اليهود والذين هادوا وأهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب.

نعرض اليوم بإذن الله وعونه لأصناف أصحاب الرسالة السابقة, والذين اشتهروا ب: “أهل الكتاب”, والذين قسمهم القرآن إلى أصناف عدة, فخاطبهم ب: “أهل الكتاب” وب: “الذين آتيناهم الكتاب”, و “الذين أوتوا الكتاب”, و “اليهود” و” الذين هادوا”, و “النصارى”, و “الذين قالوا إنا نصارى”

كما أن ثمة مجموعات أخرى تندرج تحت بعض هذه المجموعات, إلا أنها وضعت كلها تحت صنفين اثنين: اليهود والنصارى! وهما جميعاً: أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب والذين آتيناهم الكتاب!

لذا نتوقف مع هذه الأصناف لنبصر ما الفرق بينها:
الناظر في القرآن يجد أن أول ذكر كان ل: الذين هادوا والنصارى والصابئين”, وذلك في معرض مخاطبة بني إسرائيل, -الذين كانت الأنبياء تبعث فيهم (وليس منهم), وليس في القرآن “بنو كذا” إلا “بنو آدم” ومنهم يٌبعث الأنبياء, وبنو إسرائيل (والذي هو ليس يعقوب, كما بيّنا على صفحات الموقع, وإنما عبد صالح من زمن نوح عليه السلام) وهم الذين كانوا يتحملون الرسالة ويبلغونها للناس.

ونلاحظ كذلك أن الله تعالى فرّق في هذه الآيات بين بني إسرائيل وقوم موسى في أكثر من موطن فنجده ينسب الأفعال إليهم (وليس إلى آبائهم مثلاً) في صيغة المضارعة أحيانا, بينما لا يجعل خطاب موسى لهم, وإنما إلى قومه!

“وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) …….. وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ……. إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) ……. وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)”
فهذا التفريق بين قوم موسى وبني إسرائيل في الخطاب يستدعي وقفة, فإلاما يريد الله الإشارة بهذا التفريق, فهل كان قوم موسى موجودون بين بني إسرائيل وليسوا منهم أصلاً؟ ندعو الله أن يفتح علينا أو على غيرنا فيه.

والله العليم لم يعتبر كل بني إسرائيل أهل كتاب, وإنما بيّن أن منهم أميون, فقال:
“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة : 78]”

فإذا بدأنا بأول صنف وهو “أهل الكتاب” وجدنا أنه جاء في القرآن في إحدى وثلاثين موضعاً أكثرها في سورة آل عمران, ولا يمكننا أن نعمم فنقول كما يقول بعض الباحثين أن أغلب المواطن التي ذكر فيها أهل الكتاب كانت في معرض الذم, لأن الآيات لم تكن كلها حديثاً عن كل أهل الكتاب, وإنما كان بعضها حديثاً عن الذين كفروا منهم, مثل

“مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ …… [البقرة : 105]”
“هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ … [الحشر : 2]”
“لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة : 1]”
وبعضها حديثٌ عن كثير منهم:
“وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 109]”
وبعضها حديث عن طائفة منهم:
“وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [آل عمران : 69]”
وبعضها حديث عن جزء غير محدد, عُبر عنه ب: “من”:
“وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً …. [آل عمران : 75]”
“لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران : 113]”
“وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران : 199]”

ويمكن القول أن الحكم العام على أهل الكتاب هو ما جاء في قوله تعالى:

“كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران : 110]”

والملاحظ أن نسبة الإضلال والكفر والصد عن سبيل الله إلى أهل الكتاب ارتبطت بالخليل إبراهيم عليه السلام وبالبيت الحرام الذي رفع قواعده, فنجد أن الله يرد عليهم جدالهم بشأن إبراهيم الخليل قائلاً

“يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)”

وبعد حديثه عن الطعام يقول:
“قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)”

ومصطلح “أهل الكتاب” يصدق على الذين هادوا والنصارى, ولقد أكد الله على وحدة الرسالة, فبيّن أنه لا يُقبل الأخذ ببعض وترك بعض:

“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة : 68]”

وكما بيّنا سابقاً, فليس كل من كان من الذين هادوا أو النصارى من أهل الكتاب, فكلمة أهل تدل على علاقة وارتباط وتلازم بين طرفين, ومن ثم فأهل الكتاب هم الذين يدرسونه ويقرءونه, ومن ثم يمكن القول أنهم قارئينه ودارسينه أما العامة الذين لا يعرفون الكتاب فهم أميون.

وننتقل إلى المصطلح التالي وهو: “الذين آتيناهم الكتاب” والذي ورد في ثمان مواطن, والذي ارتبط ضمنا ب: “الذين أوتوا الكتاب”, وإن كان القرآن فرق بينهما, فأثنى على “الذين آتيناهم الكتاب” ونعتهم بالإيمان وبأنهم يعرفون الكتاب والرسول:

“الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة : 121]”
“الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 146]”
“وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرعد : 36]”

والذي يظهر من التعبير القرآني أن الذين آتاهم الله الكتاب هم الأنبياء وأوتوا الكتاب وغيره:
“أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام : 89]”
ولا يمكن أن يكون المقصود بهم الأنبياء, لأنهم خلوا قبل الرسول, فمن الذين آتاهم الله الكتاب؟
تأتي الإجابة بأنهم الذين اصطفاهم الله: آل إبراهيم:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً [النساء : 54]
وهل يمكن اعتبار الربانيون منهم؟ الله أعلم!

وعلى النقيض كان مصطلح “الذين أوتوا الكتاب” والذي أتى في ستة عشر موطن, فكان في مقام الذم:
“وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [البقرة : 101]”
“فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران : 20]”

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران : 100]”

“لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران : 186]”

“وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران : 187]”

“أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد : 16]”

والذي يظهر من قرن الذين أوتوا الكتاب بالذين آمنوا وبناءها على صيغة ما لم يُسم فاعله أن المراد منه عامة أتباع الكتاب السابق, الذين انتسبوا إليه قولاً, وليس المراد منه العلماء.

وبخلاف كون المصطلح في العلماء أو العامة, فالنقطة الرئيس هي:
هل يصدق “الذين أوتوا الكتاب” على الذين هادوا والنصارى؟ أي أنه لفظ عام مثل: “أهل الكتاب” أم أنه في صنف محدد منهم؟

المشهور أنه كذلك, إلا أني قرأت قولاً طيبا للأخ الحسن الهاشمي المختار في هذا الشأن يثبت فيه أن “الذين أوتوا الكتاب” هم الذين هادوا فقط, فيقول:
“هل أحل الله نكاح المحصنات من (أهل الكتاب )أم من الذين (أوتوا الكتاب)؟


إن كن من أهل الكتاب فذلك يعني النصارى واليهود، وإن كن من الذين أوتوا الكتاب فذلك يعني اليهود فقط. الذين أوتوا الكتاب قبل الإسلام هم اليهود والذين أوتوا الكتاب من بعد اليهود هم العرب.

ولقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم، قال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً). وحتى المسيح عليه السلام كان من ذرية إسرائيل ورسولا إلى بني إسرائيل وكان يحكم بالتوراة بالإضافة إلى الإنجيل الذي آتاه الله.

والله سبحانه حينما يطلق كلمة (أهل الكتاب ) فإنه يعني بذلك اليهود والنصارى، أما إذا قال: الذين( أوتوا الكتاب) فلا يعني بذلك إلا اليهود . ونفس الشيء نقوله عن القرآن فأهل القرآن هم كل المسلمين من عرب وفرس وترك وغيرهم أما الذين أوتوا القرآن فهم العرب.

ونقرأ في سورة البينة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ).

فأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى.أما الذين تفرقوا من بعدما جاءتهم البينة فهم اليهود الذين فهموا النبوءات التي تتكلم عن رسول الله ولما تحققت تفرقوا إلى فريقين قلة منهم أسلمت والباقي كفروا بما استيقنت أنفسهم واستحقوا غضب الله.

أما الآية التي فسرها العلماء أنها تحل للمسلم طعام النصارى واليهود وتحل له نكاح المحصنات من نسائهم فهي : اليوم أحلت لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم….)

هذه الآية تحل طعام الذين (أوتوا الكتاب) والمحصنات من نسائهم وهم بلا شك اليهود فقط ، فهم الذين يذبحون مثل المسلمين ويذكرون على ذبائحهم اسم الله ،ونجد اليهوديات االمتدينات يرتدين الحجاب مثل كثير من المسلمات. أما إذا قلنا إن كلمة (الذين أوتوا الكتاب) هنا تعني أيضا النصارى فإننا بذلك نناقض الآية التي تقول:حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة….) .

وكل الذي ذكر في هذه الآية هو طعام النصارى، فموائدهم لا تخلو من لحم الخنزير بالإضافة إلى الخمر واللحم لا يذبح ولا يذكر اسم الله عليه،فكيف يحرم الله علينا هذا الطعام هنا في الآية 2 من سورة المائدة ثم يحله لنا في الآية 4 من نفس السورة!!!


لا شك أننا نحن الذين لم نفهم مدلول الآية. وأما نساء النصارى فلم نر فيهن من ينطبق علهن وصف المحصنات ،هن متبرجات ومشركات والله حرم على المؤمنين نكاح المشركات في قوله تعالى:ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم…) والنصارى يعتقدون في المسيح اعتقادا مزدوجا :أنه ابن الله وأن الله هو المسيح، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فأي شرك أعظم من ذلك وأي كفر أكبر من قولهم إن الله هو المسيح!!

إذن فالكتاب الذي أنزل من قبل القرآن هو التوراة، والذين أوتوه هم اليهود بنو إسرائيل وليس النصارى، لا تجد في القرآن آية واحدة تقول إن الله آتى النصارى الكتاب وإنما نجد في كثير من الآيات أن بني إسرائيل هم الذين آتاهم الله الكتاب ، قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ…).


إذن فبني إسرائيل هم الذين أوتوا الكتاب ، أما النصارى فيصح أن يسموا (أهل الكتاب) لأنهم أخذوه عن بني إسرائيل وأضافوا إليه ما يسمى بالعهد الجديد ، ومع أن التوراة تعتبر كتابا مقدسا عند النصارى إلا أنهم لا يحلون حلاله ولا يحرمون ما حرمه فهو منسوخ بأسفار بولس.هم حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ من بعد بني إسرائيل ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا بادعائهم أن أحكامها وحلالها وحرامها لا يعنيهم وغير ملزمين بها.


الخلاصة هي أن كل من أوتي الكتاب يعتبر من أهل الكتاب ، وليس كل أهل الكتاب هم من أوتوه، فإذا جاء ذكر (أهل الكتاب ) في القرآن فذلك يعني (اليهود والنصارى) ، أما إذا جاء ذكر (الذين أوتوا الكتاب ) فذلك لا يعني إلا اليهود، فالمسلمون الصينيون لا يقال عنهم (الذين أوتوا القرآن) ولكن بما أنهم مسلمون فهم (أهل القرآن)، أما الذين أوتوا القرآن فهم الذين أنزل بلسانهم على نبي منهم (العرب).


إذن فالكتاب (التوراة) آتاه الله بني إسرائيل، والكتاب (القرآن) أوتيه العرب، وبنو إسرائيل والعرب هم آل إبراهيم، قال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
الآية تبين أن الذين أوتوا الكتاب هم حصريا آل إبراهيم (اليهود والعرب)، وبناء على هذه الآية وعلى ما سبق فإن أي ذكر ل( الذين أوتوا الكتاب) إذا أطلق على غير العرب فهو لا يعني إلا اليهود.


الآية في سورة المائدة تتكلم عن اليهود ( الذين أوتوا الكتاب) ، لو كان الكلام عن اليهود والنصارى معا لكان اللفظ المناسب هو (أهل الكتاب) وليس ( الذين أوتوا الكتاب) .

لنعد إلى الآية الخامسة من سورة المائدة ثم نرى هل يصح أن يكون النصارى هم المقصود ب (( الذين أوتوا الكتاب) !!
الآية تحل للمسلمين طعام الذين أوتوا الكتاب ، وهؤلاء هم أنفسهم الذين أحل الله نكاح المحصنات من نسائهم، لو كان هؤلاء هم النصارى فلا حرج على المسلمين المتواجدين في ديار النصارى أن يدخلوا سوبر ماركت ويشترون طعام النصارى باعتباره حلالا (حسب فهمهم للآية التي تحل طعامهم مطلقا) ، وليشتروا لحم الخنزير فهو من طعام النصارى، ولحم البقر والغنم الغير مذبوح فليأكلوه هنيئا مريئا ،

أليست الميتة والمنخنقة والمصعوقة بالكهرباء طعام النصارى والآية حسب مفهومهم تحل لهم طعام النصارى !!
يقول تعالى في نفس الآية : (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )، هل النصارى يؤمنون بالقرآن لكي يشرع لهم فيقول لهم إن طعام المسلمين حلال لكم ؟!!

النصارى لا توجد عندهم مسألة الحلال والحرام ولا فرق عند النصراني أن يشتري الطعام من جزار مسلم أو جزار ياباني.

أما إذا اعتبرنا الآية تتكلم عن اليهود فإن كل طعام اليهود حلال فهم لا يأكلون الخنزير واللحم مذبوح واسم الله مذكور عليه أثناء الذبح، واليهودي الملتزم إذا لم يجد جزارا يهوديا فسيأتي باللحم من جزار مسلم باعتباره حلال لأنه مذبوح وهذا تفسير واقعي لقول الله (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ).

ثم بعد ذكر طعام الذين أوتوا الكتاب قال الله بعد ذلك : … وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ …)، فهؤلاء النساء هن نساء اليهود (الذين أوتوا الكتاب)، ولا يمكن أن يكن محصنات النصارى كما لا يمكن أن يكون المقصود بالطعام السابق ذكره طعام النصارى، ولأن الله سبق أن حرم نكاح المشركات مطلقا، والله تعالى لا يبدل القول لديه.” اهـ

وهذا القول عندي أقوى من القول المشهور بأن الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى, وبناءً عليه تتغير كثيراً من التصورات, مثل تلك المتعلقة بالجزية:

” قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة : 29] “

الأمر ليس بقتال أي غير مسلم, وإنما قتال فرقة ضالة من الذين هادوا.

فإذا انتقلنا إلى مصطلح “اليهود” وجدنا اختلافاً بشأن معناه اللغوي, فقيل أنه مشتق من -هاد- بمعنى رجع، وسموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل، وقالوا إنا هُدنا إليك أي تبنا ورجعنا.

وقيل: إن أصل كلمة يهود من -التهوّد- وهو الصوت الضعيف اللين الفاتر، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة.

وقال بعضهم: إنما سمي اليهود يهودا نسبة إلى -يهوذا- ؛ وهو رابع أولاد يعقوب عليه السلام ؛ فعرب هذا الاسم بقلب الذال دالاً فقيل يهود، وأدخلت الألف واللام على إرادة النسب فقيل “اليهود”

والرأي المشهور أنه بمعنى العودة أي التوبة والرجوع من عبادة العجل, فاليهود هم التائبون العائدون عن عبادة العجل!

إلا أننا نرى في الكلمة رأياً آخر, فنرى أن الهود هو عكس الاعتداء, لاحظ أن الله تعالى أرسل إلى قوم عاد (العادين المعتدين) الرسول هود.

والهود أصل يدل على تليين وسكون, فنجد ابن منظور يقول في لسان العرب:
“والهَوادةُ: السُّكونُ والرُّخْصة والمحاباة.


وفي حديث عمر، رضي الله عنه، أُتِيَ بِشاربٍ فقال: لأَبْعَثَنَّكَ إِلى رجل لا تأْخُذُه فيك هَوادةٌ. والتَّهْوِيدُ والتَّهْوادُ والتَّهَوُّدُ: الإِبْطاءُ في السَّيْر واللِّينُ والتَّرَفُّقُ.
والتَّهْوِيدُ: المشيُ الرُّوَيْدُ مثل الدَّبيب ونحوه، وأَصله من الهَوادةِ.
والتَّهْوِيدُ: السَّيْرُ الرَّفِيقُ. ……” اهـ
ونقول بالعامية المصرية: “هاوده لغاية ما تاخد غرضك”

فالذين هادوا هم الذين حالهم اللين والترفق والهوادة والخضوع والتذلل, وسيدنا موسى دعا الله أن يكتب لهم الحسنات في الدنيا والآخرة لأنهم خضعوا وتذللوا إليه.

فإذا تركنا الأصل اللغوي للكلمة وجدنا أنه لا فرق عند أصحاب القول السابق بين “اليهود” و “الذين هادوا”, فالذين هادوا هم اليهود! وكلاهما أتباع موسى عليه السلام.

إلا أن الناظر في القرآن يجد أنه يفرق بين اليهود والذين هادوا, فهو لم يخاطب “اليهود” في موطن من المواطن السبع التي ذكروا فيها, ولا كانت المواطن مواطن مدح وذم ولا كانت حديثا عن بعضهم أو أكثرهم, وإنما كانت كلها مواطن ذم وضلال لهم ككل, فنجد الرب يقول:

“وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة : 113]
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة : 120]


وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [المائدة : 18]


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة : 51]
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة : 64]
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ [المائدة : 82]
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة : 30]”

بينما يختلف الحال مع الذين هادوا في المواطن العشرة التي ذكروا فيها, فمن الممكن أن يكونوا من المفلحين:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة : 62]
ومنهم منحرفون:
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء : 46]
فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً [النساء : 160]
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة : 41]
وحرم عليهم أشياء لأفعالهم:
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام : 146]
كما أنهم خوطبوا:
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الجمعة : 6]

ومن ثم يمكننا القول أن القرآن لم يستعمل مفردة “اليهود” كاسم دال على كل أتباع موسى عليه السلام, وإنما كاسم لفرقة ضالة كافرة, فأتباع موسى هم: الذين هادوا! وهم كغيرهم فيهم معصية وطاعة … الخ, كما رأينا في الآيات:

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة : 44]”

أما اليهود فهم فرقة ضالة, اتخذت لنفسها اسماً غير الإسلام, وفي هذا يقول الأستاذ عيسى القدومي:
” وجاء في “مفصل العرب واليهود في التاريخ”صفحة/ 925: “إنهم يرجعون إلى بقايا جماعة يهوذا الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق.م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا 139-685 ق.م، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد،
ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى عليه السلام إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، – كما فصلنا في الباب الأول – ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد”.

وقد نبه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في رسالة له باسم “الإصلاح والتعديل فيما طرأ على اسم اليهود والنصارى من التبديل” – وفيها تحقيق بالغ- أن “يهود” انفصلوا بكفرهم عن بني إسرائيل زمن بني إسرائيل، كانفصال إبراهيم عن أبيه آزر، والكفر يقطع الموالاة بين المسلمين والكافرين كما في قصة نوح مع ابنه، ولهذا فإن الفضائل التي كانت لبني إسرائيل ليس ليهود فيها شيء،
ولهذا فإن إطلاق اسم بني إسرائيل على يهود يكسبهم فضائل ويحجب عنهم رذائل، فيزول التمييز بين “إسرائيل” وبين يهود المغضوب عليهم، الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولهذا يرى بعضهم أن لفظ اليهود هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل… وهو لفظ أعم من لفظة “عبرانيين” و”بني إسرائيل” وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم. ” اهـ

ويؤكد هذا ما كتبته موسوعة ويكيبديا حول كلمة “يهودي”, فتقول:
“أصل مصطلح “يهودي” وطريقة استخدامه في العهد القديم لايعرف إلا من المصادر الدينية وخاصة من أسفار الكتاب المقدس، وتشير هذه المصادر إلى أن أصل لقب “يهودي” باسم يهوذا بن يعقوب وأطلق أصلا على أبناء السبط الذي خرج منه، ثم أطلق على سكان مملكة يهوذا التي أسسها أبناء السبط مع أبناء بعض الأسباط الأصغر العائشين بجواره.

في الوثائق الآثارية تذكر هذه المملكة باسم “بيت داود” نسبة إلى سلالة الملك داود (النبي داود في الإسلام). في سفر الملوك الثاني (18، 26) يذكر اسم “يهودية” كاسم اللهجة المحكية في مدينة أورشليم، منذ السبي البابلي أصبح لقب يهودي يشير إلى كل من خرج من مملكة يهوذا وواصل اتباع ديانتها وتقاليدها (مثلا في سفر إستير)،” اهـ
ويدفعنا هذا لقبول القول القائل بأن هؤلاء هم الذين أخذوا التقاليد الوثنية لكنعان وصاروا يعرفون باليهود.

والناظر في سيرة ابن هشام يجد أن “يهود” المدينة كان يقال لهم “يهود” أو “معشر يهود”, ولم تُستعمل كلمة “اليهود” كإشارة إليهم إلا بشكل متأخر, وتشير طريقة استعمال “يهود” إلى أنها دالة على جنس وقبيلة وليس على دين, فنجد ابن إسحاق يروي:

“فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إنّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمّدٌ أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ ….
ثُمّ خَرَجَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ يَهُودَ حَتّى جَاءُوا غَطَفَانَ ……
قَالَتْ صَفِيّةُ فَمَرّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ ….
فَقَالُوا : نَفْعَلُ قَالَ تَعْلَمُوا أَنّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ……
قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ ،
وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ …..” اهـ

إذا فاليهود ليسوا هم الذين هادوا فأتباع موسى الذين منهم المؤمن والعاصي هم الذين هادوا, أما اليهود فهم فرقة ضالة, ولأنهم تميزوا باسم فأسقط هذا الاسم بعد ذلك على كل أتباع موسى.

فإذا تركنا اليهود والذين هادوا وانتقلنا إلى النصارى والذين قالوا إنا نصارى, وجدنا أن “نصارى” ذُكرت دوما مرتبطة باليهود أو بالذين هادوا, فإذا جاءت مرتبطة بالذين هادوا كانت في موطن رحمة:

” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة : 62]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة : 69]”

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج : 17]”

وإذا جاءت معطوفة على اليهود, كانت إشارة إلى ضلال, كما رأينا في الآيات السابقة التي تحدثت عن اليهود!

وجاء “الذين قالوا إنا نصارى” في موطنين اثنين فقط, كلاهما في المائدة, الأول بعد الحديث عن أخذ الميثاق من بني إسرائيل, ونلاحظ أن الله تعالى لم يأخذ ميثاقهم كلهم وإنما أخذ الميثاق من بعضهم:

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة : 14]

والموطن الثاني كان تميزا عن اليهود والذين أشركوا, فهؤلاء أشد الناس عداوة للذين آمنوا, أما أقربهم مودة فالذين قالوا إنا نصارى:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ [المائدة : 82]
ونلاحظ أن الله تعالى لم يأخذ الميثاق من النصارى وإنما من الذين قالوا “إنا نصارى” فهنا إشارة إلى أنه ليس ثمة دين اسمه النصرانية, وإنما هناك قوم قالوا إنا نصارى (كما يقال وللأسف: سني وشيعي) ثم تحولت الصفة إلى اسم (كما اشتق اسم من الفعل: هاد> يهود), فاسم الدين الحقيق ضاع تحت فعل وصفة!!

وبشكل عام فإن النصارى أقل سوءً من اليهود، وأفضلهم الذين قالوا إنا نصارى, أما الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم أو إن الله ثالث ثلاثة فهؤلاء لم يعتبرهم القرآن من النصارى, وإنما قال أنهم قد كفروا, وأكدها بقوله “لقد” في ثلاث مواطن (وهي المواطن الوحيدة التي أكد فيها كفر أحد ب: لقد), فقال:

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة : 17]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة : 72]
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة : 73]

والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

تعليق واحد

  1. بخصوص ما قلتم “إذن فالكتاب الذي أنزل من قبل القرآن هو التوراة…”
    فما بال الإنجيل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.