مَا الْعَمَلُ فِى أَيَّامِ الْعَشْرِ

 سأل الأخ أبو إسلام في قسم الحوار العام عن فهم حديث في صحيح البخاري يتحدث عن فضل العمل في عشر ذي الحجة, فأورد رواية عند البخاري تقول:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ مَا الْعَمَلُ فِى أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِى هَذِهِ قَالُوا وَلاَ الْجِهَادُ قَالَ وَلاَ الْجِهَادُ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ

وتبعا لهذه الرواية فإنه من المفترض أن هناك عمل في شيء ما (أو في أيام ما) والنبي يوضح أن العمل في الأيام العشر ليس أفضل منه. ومن ثم فإن التساؤل: ما هي: “هذه”؟!

أول ما نبدأ به الرد على هذه الرواية نقول:
الملاحظ أن هذه الرواية مخالفة لباقي الروايات التي تجعل العمل في الأيام العشر أفضل من العمل من غيرها كما  ورد في البخاري عن ابن عباس:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ

وما رواه عبد الرزاق في مصنفه:
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أيام أحب [ إلى الله ] فيهن العمل – أو أفضل فيهن العمل – من أيام العشر ، قيل : يا رسول الله ! ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلا يرجع من ذلك بشئ

وما رواه أحمد في مسنده:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ
وغيره من كتب الحديث والسنن.

ومن خلال نظرنا في هذه الروايات ظهر لنا أن الرواية التي ذكرها الأخ أبو إسلام مما اضطرب الرواة فيها اضطرابا كبيرا فجعلوا العمل في العشر مرجوحا! وأن الروايات الأخرى كذلك مما اضطرب الرواة فيها, فجعلوا الحديث عن الأيام بدلا من الحديث عن العمل!!

فالملاحظ أنه من المفترض أن الرسول يتكلم عن فضل أيام معينة, ومن ثم فالمنطقي أن يكون الرد من الصحابة مثلا: ولا عشر رمضان ولا عشر محرم؟ أما أن يكون الحديث عن أيام ويكون المقابل له السؤال عن عمل ما, فهذا أمر غير مقبول!!

ومن ثم بحثت عن روايات أخرى يكون فيها الحديث عن عمل في أيام, فوجدت الطبراني يروي في المعجم الكبير كذلك عن ابن عباس:
عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ:وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , إِلا أَنْ يَخْرُجَ رجل بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء.

إلا أن هذه الرواية يعاب عليها كذلك عدم الضبط من الرواة, فلقد قارنوا بين العمل ونفسه! ومن ثم فمن غير المنطقي الحديث عن الجهاد كذلك, لأن معنى الحديث: ما من عمل تعمله في غير عشر ذي الحجة أفضل منه نفسه لو عملته في عشر ذي الحجة!!

فلما واصلت البحث وجدت أن الدارمي أورد في سننه رواية هي الأدق معنى ومبنى, فروى عن ابن عباس كذلك:
عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِى عَشْرِ الأَضْحَى ». قِيلَ : وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ :« وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ »

فهذه الرواية هي المستقيمة المعنى والمبنى أما ما عداها من الروايات فمما اضطرب الرواة في نقله والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.