هاروت وماروت .. عندما ينفي الله ويثبت المفسر!!

ليست المشكلة في تسلل أسطورة يهودية كتفسير لآية في القرآن, فكثيراً ما حدث هذا, ولكن المشكلة هي أنه عندما تأتي آية لتشير إلى اختلاق وافتراء اليهود,
فلا ينتبه المفسرون إلى هذا وتُعتمد أو تُذكر هذه الافتراءات كتفسير محتمل للآية!! التي جاءت لإبطال هذه الافتراءات!!

كتبت كثيراً عن أهمية السياق في فهم النص القرآني –وأي نص-, وقدمت على ذلك نماذج عديدة, واليوم أعود من جديد لأقدم نموذجا “مشكلاً” حيكت حوله الكثير من الخرافات, لأبين به أهمية السياق في الفهم

وهذا النموذج هو آية هاروت وماروت, والتي ارتبطت لدى عامة المسلمين بقصة خرافية مأخوذة من كتب اليهود, والتلمود تحديداً! (وحالياً تُتخذ هذه القصة مطعنا من غير المسلمين في القرآن ويقولون أن مصادر القرآن هي “أساطيرنا”, حيث أن الرواية تكاد تكون منقولة كما هي بالضبط مع تغيير الأسماء فقط, فبدلاً من : شمحازي وعزازيل, أو عزا وعزائيل أصبحا بكل تأكيد: هاروت وماروت)

ونبدأ في تناول هذه الآية من خلال سياقها لنوضح ماذا تقول:
الآية السابقة لآية هاروت وماروت هي قول الرب العظيم: “وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)”

فالله يلوم على فريق من أهل الكتاب نبذهم كتاب الله –التوراة- وراء ظهورهم لما جاءهم الرسول محمد, وأنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان, فاتبعوا ما اختلقه أحبار اليهود زوراً وجعلوه “مقدسا” يتلونه عليهم

وهنا ينفي الله زعمهم كفر سليمان -وسجوده للأصنام ارضاء لزوجته الوثنية- ويقول أنه ليس سليمان هو الذي كفر وإنما الشياطين/ أحبار اليهود هم الذين كفروا يعلمون الناس السحر!!

وحتى الآن لا اختلاف بين أي مفسر أو غيره في فهم الآية, ويبدأ الاختلاف من أول قوله تعالى: وما أنزل على الملكين ببابل (في مرحلة الأسر البابلي عندما أُسر اليهود وأخذوا إلى بابل,

وهذا دليل على أن القصة متأخرة, ورغما عن هذا قبلوا أن تكون الأحداث في عهد سيدنا إدريس قبل سيدنا نوح!!! لأن الرواية الإسرائيلية قالت بهذا), فاختلفوا في: “ما”


فقيل أن ما نافية أي أنه ما أنزل على الملكين السحر, ومن ثم اضطروا للقول بتقديم وتأخير, وهو ما يصادم باقي الآية! وقيل أن “ما” بمعنى الذي أي والذي أنزل على الملكين! وجعلوها معطوفة على السحر أي أن الشياطين يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين! وهنا يثار سؤال: هل يُعقل أن يُنزل على الملكين “طلاسم وسحر”؟! ولماذا ينزل عليهم هذا؟!


وحتى لا أطيل على القارئ أقول:
“ما” فعلا بمعنى الذي ولكنها معطوفة على “ملك سليمان”, أي أن اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان و”على” ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.


وكما استدرك الله على زعمهم كفر سليمان فقال: وما كفر سليمان, استدرك على زعمهم وكذبهم بشأن هاروت وماروت فقال: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة (لاحظ أنهم يقولون أنهم هم فتنة, وليس المحتوى الذي يعلمانه, وبالتأكيد وجود ملكين على هيئة بشرية بين الناس هو اختبار وفتنة كبيرة, ومن لا يتبعهم يكفر)

“وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ -وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ- وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

وكما هو المعتاد من حماقات الناس, عندما توجد “قوة” خارقة فإن الإنسان يميل لاستخدامها في الشر والأذى, وهو ما فعله اليهود فكانوا يتعلمون منهما الحيل والخدع التي يفرقون بها بين المرء وزوجه –وما شابه-, والتفريق بين المرء وزوجه يكون بالمكر والدهاء والدسائس, وهو طبع اليهود وديدنهم, ثم يعود ويؤكد الرب أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم!

ولقد علموا لمن اشتراه –المتلو من الشياطين, الكتب المختلقة المنسوبة إلى الله وترك كتاب الله, وليس: السحر- ما له في الآخرة من خلاق, ويرجح هذا الفهم الآية السابقة التي تتحدث عن كتاب الله المنبوذ وراء الظهور والآية القادمة التي تتحدث عن الإيمان والتقوى

ومن ثم فموضوع السحر هذا ذُكر عرضا هو وكفر سليمان كنماذج لافتراءات اليهود التي يتبعونها ويتركون كتاب الله, وأنهم لو آمنوا –بكتاب الله- واتقوا لمثوبة من عند الله خير, وتأتي الآية بعد التالية وما بعدها سائرة في الحديث عن الكتاب المنزل على المؤمنين وحقد كفرة أهل الكتاب وعن موقف الكتب السماوية من بعضها … الخ.

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105( ما ننسخ

إذا لو انتبه المفسرون للسياق لفهموا الآية كما فهموا آية يوسف: “يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ -يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ- وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف : 46]”,
حيث فهموا جميعا أن: سبع سنبلات وأخر يابسات معطوفة على: سبع بقرات, وأن جملة “يأكلهن سبع عجاف” هي جملة اعتراضية, بالرغم من أن الله لم يقم بتكرار “في”, قبل: سبع سنبلات.
والله سبحانه أعلى وأعلم

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

3 تعليقات

  1. لقد وجدت هذا التفسير في كتابكم:

    إن الله العليم يقول للرسول أن من كان عدواً لجبريل وميكال –من بني إسرائيل- فإن الله عدوٌ له, وأن الله أنزل آيات بيّنات, وأن هناك في اليهود فريق ينبذ العهود دوما, وأن هذا ما حدث لمّا جاءهم الرسول, فلقد نبذوا كتاب الله, الذي يبشر بمحمد ويعرف به, نبذوه وراء ظهورهم, واتبعوا ما تقوّلته أحبارهم –كما فعلوا سابقاً بإتباعهم أقوال شياطينهم على ملك سليمان- والذين نسبوا الكفر إليه, ولم يكفر سليمان, وإنما هم الذين كفروا وأخذوا يعلمون الناس السحر.

    ولم يُنزل على الملكين –جبريل وميكال, الذين يعاديهم اليهود- في بابل “الكتب” المسماة هاروت وماروت, وما كانا يعلمان أحداً حتى يقولا كذا وكذا, ومن ثم فلم يتعلموا منهم أي شيء, وإنما هي افتراءات على الملكين جبريل وميكال, بنسبة هذه الكتب إليهما, وهم لا يضرون أحد بهذه الكتب إلا بإذن الله, ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, -لأن الكتب المختلقة المفتراة على الله لا نفع فيها بل هي ضرٌ خالص- ولقد علموا أن من قبل وأخذ بغير ما أنزل الله ما له في الآخرة من خلاق, فلبئس ما باعوا به أنفسهم, ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.

    الجن واختلاق الأرباب

    بقلم: الشيخ/ عمرو الشاعر

  2. نعم هذا ما قلت مسبقا ثم انتبهت أن جعل هاروت وماروت كتبا لا يستقيم مع الإعراب
    وأن الأدق أنهما نعت/ اسم للملكين فصححت هذا

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لكي يستقيم المعنى :
    نعم هذا ما قلت مسبقا ثم انتبهت أن جعل هاروت وماروت كتبا لا يستقيم مع الإعراب
    وأن الأدق أنهما نعت/ اسم للملكين فصححت هذا
    نعم هما نعت اسم للملكين ولكن من ملوك الدنيا !!!
    كانا صالحين مثل طالوت ولاحظ أسماء الملوك عندهم طالوت وجالوت
    وهنا هاروت وماروت إذا عدلت عن كونهما ملائكة السماء
    سيستقيم المعنى مع سياق المقال كله لانك تقول أنها قصة خرافية وهي كذلك عندي ثم تعود وتأخذ بها !!! عند قولك :
    “وبالتأكيد وجود ملكين على هيئة بشرية بين الناس هو اختبار وفتنة كبيرة, ومن لا يتبعهم يكفر”
    هذا والله أعلم وجزاكم الله خير جهد مشكور وذنب مغفور

اترك رداً على كنان بشناق إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.