حضارات “ظاهرية”!!

سواءً كانت الأمة ذات تاريخ عريق موغل في القدم, مثل الأمة اليمنية والأمة المصرية, ذات “السبعة آلاف سنة حضارة”, أو كانت حديثة التكون لم يمر عليها إلا مئات معدودات من السنين, فإن كل الأمم بلا استثناء تفتخر بتاريخها وبما قدمه الآباء وما تركوه, و”السبوقات” التي سبق الأجداد إليها غيرهم, وربما كذلك فضل الآباء على البشرية.

إلا أن الناظر يجد أن عنصر التفاخر الرئيس لكل الأمم هو “المباني والانتصارات”! فنحن كمصريين مثلاً نفتخر ب “حضارتنا الفرعونية”!

فنفتخر بالأبنية العظيمة التي تركها الآباء والتي لا تزال تبهر البشرية حتى الآن! متناسين أنها فعلاً كانت “فرعونية”! حيث الحاكم الفرد المطلق, ابن الإله, الذي يؤمر فيُطاع! متناسين الآلاف المؤلفة من المصريين الذي أُزهقت أرواحهم في بناء مثل هذه المعابد, والذين كان يمكن استخدامهم كذلك في أمور أخرى تعود بالنفع على الأمة, وليس لتمجيد الحاكم الفرد!

فكان يمكن مثلا استخدامهم في بناء قلاع تحمي الوطن, فمصر ذات حدود طويلة مفتوحة, وهي طيلة عمرها غير مؤمنة, ومن ثم كان يمكن لكل من هب ودب من الأمم المجاورة أن يجتاح مصر, ونظل تحت احتلاله لعقود من الزمان!

وكذلك كان يمكن استخدامهم في بناء سدود أو صوامع أو غيرها من المشروعات النافعة للأمة! ولكن هذا لم يحدث, وسُخرت طاقات الشعوب لتمجيد الحكام! ثم يأتي الأبناء ليفتخروا بهذا! بدلاً من أن يحزنوا على الواقع المرير الذي كان يعيش فيه الأجداد! وبدلاً من أن يتساءلوا: هل كان الأجداد يجدون ما يسدون به قوتهم أم كانوا يعانون نفس معاناة الأبناء!!

وبالإضافة إلى الأبنية فإن “الانتصارات الحربية” أو الفتوحات هي عنصر فخر كبير!
فعند دراستنا للتاريخ المصري القديم في المدرسة كان التركيز على الانتصارات الحربية, -رغما عن أنها كانت في الغالب استرداداً للأرض المنهوبة, وليس استيلاءً وسيطرة على بلدان أخرى. ولا يختلف الحال عند قراءة “التاريخ الإسلامي”, فنجد تعمية على الجوانب الإنسانية والحضارية للمجتمعات, وإبراز وتقديم ل “الفتوحات الإسلامية” والانتصارات الكبيرة التي حققها المسلمون على غير المسلمين,
وتُمزج هذه الانتصارات مع التركيز على العلماء الذين قدموا اختراعات واكتشافات عديدة نفعت البشرية –رغماً عن أنهم كانوا في الغالب مكفّرين أو مزندقين في زمانهم-, لنخرج بصورة أننا كنا أمة ليس كمثلها أمم.

والحق أن “الأمة الإسلامية” في العصور السابقة كانت –في الغالب- أفضل من غيرها من الأمم, إلا أنه كان بها من وجوه العوار والخلل ما بها! ويصدق عليها ما يصدق على غيرها من الأمم في سابق وحالي الزمان أنها أصبحت “أمة ظاهرية”.

فلم تعد “الأمة الإسلامية” “أمة الإنسان”, وإنما أصبحت “أمة البنيان”! فلم تعد “قيمها” مرتبطة بالإنسان وموزونة به –كما فعل الرسول الأعظم وسار على دربه الخلفاء من بعده, الذين عرفوا أن دورهم هو رعاية الإنسان وتزكيته-, وإنما أصبحت تقاس بالظاهر!

وصدق فينا كذلك قول الله تعالى “يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم : 7]”.
والعجيب أن كل أمة تتمسك ب “قيمها” وتفتخر بها, وتدعي أنها مميزة عن غيرها, وكثيراً ما نسمع من الأوروبيين تحديداً حديثهم عن “القيم الغربية” والتمسك بها! رغماً عن أن القيم السائدة –وليس الموجودة في بطون الكتب- هي في نهاية المطاف بالمقام الأكبر “قيم مادية”, فالعبرة بالسائد بين الناس وليس المسطور في الكتب.

فالسائد في كل المجتمعات الاهتمام بالمظهر, والعمل للمظهر, فالإنسان حسن المظهر إنسان جيد, والأمة ذات المباني الشاهقة هي أمة راقية! وتتسابق الأمم لإخراج أفراد “جيدي المظهر”, فأصبح الممثلون سفراء النوايا الحسنة وأصبح الناس يقتلون أنفسهم تدريبا للحصول على جسد ممشوق ويفتخرون به!

ولا حرج في العناية بالجسد فهي مطلوبة, ولكن أن يُبذل كل هذا الجهد من الأفراد والأمم للعناية بالبدن, بينما لا يُبذل معشاره لإصلاح “قلوب ونفوس” الأفراد! ربما لأن هذا ليس مما يمكن قياسه ولا تقديمه في قائمة إنجازات الحزب الحاكم! بينما يعتبر الدين إصلاح إنسان واحد خير من الدنيا وما فيها!

والعجب كل العجب أنه رغما عن “الظاهرية” المسيطرة على كل المجتمعات البشرية –بدرجات متفاوتة- فإننا نجد أصحاب التفسيرات “الباطنية” للنصوص الدينية والتاريخية هم أصحاب الحظوة, والمقدمين في وسائل الإعلام, ربما كنوع من التظاهر بالعمق والفقه, وللزعم بأن المجتمعات ليست ظاهرية سطحية!

وطالما أن ميزان التعامل مع النصوص والإنسان مقلوب ستظل أحوالنا كما هي, فالمفترض أن تكون قراءتنا للناس “قراءة باطنية”, لا نغتر بالمظهر وإنما نزنهم بحقائقهم, كما قال الرسول: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

فهل سيأتي يوم يسود فيه ذلك الميزان الرباني النبوي الإنساني؟! أرجو أن يكون قريبا!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.