بدائية الخطاب القرآني!

اليوم نتكلم عن مسألة بساطة الخطاب القرآني!
فالناظر في القرآن يجد أنه ليس بالكتاب المعقد ولا الفلسفي! وأن النداءات والخطابات والاستدلالات والبراهين … وكذلك القصص المذكور فيه …. كلها تتسم بالبساطة والمباشرة!

ويتخذ غير المسلمين هذه السمة للقول ببدائية الخطاب القرآني … وأنه خطاب يناسب العقول البسيطة والمجتمعات ذات المعرفة البدائية أما المجتمعات الحديثة …. فهي تحتاج إلى خطاب أرقى وأحدث!!

وهذا القول يؤكد سطحية قائله أو اتباعه لهواه! فمن قال أن الأفراد أو الأمم تحتاج في توجيهها إلى خطاب معقد أو فلسفي أو يعتمد المعادلات العلمية!!!

إن الخطاب الذي يعتمده الأفراد والجماعات والأمم في مخاطبة نفسها وغيرها هو الخطاب البسيط …. البدائي (والذي لا يعني المتخلف أو الرجعي, وإنما الذي يعتمد أصول وبدايات الأمور كلغة) …. والذي يفهم منه كل المخاطبين (تقريبا) الرسالة الأساسية المراد توصيلها, مع وجود نسبة اختلاف في تأثير الرسالة على المتلقين, وذلك لاختلافهم في استيعاب كم ” الرمزية” الموجود في الرسالة!!

ونوضح بأمثلة من الواقع:
عندما نريد أن نفهم طفلا أمراً ما على أفضل شكل, فإننا نصيغه له على هيئة قصة بسيطة, تحدث فيها وقائع متعلقة بهذا الأمر…. فيأخذ منها الطفل الدرس المستفاد ويعلم نفع أو ضرر الأمر المقبل عليه!!

ولا يختلف الأمر بالنسبة للكبار, فعندما نريد التدليل على صحة توجه ما, فإننا نحكي له بعض الأحداث والوقائع التاريخية, التي تثبت فشل أو نجاح أمر ما! … وقد نحكي له كذلك قصة افتراضية –لا يكون أفرادها من الحيوانات وإنما من البشر!- … فيقتنع بما نريد!!

والسؤال الذي نطرح:
عندما ندلل بوقائع تاريخية على ما نريد (أو حتى بقصص) هل تكون مختصرة ومركزة ومباشرة, تركز على لب الموضوع والغاية المراد استخلاصها, أم أننا نحكي قصة طويلة وأحداث مملة, ونفرع بذكر الحالة النفسية لأشخاص الوقائع … وأصناف الطعام الذي يتناولونه … وملابسهم … الخ الفرعيات!, والتي هي من قبيل الحشو!

بداهة لا نفعل هذا, وإنما نذكر الوقائع الأساسية بغض النظر عن التفاصيل –والتي يهتم بها من يكتبون أفلاما أو مسلسلات للتسلية!- ومن هذا المختصر المفيد والعرض المباشر البسيط للوقائع يفهم الإنسان المراد ويستخلص الحكمة!!
فهل يريد هؤلاء أن يأتي الخطاب القرآني مطولا, مثل المسلسل الذي يستغرق ثلاثين ساعة مشاهدة, ليقول لك في نهاية المطاف: “آخرة الظلم وحشة”؟!!!

وحتى لا يقول أحد أن هذا الأسلوب يتناسب فقط مع القصص أو التاريخ لاستخراج الحكمة والعظة نقول
هناك في كل دولة نصوص للقوانين والأحكام التشريعية, التي تدار بها الدولة! فهل عندما تريد أي حكومة أن تحث مواطنيها على الالتزام بأمر ما, فهل تتلو عليهم نص القانون الموجود –بلغته القانونية- أم أنها تخاطبهم بالمطلوب مباشرة! مرتبطا ببعض المشاهد المصورة أو النصائح المكتوبة, والتي تظهر سوء وأضرار ما تنهاهم عن فعله, وبفوائد ما تحثهم على الالتزام به؟!

وكذلك أتى القرآن بأوامر مباشرة, مع تحذير من عواقب تركها أو مخالفتها وحث على اتباعها, وإظهار الحكمة من هذا التشريع!
فهل يريد هؤلاء أن تأتي الأحكام التشريعية في القرآن بلغة قانونية معقدة, لا يفهمها إلا دارسو القانون! ليقوموا بتفسيرها فيما بعد وتبسيطها للعوام؟!
لقد أتى القرآن للقضاء على طبقة الكهنوت! ومن ثم فكانت الأوامر والنواهي مباشرة مبسطة!!

فإذا تركنا هذا كله وأخذنا مقولتهم أن القرآن يستعمل مفردات عفى عليها الدهر, لم تعد مناسبة لزماننا هذا …. نجد أن قولهم هذا حمق كبير!

فإذا نظرنا في أعلام الدول جلها, ستجد أنها غالبا ما تحتوي نسرا أو صقرا أو أسدا! وكذلك ستجد غالب الأندية الرياضية أو الشركات الكبرى يتخذ من رمز بدائي شعارا, فمنهم من يجعل السيوف شعاره, ومنهم من يجعل الحصان شعارا …. ومنهم من يجعل النباتات ومنهم من يجعل القلاع …. وهكذا!

يفهم كل إنسان من هذه الرسوم أنها رموز وإشارة إلى القوة والسيطرة …. الخ الإشارات المبطنة في داخل كل رسم! فهل أقلعت أو ستقلع الجماعات أو الأفراد عن استعمال مثل هذه الرموز؟!

وحتى في الجوانب الإعلامية, عندما تجد إعلانا عن منتج ما سيحمي الجسد من الأمراض أو الملابس من الاتساخ, فإنه غالبا ما يظهر هذا في شكل درع محيط بالإنسان أو بالملابس … يحميه من خطر الأعداء!!

وعندما نريد الإشارة إلى الحب فإننا نستعمل شكل “القلب”, ولنشير إلى الحنان والرعاية فإن رمز الأم التي تحمل طفلا رضيعا هو الأول بلا منازع …..

وتظهر الرمزية هذه بأكثر ما يكون في أفلام الرسوم المتحركة, والذي يقوم مؤلفوها بتجسيد الرموز بشكل مضحك!!

وهكذا دوما ستظل الرموز التي نشأت منذ بدا(ئ)ية البشرية هي المستعملة, لإيصال المعاني كاملة إلى المخاطبين, بشكل يفهمه الجميع …. من الأطفال حتى الكبار …… ويؤمن معه عدم حدوث سوء فهم … لأفراد المجتمعات البدائية أو المتقدمة علميا!!

فإذا كان هذا هو الحال في كل العالم, وفي جميع العصور, فلماذا يراد للقرآن أن يكون خطابه معقدا, وأن يكون استثناءً؟!
لقد أتى القرآن لمخاطبة جميع العقول … ومن ثم فلزام أن يكون على شكل يفهمونه جميعا! … وقد كان!!

وختاما نقول:
لا يعني قولنا ببدائية الخطاب القرآني أنه خطاب سطحي, لا يحتوي ما يقنع ويحفز أرباب العقول النيرة, لا … فهو خطاب بدائي مكثف “قول ثقيل” يحتوي من الإشارات والمعلومات ما تفنى فيه أعمار أجيال ولا ينقضي ما فيه!
وكما قال الرسول الكريم: “لا تنقضي عجائبه”!

ومن ثم فإن دور كل جيل بشري هو إسقاط النص القرآني على واقعه بالآليات المتوفرة له! فهو الدستور والحكمة البالغة والإطار العام, الذي علينا أن نتحرك بداخله ونستن منه قوانيننا ونستخرج منه العبرة والعظة لحياتنا … مع تقلب أحوالها!

وهذا هو حال كل الأمم فالديمقراطية نظام جد قديم ظهر في اليونان! وهو مستند ومحور نظام الحكم الحالي! وكتاب رأس المال لكارل ماركس هو كتاب واحد, قامت عليه الماركسية, وفُسر ويفسر بأشكال عدة, بما يتناسب مع الظروف والأوضاع! وكل يرى أن هذه الأصول صالحة لأزماننا الحاضرة, وأن التمسك بها لا يتعارض مع الواقع الجديد المختلف عن أزمنة وضعها! وأنها قابلة للصياغة بما يتناسب مع الواقع الجديد!

مع ملاحظة أن هذه الكتب كلها أو النظريات أو النظم كلها بشرية الأصل, محكومة بظروفها وبيئته والنقص البشري لمن صاغها, فلماذا يكون التمسك بالقديم مع القرآن فقط تخلف ورجعية؟!!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.