لا أحب مصر!

أنا لا أحب مصر
حقيقة وحال أحب أن أصرح وأصرخ بهما, فلا يظلان حبيسا صدري
تلك الدولة المسماة مصر لا أحبها!

قد يسارع البعض إلى مصمصة الشفاه وإظهار التأسف على أولئك الإسلاميين الذين لا يكنون أي ولاء لأوطانهم! وكل ولائهم لمجموعة من الأفكار! وكيف انحدر بهم الحال إلى هذا المستوى فيعلنون عدم حبهم لأمهم الكبيرة … مصر!

ولا يهمني أولئك النفر أصحاب الشعارات, فكل أبناء هذه البلدة لا يحبونها إلا أفراد قلائل -لو وصلوا لألف فرد لكان الأمر فضلا من الله ونعمة- وكثير منهم يكرهونها ويودون الفرار منها ومن بؤسها.. وعامة الشعب لا يعرف أصلاً ماذا يعني: الوطن.. ليحبه!!!

إن الحديث عن “حب الوطن” وجعله من المقدسات التي لا يمكن الاقتراب منها أو التنازل عنها, هو من الشعارات الوهمية للدولة الحديثة –والتي استبدلت بالمقدسات الدينية!! فالإنسان لا يمكن أن يعيش بلا مقدسات!- والتي لا مكان لها على أرض الواقع .. والكل يرددها ويزايد عليها وعلى المخالفين له بها!!

سيرى بعض القارئين أن هذا نوع من المبالغة فأكثر الناس يحبون أوطانهم!
فأقول: من مشكلاتنا الكبرى –وما أكثرها- تسمية الأمور بغير أسماءها! نعم أكثر الناس يحبون عائلاتهم ويريدون الخير للمناطق التي عاشوا وتربوا فيها, قرىً كانت أو مدن أو أحياء, وما عدا ذلك لا تعني له باقي قرى ومدن دولته الكثير, فإذا سمع بضر نزل بها أظهر التأثر ومصمص شفتاه محوقلاً داعيا لهم بالنجاة منه وبالسلامة, ولكن هذا لا يؤثر على نفسيته بشيء!

وبشكل عام ف:
بقدر ابتعاد الحدث عن مسقط رأس الإنسان يقل تأثره به وتعاطفه معه!

قد يقول قائل: إذا فأنت تستبدل حب الوطن الكبير بحب الوطن الصغير: البلدة أو المدينة أو الحي؟!
أقول: لا, هذا كذلك لا يُسمى حباً, فالإنسان لا يحب إلا من أحسن إليه وعاشره بشكل مباشر واحتك به احتكاكاً طويلاً ولم يؤذه!… وكذلك ما يتملكه! والمدينة أو القرية ليست ملك الإنسان وهو لا يرى لها فضلا مباشراً عليه وخاصة في دول العالم العاشر المتخلفة مثل مصر! ومن ثم فإن أقصى ما يكنه المرء من مشاعر تجاه بلدته الصغيرة هي: العشرة والألفة! وهذا ليس حباً!

إن الوطن الكبير ليس مجرد قطعة أرض يسكن فيها الإنسان, وإنما أرض ذات مكون ثقافي تاريخي حضاري, وهذا المكون كان له الدور الرئيس في تكوين شخصية عامة القاطنين فيه, ولذلك فإن شعور الإنسان تجاه بلدته الكبيرة هو: الانتماء, فهو يشعر أنه تابع لهذه المكون التاريخي والجغرافي والوجداني, وهو يظن أن هذا المكون يتميز عن غيره من المكونات الموجودة في البلاد الأخرى, بل وهو أفضل وأصح وأحق منها.

ومن ثم فإنه يعتبر هذه المكونات كيان يسعد بتفوقه على غيره في المجال العلمي أو الرياضي أو في أي مجال آخر, وهذه السعادة لا تكلفه جهداً ولا مالاً! وهذا الانتماء هو الذي يجعل المرء يتحرك “عصبية” لوطنه فينتصر له ظالماً أو مظلوما!!

وهذه هي أقصى درجات التجاوب والتفاعل مع الوطن من عامة أبناءه, بينمي لا يرتقي إلى درجة أعلى من الانتماء, فيصل إلى درجة الحب إلا: المثقفون أصحاب القلوب الرقيقة! فالوطن فكرة مجردة تحتاج إلى أن تُعرف أولاً لتُحب! والإنسان لا يحب ما لا يعرف!!

فلا يحب الوطن إلا من اجتمع فيه خصلتان: مثقف, تشرب ثقافة وفكراً وتشبع بها وغاص في بحورها, وكان لهذا المثقف قلب ينبض, لم تعمل الثقافة على تقسيته, وإنما انسجم نبض قلبه مع فكر عقله … فهذا فقط من (قد) يعي ماذا يعني الوطن … من يرى فيه من الوجوه الإنسانية الرائعة التي تدفعه للتعلق به ولحبه .. فيحبه! … ثم يعمل له! أما العامة فلا يشغلهم –في الغالب- إلا نفوسهم وذواتهم ومصالحهم الشخصية القريبة, ولهذا يخربون ويفسدون أوطانهم ويضيعون المصالح العامة لتحقيق مصالحهم الذاتية … فليذهب الآخرون إلى الجحيم .. فالمهم أنا .. وأهلي!!


هذا إذا رأى المثقف ذو القلب النابض في وطنه ما يستحق أن يحب لأجله! وهناك بعض الأوطان يمكن أن تحب, وأخرى مثل وطننا مصر (وليس: بلدنا) فلا يوجد فيه ما يستحق الحب … ولا ما يثير القلب!

ومصر سابقاً ربما كان فيها ما يستحق أن تكون به: وطن! ولكنها الآن فقدت تلك المقومات التي تستحق بها أن تُسمى: وطن!
نعم, هي مستقر لملايين من البشر, ولكن لا يوجد لها مكون إنساني راقي!

مصر بلد فقدت بعد انقلاب العسكر سنة 1952 منظومتها القيمية والإنسانية
مصر بلد فشلت وبامتياز في “بسط ونقل قيمها” الأخلاقية والإنسانية مع ذلك التحول الاجتماعي التي مرت به في مرحلة ما بعد الملكية!

فمع التحول من النمط الاجتماعي القروي الزراعي الانتاجي إلى النمط المديني الصناعي الاستهلاكي فقد المجتمع المصري جل قيمه الراقية, فلم يفلح في توريث هذه القيم للمجتمع الجديد, ومن ثم أصبح المجتمع المصري الجديد والذي هو لا بالرأسمالي ولا بالاشتراكي .. ولا بالإسلامي!! أصبح عبارة عن مجتمع مسخ!!
تسوده أفكار سطحية هي شذرات متناثرة متضاربة متناقضة متضادة متنافرة .. لا تجتمع بحال في رأس سليم! ولكنها اجتمعت في العقلية العامية .. انتجت إنسانا مشتتا متناقضاً .. والعجب أنهم يرون أنه زبدة الفكر البشري .. وأنهم أذكى شعوب الأرض!! وهذه الطامة تستحق معها أن تُنصب المشانق للقائمين على البلاد! ولكن هل يمكن أن يُعدم العبيد .. الأرباب؟!

مصر مجتمع .. أفلح القائمون عليها بجدارة في الحفاظ على “القيم الفرعونية” وأسس الاستعباد والطغيان وبذر بذور الذل والهوان! فبنوا منظومة فكرية اجتماعية قائمة على: تقديس وعبادة الرب الفرعون!!

رسخوا عند عامة الشعب أن أفراد قلائل سادة أنصاف آلهة لهم كل الفضل والمنة وباقي الرعية ينبغي أن تعمل وتجد وتكدح .. وسيتفضل عليهم السادة! وهذا فضل فليس للعبيد عليهم أي حق! وهذا ليس: وطن!

وعندما اقتنع الرعية بالعبودية سادت بينهم أخلاق العبيد, وأصبح نزاعهم بينهم, يأكلون أنفسهم للحصول على الفتات بدلاً من أخذه بالقوة من المترفين!! وهكذا ضاع الإنسان في مصر, فالأرباب الحكام يحتقرونه! وإخوانه من العبيد يسخرون منه ومن احتياجاته ويطالبونه بالصبر والرضى, بل وقد يقتلونه أو يتقبلون قتله لاختلافه معهم ولإصراره على مطالبته بحقوقه!

فإذا نفق المصري لا يحزنون على موته ولا يرون أن هذا بسبب تقصير الوطن في توفير حياة كريمة له وإعطاءه ما يستحق من الكرامة الإنسانية! وإنما يعدون هذا قضاء وقدراً!!

مصر بلد عامة أبناءه أنانيون … جل سعيهم لأنفسهم ولمصالحهم ثم يتحدثون عن حب الوطن والسعي لأجله!! وفي قرارة أنفسهم أن البلد ليست بلدهم وإنما بلد السادة .. فخيرها لهم .. فلماذا وكيف يحبونها!!

ولأن الإنسان لا يرضى بالذل والعبودية أقنعوا أنفسهم أن ذلتهم هذه “رضا”, وأن على الإنسان أن يرضى بما قسمه الله له! ونسوا أن هذا ما قسمه العبد وليس الرب!! وشغلوا أنفسهم بكلمات يدندون بها ويكررونها على ألسنتهم … زاعمين أنهم بها يعبدون الله ويذكرونه … ويشكرونه!!

مصر بلد لا يزال أبناءه يفتخرون بماضيهم التليد (القائم على العبودية) ولا يحاولون أن ينشأوا لأنفسهم حاضرا مجيدا!!

مصر باختصار ما هي إلا مستقر لبشر, لم يفلحوا في أن يكون شيئاً واضح المعالم, فلا هم إنسانيون ولا هم متدينون ولا هم مواطنون دولة ترعاهم … وإنما يعيشون كأفراد متلاصقين .. ولكنهم لم يجدوا حتى الآن الرباط الذي يجمعهم!!

لهذا أنا لا أحب هذا المكون الفكري القميء المشوه المخيم على بلدنا هذه! ولا يمكن أن يحب الإنسان شيئا مشوها بحال! بل وأكره هذا المكون القبيح لأنه باطل!
|
وأعلنت سابقاً تبرئي منه! وإن كنت أحب أبناء هذا البلد –وأحب بمعنى أحب- .. ليس جميعهم بدرجة واحدة! وعامة أنا أحب خلق الله .. وأعد نفسي منتمياً للإنسان كائنا ما كان مستقره وحدوده الجغرافية! أحب أبناء بلدي وأحب لهم أن يتحرروا من هذا المكون القميء وأن يُرزقوا كيانا جديداً نقيا .. واضح المعالم!

وأرغب إلى الله أن يهبنا مصراً جديدة, وطناً نعرف معناه فنجتمع عليه وله متحابين فيه … وعاملين له!
حتى ذلك الحين أنا لا أحب … مصرنا هذه! فهل يا ربنا مصراً جديدة؟!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.