فرضان مضيعان!

تناول اليوم بإذن الله وعونه أمرا من الأوامر الربانية التي ضيعت وأهملت, لأنه طُبق عليها التأصيل الفقهي العجيب: الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف! حيث نسوا أن يضيفوا: في النص القرآني!

وبسبب هذا التأصيل تعددت الصوارف وكثرت, ففهم فلان صارف, قول علان صارف, وعدم وجود الدليل في السنة أو فعل الصحابة صارف! تصور حتى العدم صار صارفا!

والأمر الرباني الذي نتناوله اليوم هو من روائع التشريع الربانية –إن جاز التعبير فكل التشريع الرباني رائع محكم صالح-, لأن يظهر في هذا التشريع, ما تعارفنا عليه في أيامنا هذه علو كبير ومراعاة عظمى للجانب الإنساني.
والحكم الفقهي المهمل الذي نتناوله اليوم هو ما ورد في قوله تعالى ” وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور : 32]”

والحكم في الآية واضح ولا يحتاج إلى أي تعليق! فهو أمر يفيد الوجوب ولم يصرفه صارف, فيجب أن يكون الحكم في الآية واجبا!

والسادة الفقهاء قالوا أن الأمر للندب, ولست أدري حتى على فرض كونه للندب لم لم يركز عليه الدعاة, مع أنهم يركزون على كثير من المندوبات الواردة في السنة؟!
ولننظر بم احتج السادة القائلين بالندب ثم نرد عليهم, ونذكر هنا ما قاله الإمام الفخر في تفسيره:
” وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا ، وقال النضر بن شميل الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك ، تقول : زوجوا أيامكم بعضكم من بعض ،
وقال الشاعر :
فإن تنكحي انكح وإن تتأيمي … وإن كنت أفتى منكموا أتأيم

المسألة الثانية : قوله تعالى : { وَأَنْكِحُواْ الأيامى } [ النور : 32 ] أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه مراراً ، فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي ،
إما لأن كل من أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية ، وإما لأن المولية لو فعلت ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز ، وإما لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير »
قال أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الإيجاب ، ويدل عليه أمور : أحدها : أنه لو كان ذلك واجباً لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه ،
فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء ، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب. وثانيها : أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه
وثالثها : اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى ، فدل على أنه غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع
ورابعها : أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء والجواب : أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة ، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم وجه الكلام” اهـ

أما الرد على ردهم, فنقول: أولا ليس عدم الدليل بدليل, فعندنا كتاب ربنا, فليس علينا أن نغيره إذا قصر الرواة في النقل! أو قصر الناس في الامتثال والفعل! أما باقي الأمثلة التي ذكرها الإمام الفخر فهي حالات استثنائية نتفق معه فيها أو نختلف ولكنها لا ترفع حكم الآية بأي حال!

 والملاحظ في الآية أنها أتت من أجل القضاء على الفوارق الاجتماعية, والعادات السيئة في النكاح, لذا فعلى المسلم ألا يتحرج من تزويج الأيم ولو كان فقيرا, فالعبرة بالصلاح والدين وليس بكثرة المال, فكم من غني مضيع لدينه ولدين من معه!


وبما أننا نتكلم عن هذا الحكم نذكر الحكم الوارد في الآية التالية عرضا, وهو إن لم يعد له وجود في أيامنا, ولكنا نذكر بأحكام ضُيعت لفساد التأصيل الفقهي, وذلك في قوله تعالى:
” وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور : 33]”

ففي هذه الآية أمر صريح يفيد الوجوب, ولكن السادة الفقهاء قالوا أن الأمر هنا للندب, ولكنا نقول أنه للوجوب, ونذكر ما ذكره الإمام الفخر في هذه الآية:

” اختلف العلماء في أن قوله : { فكاتبوهم } أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً ، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء ، 
وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير ، واحتجوا عليه بالآية والأثر . أما الآية فظاهر قوله تعالى : { فكاتبوهم } لأنه أمر وهو للإيجاب ، ويدل عليه أيضاً سبب نزول الآية ، فإنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً ، وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ، فرفع عليه الدرة وضربه وقال : { فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } وحلف عليه ليكاتبنه ،
ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً ، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع ، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام « لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه » وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة ، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع” اهـ

وإذا وكما رأينا فليس قولنا هذا بدع من القول وإنما له مستند في أقوال من سبقونا من العلماء, وفعل الصحابة وكما جاء في الأثر!

وفي نهاية هذه المقالة نذكر بقوله تعالى في أول السورة:
” سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور : 1]”

ونقول : استنادا إلى هذه الآية فإنا نجزم أن كل ما ورد في السورة من الأوامر هو فرض, -أي أنه أعلى من الواجب, لو أخذنا بالتقسيمات الفقهية!-, ومن يخالفنا بمرجحات كائنة ما كانت, فليخبرنا ما قوله في أن الله فرضها؟ هل فرضها بمعنى فرض بعضها وندب الآخر؟

غفر الله لنا ولكم والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.