أنا متدين …. أنا منكسر!

نتوقف اليوم بإذن الله مع تلك الصورة التي لزمت أذهاننا بشأن الإنسان المتدين, تلك الصورة التي استقيناها من التراث المنسوب إلى الإسلام! والتي يعمل الخطباء والإعلام على ترسيخها في أذهان المتلقين!

تلك الصورة السلبية التي يمكن تلخيصها في نقطة واحدة, وهي أن ذلك الإنسان منكسر! تعلو وجهه مسحة من الحزن!
ذلك هو تصورهم المأفون للتدين, فالإنسان المتدين إنسان بلغ درجة من الوداعة والتسامح تشعر معها أنه إنسان ساذج, متقبل لكل ما يحدث له وحوله.

فهو خاشع خاضع لكل ما حوله! مع أن خشوعه هو لله عز وجل وليس للناس حوله!

وبسبب هذه الصورة يرفض كثيرون منا –لا شعوريا- التدين, فهم لا يريدون أن يصيروا على تلك الحالة السيئة المرثي لها, فعندهم ما يسعون له ولا يريدون التخلي عنه!

وديننا لا يريد لنا أن نتخلى عن دنيانا وإنما يريد أن يخفف عنا من أعباءها ويزيح عنا من همومها! فنخوضها غير عابئين بأثقالها!
ديننا يريد لنا أن نقبل على الدنيا بالدين, لا أن نقبل على الدنيا بعقولنا فإذا لم نفلح فيها, هربنا منها ولجأنا إلى الدين وتمسكنا بظواهره, وتركنا الدنيا لغيرنا! ظانين أننا بهذا نعود إلى الله!

فليس الدين ذلك الكهف الذي يلجأ إليه من يريد أن يواري خيبته, فيتشبث بأهدابه بعد خيبته!

إن الدين هو ذلك الدرع الذي يحمي الإنسان من غوائل الدهر, وذلك السلاح الذي يدفع به عن نفسه أذى الآخرين!
وهو وإن كان درعا وسلاحا إلا أنه يعمل بطريقة غير مألوفة, قد لا يفهمها كثير من الناس, وقد يراها الآخرون غير مجدية, إلا أنها تثبت دوما أنها السلاح الأنجع للإنسان.

وذلك السلاح هو التحكم في الحيوان الموجود بداخل الإنسان … التحكم لا القتل!
فالدين وإن عمل على تهذيب طباع الإنسان إلا أنه لم يقم بوأدها, كما أنه لم يقم بتهذيبها كلها وإنما عمل على تهذيب بعضها وتنمية أخرى!

وإذا كان الدين قد طالب أتباعه بالصبر والعفو, فإن هذا لا يعني أنه يطلب إليهم أن يكونوا مستضعفين في الأرض, منتهبا لكل ناهب!
وإنما يطلب إليهم العفو عند القدرة, فلا يتصور العفو من العاجز الضعيف!
ويطالبهم بالصبر على ما لا يمكنهم تغييره, أو حتى يستطيعون تغيره, فالمطالبة بالصبر هي مطالبة بأعلى ما يستطيعه الإنسان في هذا الوقت!
فالصبر على إساءة الآخرين هو مطالبة بمقاومة الهمجية والحيوانية في الإنسان وبعدم الاندفاع إلى الانتقام الأعمى!

إن هذه الصورة المستكينة أُخذت من الصوفية المستضعفين, الذين لا يعمرون الأرض واكتفوا بترديد كلمات على ألسنتهم, يرون أنهم بها يذكرون الله عزوجل.

ولم يكن الصوفيون في يوم من الأيام النموذج الأمثل للمسلم ولا القدوة المتبعة, وإنما تستخرج تلك الصورة من كتاب الله أولا, ثم من تطبيق الرسول الأكرم.

إن القارئ لكتاب الله والمتدبر له حق التدبر تنكشف أمامه حقيقة العالم, فيرى حوله الناس في ظلمات عاتية, تحيط بهم وتهلكهم, يرى كيف ولماذا هلك السابقون من قبلهم, يرى الناس في بعد عن ربهم, يرى جادة الصواب وحياد الناس عنها.

كل هذا يولد في داخله طاقة هائلة ومشاعر متقدة متداخلة, تدفعه وتقوده إلى الحركة من أجل تغيير ذلك الواقع المحيط به, فيسعى مستعينا بالله ربه لتغيير هذا الواقع المرير, وأول ما يفعله هو أن يغير واقع نفسه, فيحاول قد المستطاع أن يغير الخصال المذمومة فيه!

ويحاول أن يكسب نفسه من عوامل القوة ما يعينه على القيام بمهامه! وأهم هذه العوامل هي التمكن من الدنيا, تلك التي فر منها الأقدمون!
الفارق أن عليه أن يتملكها في يده لا أن تتحكم هي فيه فتصير في قلبه!

إن المؤمن هو من يؤمن أن الله تعالى خلق الدنيا لننتفع بها, كما أراد, لا أن نتركها للآخرين يفسدون فيها كما تزين لهم أهواءهم!
لذا لن نجد بحال عند المؤمن الحق ذلك الانكسار ولا الحزن ولا البعد عن الدنيا, وإنما نجد منه إقبالا عليها, وسرورا بها, ففيها من النعيم والجمال ما يسر القلوب ويشرح الصدور!
إنه يؤمن أن الدنيا ليست ملعونة وما فيها ليس ملعونا وإنما ميمونة خضرة!

نعم فالمسلم يحمل في داخله حزنا, ولكنه حزن على تقصيره وعلى حال الآخرين الذين لم يؤمنوا, ولكنه حزن لا يكتفه ولا يكبله وإنما يدفعه إلى مزيد من العمل والاجتهاد!

باختصار فإن المسلم ليس ذلك المنكسر الحزين ولا الوحش الجريح وإنما ذلك الأسد الوديع الذي يعمل في صمت, الذي لديه من القوة والقدرة ما يكفيه لينفذ ما يعن له!

وفي الختام أقول: سل نفسك: هل أنت فاشل يداري فشله بالدين, أم وحش جريح ينتقم من الآخرين بالدين, أم ممن غيرهم الدين وعالجهم؟!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.