الحجرات وحمية الجاهلية

نواصل بفضل الله العظيم تناولنا لسور القرآن العزيز لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بإذن الله الملك القدوس لسورة الحجرات فنقول:

سورة الحجرات سورة مدنية, اكتشفت من خلال النظر فيها أنها مما نزل في عام الوفود, -وهو ما قالت به كتب أسباب النزول- إلا أننا لا نتفق معها في كل ما ذكرت من حوادث متعلقة بالسورة وإنما نرفض تلك الروايات المدسوسة التي جعلت حادثة الفاسق في الوليد بن عقبة وجعلتها غير واقعة بالمدينة.
والذي ظهر لنا من خلال نظرنا في السورة هو أنه:

قدم العديد من الوفود للرسول (فيكون هذا مرجحا أن هذا كان في عام الوفود) ومن بينهم وفود من الأعراب وأخذ بعض المؤمنين يزكون أنفسهم (أو غيرهم) فيحكمون على أنفسهم بالإيمان, ووصل الأمر إلى أن احتد بعض المؤمنين على الرسول وأغلظوا معاملته

وأخذ بعض المؤمنين الجدد يؤكدون على مسألة إيمانهم بل ويمنون على الرسول إيمانهم, وأخذوا يتفاخرون على بعضهم بعضا بأحسابهم وبأنسابهم وبقوتهم وحدث اختلاف وشد وجذب قوي بين هذه الوفود. وأشاع أحد الفساق أن قتالا نشب بين وفدين أو أن وفداً اعتدى على الآخر

(وكان المسلمون يميلون إلى أحد هذين الطرفين لنسب أو لجوار أو ..) فتحرك بعض المسلمين لنصرتهم, فذهبوا إلى الرسول ينادونه فلما تأخر لم يصبروا وانصرفوا وذهبوا. وفي هذا الجو المشحون بحمية الجاهلية أنزل الله سبحانه وتعالى سورة الحجرات ليبطل دواعي وصور حمية الجاهلية, مبينا أنه ليست العبرة بإيمان قولاً وإنما بالتقوى (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه) فهي معيار الكرامة عند الله.

والاتصال بين الحجرات والسورة السابقة لها: الفتح جلي, ففي سورة الفتح كان ثمة حديث عن المخلفين من الأعراب وهنا يتواصل الحديث عن الأعراب وعن مسلك سيء آخر لهم وهو منّهم على الرسول إسلامهم!

كما خُتمت السورة بالحديث عن إنزال السكينة في قلوب المؤمنين كمقابل لحمية الجاهلية التي أذكاها الكافرون في قلوبهم, وإلزامهم كلمة التقوى, وبالحديث كذلك عن الرسول وعن الذين معه وعن علاقتهم ببعضهم وبالآخرين وعن مثلهم في التوراة والإنجيل, وعن وعد المؤمنين منهم بالمغفرة والأجر العظيم:

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) ……. مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح : 29]

وبدأت سورة الحجرات بالحديث عن تنظيم حدود علاقة المؤمنين بالرسول الكريم وعمن يعطًون مغفرة وأجرا عظيما, وعن فضل الله على قلوب المؤمنين

(فكما أنزل السكينة في قلوبهم ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم, فهنا يحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ويكره إليهم الفسق)

والسورة ككل أمر بالتقوى ونهي عن صورٍ من حمية الجاهلية. كما نلاحظ عودة الحديث عن إحباط العمل ونقصانه والذي كان قد انقطع في سورة الفتح, والتي كانت بمثابة إعلان لمغفرة للذنوب, فهنا يعود الحديث مجددا عن إحباط الأعمال ليقول أن بعض الأعمال قد تؤدي إلى إحباط الأعمال.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:

بدأت السورة بنهي المؤمنين عن التقديم بين يدي الله ورسوله (بإصدار الأحكام في وجود الرسول) وبأمرهم بتقوى الله فهو سميع عليم (يعلم أعمالهم وقلوبهم ومكانة كل منهم)
ثم ينهاهم عن مجرد رفع الصوت والجهر للنبي حتى لا تحبط الأعمال, معرفا أن من يغض صوته عند الرسول هم الذين امتحن الله قلوبهم بالتقوى ولهم المغفرة والأجر
وأن أكثر الذين ينادون الرسول لا يعقلون ولو أنهم صبروا (فلم ينصرفوا) حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم. ثم يبين الله أنه غفور رحيم فلن يعاقبهم على ما صدر منهم:

بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

ثم يأمر الله المؤمنين بالتبين إن جاءهم فاسق (ولا يتحركوا تبعا لما جاء به) حتى لا يصيبوا قوما بجهالة, ويذكرهم أن فيهم رسول الله (الذي لا ينبغي لهم التصرف بدون الرجوع إليه) وأنه لو أطاعهم في كثير من الأمور لعنتوا وأنه سبحانه هو من حبب إليهم الإيمان وزينه وكره إليهم الكفر وأن هذا فضل من الله ونعمة.

وأن على المؤمنين إذا نشب قتال بين طائفتين من المؤمنين أن يصلحوا (لا أن يهبوا لنصرة طرف على آخر) وعند حدوث البغي يقاتل البغاة, وعند الصلح يصلح بالعدل ويقسط المؤمنون (فيساوون بين جميع الأطراف) فالمؤمنون (مع اختلاف أصولهم ودرجاتهم الدنيوية) إخوة فأصلحوا بين أخويكم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)

ثم ينهى الله المؤمنين عن صور أخرى من مظاهر الجاهلية وهي سخرية قوم من قوم ونساء من نساء, وعن لمز النفس والتنابز بالألقاب, وأن يصيروا إلى الفسوق بعد الإيمان أمر جد سيء

كما ينهى الله عن اجتناب كثير من الظن (الذي لا سبب له إلا بغض وكره الآخرين) وعن التجسس والغيبة, ويُعلمهم أنه تواب رحيم, ثم ينادي الله الناس جميعا مذكرا إياهم بأنهم خلقوا من ذكر وأنثى وجعلوا شعوبا وقبائل ليتعارفوا (لا ليتنافروا ولا ليتقاتلوا ولا ليتفاخروا بينهم) فأكرمهم عند الله أتقاهم وهو الأعلم بالعباد:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

ثم تُختم السورة بأمر الرسول بالرد على قول الأعراب أنهم آمنوا بأن يقولوا أنهم أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم (وإن كان سيدخل لاحقا) وبالقول أنهم بطاعة الله والرسول لا يُنقص من أعمالهم شيئا, وأن المؤمنين هم الذين لم يرتابوا وجاهدوا (وليس: تولوا وبخلوا).

والله سبحانه يعلم كل شيء فليس ثمة داع لهذا الإعلان والتظاهر. وردا على منّهم قل أن المنة لله أن هداكم إن كنتم صادقين, وهو سبحانه يعلم غيب السماوات والأرض (ويعلم من يستحق أن يُهدى ومن لا):

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)

وبعد أن بيّنا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة ندعوه لقراءتها مجددا على مرة واحدة, فسيفتح الله عليه فيها ما لم نذكر نحن, إنه هو الفتاح العليم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.