغير الناس هكذا فجأة لمجرد رؤية رجلين؟ الروايات لا تذكر أنهما سيعلما أو يوعظا الناس وإنما تركز على القتال! والمدينة المنورة كان بها الرسول وكان فيها الكثير من المنافقين، أما في زمن المسيح فسينصلح كل الناس، وهذا يعني أن عيسى سيفعل ما لم يفعله أحد من البشر ولا حتى نبينا الكريم، وهذا ما لن يحدث أبدا!

7- الحديث عن الأحداث التي ستقع مع نزول المسيح وظهور المهدي تدور بطريقة بدائية حيث أن القتال يدور بالخيل والسيوف وليس هناك أي إشارة إلى وجود أسلحة غير مألوفة، والمصدقون بهذه الأحاديث يقولون: قد تحدث كارثة تؤدي إلى تخلف الأرض مرة أخرى، ويعود الناس للقتال بالسيوف والرماح. ولكن إذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه يقول أن حال الأرض في آخر الزمان الذي يسبق الساعة والتي يفترض أن ينزل فيها المسيح والمهدي سيكون قد بلغ تطورا عظيما لا أن الأرض ستنتكس وتعود إلى التخلف، فالله تعالى يقول: (إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤) [سورة يونس,٢٤] فالآية تقول بكل صراحة أن الساعة ستقوم عندما يظن الناس أنهم أصبحوا أرباب الأرض، والمسيطرين عليها والمتحكمين فيها، وهنا فقط يأتي أمر ربك، فكيف يجتمع التخلف كما في الروايات والتقدم الهائل كما في النص القرآني؟

8- الاعتقاد بوجود علامات كبرى للساعة ينافي المجيء المباغت للساعة، فالله تعالى يقول لا تأتيكم إلا بغتة، ولو سألت أي مسلم من المؤمنين بعودة المسيح: هل يمكن أن تقوم الساعة غدا؟ سيقول لك: لا يمكن، لأن المسيح لم ينزل بعد، فهو في طمأنينة من قيام الساعة، على الرغم من أن الله يقول أنها ستأتي بغتة، ولكنه مطمأن أنها لن تأتي إلا بعد أشراط معينة، فما الدليل على أنه ليس من المخاطبين ب لا تأتيكم إلا بغتة!!!؟.

9- القول ببعثة عيسى بعد موته أو أنه في السماء، والأحاديث الواردة في أفعاله العظيمات في آخر الزمان مدخل للقول بتميزه عن غيره من الأنبياء، وهذا ما لا أثر له في القرآن، فالقرآن يركز على بشرية عيسى وعدم اختلافه عن غيره من الأنبياء ليرد على دعاوى النصارى، ولكن أهل الروايات أخذوا الروايات وقبلوها وصدقوا خرافات النصارى، ومن هذا المدخل دخل النصارى، فقالوا إن المسلمين مقرون بحياة عيسى ولكنهم يجادلون في ألوهيته!. وأعتقد أن فيما ذكرنا الغنى والكفاية لمن يرد الهداية، أما من يبحث عن الجدال فليس لنا معه مجال، فهو يطلب منا المحال، وننتقل بك عزيزي القارئ إلى الضلع الأخير من أضلاع المثلث الخرافي وهو المهدي اللامنتظر.


([1]) تعمدت ذكر باقي الحديث للإشارة إلى أن وصية النبي المصطفي بأهل بيته هي من باب وصية الرجل بأهله وأحبابه كما أوصى بالأنصار وليس من باب الوصية الإلهية على لسان الرسول.

([2]) نلاحظ التشابه بين قول الشيعة بالأئمة المعصومين الذين يكون لهم القول الفصل وبين قول الأحمدية أن المسيح والمهدي القادياني وظيفته هي الفصل فقط في الأقوال، -الأحمدية لا يقولون بالنسخ مطلقا-، فهل وصل العقل المسلم إلى هذه الدرجة التي يحتاج فيها دوما إلى وصي؟ أم أن القرآن نفسه بهذا الغموض، غير مبين يحتاج إلى توضيح؟!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.