الفرق بين الإنزال والتنزيل.

وصلنا بحمد الله إلى السؤال الأخير في سؤالات الأخ عبدو بخصوص فكر الدكتور شحرور, والمتعلق بالإنزال والتنزيل, والذي قال فيه:

بالنسبة لمسألة الانزال والتنزيل … كيف تفهم ايات الانزال مثل ( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) الزمر 6 هل المقصود الانزال من السماء ؟ ام شيء اخر؟
والناظر في فكر الدكتور شحرور يجد أنه يعد فهم الإنزال والتنزيل عنصراً محورياً في فهم الرسالة, ويفرق بينهما, فيقول أن:
“الإنزال هو نقل المعلومة من شكل غير قابل للإدراك الإنساني إلى شكل قابل للإدراك. وقد تم هذا الإنزال دفعة واحدة بالنسبة للقرآن.

التنزيلهو نقلة موضوعية خارج الوعي الإنساني، تم فيها تنزيل الإنزال على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. وفي الرسالة تلازم الإنزال والتنزيل لأنها من عند الله مباشرة.

هذا في حالة وجود إنزال وتنزيل لشيء واحد مثل القرآن والماء والملائكة والمن والسلوى. أما في حالة وجود إنزال دون تنزيل كما في حالة الحديد واللباس، فإن الإنزال هو عملية الإدراك فقط “أي المعرفة فقط”.” اهـ

وهذا تعريف ما أنزل! الله به من سلطان, لا يرجع إلى اللغة بحال, وإنما إلى تصورات موجودة لديه مسبقاً, فأنزلها! على الكلمات.

والدكتور شحرور ليس أول من حاول التفريق بين “الإنزال” و “التنزيل”, فقد كان للسابقين محاولات بهذا الشأن, ففرق بينهما الزمخشري ، وتابعه عليه بعض المفسرين
فقال الزمخشري: “فإن قلت: لِمَ قيل: نزل الكتاب، وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة”.

وهذا التفريق راجع إلى اختلاف الوزن, فمن مدلولات صيغة ( أَفْعَل ) في العربية حدوث الفعل دفعة واحدة ، وصيغة (فَعَّل) تدل على تكرار حدوث الفعل والتكثير، مثل: (قطّع وكسّر وحرّق), ويظهر الفرق بينهما بالمثال, فمثلا :

( أعلمت فلانا المسألة ) يفيد إعلام وقع مرة واحدة ، بينما قول : ( علّمت فلانا الحساب) يفيد تكرار الإعلام.
كما قالوا أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة واحدة, بينما فُرق القرآن, لهذا استحق الاختلاف.

وثمة رأي قريب من هذا قال به الإمام الألوسي, وهو أن الفعل (أنزل) يُستعمل في حق التوراة والإنجيل من جهة أنهما نزلا دفعة واحدة، بينما يُستعمل الفعلان { نزل } و{ أنزل } مع القرآن لأن القرآن أنزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل على دفعات على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الإمام الآلوسي:

“التعبير بأنزل فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد، وهذا بخلاف القرآن، فإن له نزولين، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه: { نزل } و{ أنزل }، وهذا أولى مما قيل: إن { نزل } يقتضي التدريج { وأنزل } يقتضي الإنزال الدفعي”. اهـ

قلت: وهذا قول لا دليل عليه فالقرآن لم يُنزل من اللوح المحفوظ ولا مما يُسمى ببيت العزة, فتنزيل القرآن من الله رب العالمين.

وثمة رأي آخر يقول “أن التغاير بين الفعلين ليس من باب أن القرآن نزل على دفعات، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة، بل الأمر مرجعه إلى قوة أحد الفعلين؛ إذ إن الفعل المضعف يدل دلالة أقوى على الحدث من الفعل غير المضعف
فقولك: (فسَّر) أقوى من (فَسَر)، و(فرَّق) أقوى من (فَرَق)، و(كسَّر) أقوى من (كسر)، فالفعل المضعف يدل على تقوية الفعل، ويكون المقصود هنا بيان فضل القرآن وهيمنته على غيره من الكتب

كما قال تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } (المائدة:48).

قال ابن عاشور موضحاً هذا المنحى: “إن العدول عن التعدية بالهمز، إلى التعدية بالتضعيف، لقصد ما عُهد في التضعيف من تقوية معنى الفعل، فيكون قوله: { نزّل عليك الكتاب} أهمَّ من قوله: { وأنزل التوراة }؛ للدلالة على عظم شأن نزول القرآن”.

وبقريب من هذا الرأي قال العلامة فاضل السامرائي, فقال:
“لكن الذي يبدو أن الفرق بين نزّل وأنزل أنه نزّل تفيد الاهتمام نظير وصى وأوصى وكرّم وأكرم ففي المواطن التي فيها توكيد واهتمام بالسياق يأتي بـ (نزّل) والتي دونها يأتي بـ (أنزل).
نضرب أمثلة:
قال تعالى في الأعراف (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71))


وقال في يوسف (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40))


وقال في النجم (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23))

. ننظر السياق في الأعراف فيها محاورة شديدة حيث قال
(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)) فيها تهديد، كلام شديد من أولئك كيف تتركنا نترك آلهتنا ونعبد الله فقال (نزّل).

في سورة يوسف قال تعالى (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40)) لم يردّ عليه السجينان وليس فيها تهديد إذن الموقف يختلف عن آية سورة الأعراف فقال أنزل.

في النجم (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)) لم يردّوا عليه ولم يكن هنالك محاورة ولا تهديد، إذن الأشد (نزّل)، هذا أمر. إذن نزّل آكد وأقوى في موطن الاهتمام أشد من أنزل.

و (على) أقوى من (إلى) وتأتي (على) في الغالب في العقوبات (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) الذاريات) وفيها معنى الاستعلاء هي استعلاء ولذلك كان فيها معنى الشدة والقوة، أما (إلى) فليست كذلك وإنما تفيد منتهى الغاية فقط.” اهـ

والرأي الأول لم يقم على استقراء شامل فثمة آيات كثيرة تنقضه وتخالفه, والرأي الثاني لا يعطي تفريقا حقيقاً, وإنما إطار أدبي.

والحق يقال أني حاولت طويلاً الوصول إلى فارق حتى كدت أن أترك, إلى أن وصلت إلى فارق بينهما, بعد معاناتنا الطويلة لتحديد معنى النزول, ولكن نعرض قبل ذلك مقالاً لعلامة اليمن الأستاذ إسماعيل الكبسي –مأخوذا من موقعه الشخصي- قدّم فيه تفريقاً مقبولا بين “نزّل” و “أنزل” فقال:

“فقد طفقت أتابع الكلمتين في الآيات، وأتأمل في سياقها بحثاً عن الدلالات؛ حتى وصلت إلى الفهم الشافي، والتفسير الوافي، بعون الله الكافي ، ولقد كان مفتاح الباب إلى تتبع المعنى والتنقيب الدائب ما قاله العلامة الرضي في شرح شافية ابن الحاجب، حول الأفعال المضعفة.


فلقد أشار إلى أن تضعيف كلمة أنزل بأن يقال [نزَّل] لا يدل على التكرير، كما زعم رجال التفسير؛ بل لها معنى آخر يلوح لمن له قلب مستنير. ودلل على قوله بآية كريمة، تدعم ما يذهب إليه من نظرة سليمة، وتدحض النظرات السقيمة؛ تلك هي قوله تعالى في سورة الشعراء: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء:4].
فإن ورود كلمة (نُنَزِّل) المضعفة في هذا السياق لا تدل على التكرار؛ لأن الآية تنزل دفعة واحدة بلا تكرار ولا تتابع، هذا أولاً – وهو قول صحيح ودليل واضح على ما ذهب إليه- ثم ما ورد في سورة الفرقان في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [الفرقان:32].

فلقد وردت كلمة (نزل) مضعفة مع أنهم طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، وهذا يعني أن الكلمة لا تعني التكرير والتتابع. (…………….)

لقد تأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك، أن كلمة (نزَّل) بالتضعيف تأتي في السياق الذي يدل على تنزيل خاص لفرد خاص أو مجموعة خاصة وبصفة خاصة بينما كلمة (أنزل) بالهمزة والتخفيف تأتي في السياق الذي يعني إنزالاً عاماً لا يخص فرداً معيناً ولا جماعة مخصصة ولا حالة خاصة ولكن للناس عامة وللأمم عامة ولحالات عامة بدون تخصيص ولا تحديد.

ثم إن كلمة (نزَّل) تعني إلى جانب ما تعنيه من الخصوصية الاهتمام الخاص بالمنزل إليه والعناية الخاصة بالمنزل عليه؛ بينما لا تفيد كلمة (أنزل) الإشارة إلى هذا الاهتمام بل تأتي في سياق الإلقاء للخاص والعام. وهكذا يكون الفهم لمعنى الكلمتين في سياق الآيات.

لنقرأ قوله تعالى، حاكياً تعنت الكفار وطلبهم المعجزات من الرسول في سورة الإسراء فلقد أورد عدداً من المطالب حتى وصل إلى قوله: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا)[الإسراء: 93].

تأملوا قولهم: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى (تُنَزِّلَ) عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه). إن كلمة (تنزِّل) جاءت لتدل على أن المراد “التنزيل الخاص” الذي يصل إليهم بعناية واهتمام، ويخصهم بالخطاب والكلام.

ثم إن مثل هذا الطلب المتعسف، ورد في سورة الزخرف: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31]. فإن كلمة (نزَّل) وردت لتدل على أن المراد تنزيل خاص إلى شخص مخصوص وبعناية واهتمام يليق بالرجل العظيم، ويتناسب مع مقامه المزعوم.

ولتأكيد هذه الخصوصية وردت الكلمة في سورة الإسراء: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا)[الإسراء: 106]. فلقد تنزل القرآن على رسول الله محمد تنزيلاً خاصاً ليقرأه على مكث على الناس وليبلغه إلى الناس بشكل واضح مبين.

ولنعرف أن هذا المعنى هو المراد، فإن الآية التي سبقت هذه تستعمل كلمة أنزل لتدل على أنه إنزال عام: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) فهو بالحق متلبس، وهو له ملابس في حالة الإنزال وفي حالة النزول؛ ليكون للعالمين الدليل على أن الله هو الهادي إلى سواء السبيل، وأنه الهادي إلى الحق لا سواه؛ ولهذا فإنه وحده المتفرد بالحكمة والإرسال، والوحي والإنزال؛ ولكنه يختار من الملائكة والناس ما يختار من الرسل وهو السميع البصير.(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) [الحج: 76].

وعليه: فإنه يعتني باختيار رسله من الملائكة ومن الناس فإذا تحدث عن إنزال الملائكة استعمل كلمة (نزَّل) المضعفة التي تدل على العناية والاهتمام الخاص؛ (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1) (يُنَزِّلُ) الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النمل: 1-2].

لاحظوا كلمة (ينزِّل الملائكة) فإنها مضعفة. وكذلك قال في سورة الإسراء: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) [الإسراء: 95].

وحين يتحدث الملائكة عن أنفسهم يستعملون نفس الكلمة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64].
وحين يتحدث الله عن القيامة يقول: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) [الفرقان:25].

وقوله عن ليلة القدر: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5)) [القدر: 4-5].

وحين يريد الله أن يؤكد أن القرآن منزل من عنده بلا ريب فإن كلمة (نزَّل) ومشتقاتها ترد متوالية، سواء في الحديث عن الملائكة أو عن القرآن كما ورد في سورة الحجر، فالله يحكي قول المكذبين فيقول: (وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر:6].

فهم ينادون النبي بما يدعيه ويستعملون الكلمة التي تدل على الاختصاص (نزَّل) كما يدعيه بأنه منزل عليه، وهم بهذا يسخرون أو يطمعون أن يكون التنزيل لهم معه؛ ولهذا فهم يطلبون دليلاً على ما ادعاه وهو قولهم: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ) [الحجر:7]. لكن الله يجيب بلهجة التهديد، والتلويح بالوعيد، ويستعمل كلمة (نُنَزِّل): (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) [الحجر:8].
ثم يؤكد أن القرآن منزل من عنده بعناية واهتمام ويستعمل كلمة (نزَّل): (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

ومثل هذا جاء في سورة الإنسان: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)) [الإنسان:23-24].
أما حينما يتحدث عن الكتاب ويصفه بصفات خاصة فإن استعمال كلمة (نزَّل) المضعفة هي المناسبة بلا إشكال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:23].

وهكذا تأتي كلمة (نزَّل) المضعفة في سياق التأكيد على التنزيل الخاص الذي يهم الناس،
فالله يقول: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [الحج: 71].
ومثل هذا قال هود لقومه: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنتَظِرِينَ) [الأعراف:71].

لعلي بهذا قد أثبتُّ ما أريد أن أوضحه لكم، ولست بحاجة إلى المزيد من الآيات لأترك لكم فرصة التأمل في ما تركته من الآيات ولتصلوا إلى الحقيقة بأنفسكم؛ لكني لن أترك الحقيقة حتى أدعمها بقضية تؤكدها بوضوح، وتدعمها بالخبر الصحيح. استمعوا إلى الحواريين وهم يطلبون المائدة من المسيح: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 112].

إنهم يطلبون مائدة تتنزل بشكل خاص وبعناية خاصة وإلى فئة خاصة- هم هؤلاء المجموعة من الحواريين- منفردين لا يشاركهم غيرهم؛ ولهذا فإنهم يدعمون هذا الطلب بما يوضحه: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ) [المائدة: 113].

وهنا يجد عيسى نفسه محتاجاً لما طلبوا فيتوجه إلى ربه سائلاً طالباً، ولكن بطريقة مختلفة عن طلبهم: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) [المائدة:114].
لقد استعمل كلمة أنزل بدون تضعيف. لماذا؟.
لأنه لا يطلبها للحواريين وحدهم، ولا لمن يعاصره منهم ولكن له ولهم ولمن يلحقهم من المؤمنين أي لأولهم وآخرهم؛ ولهذا وصفها بأن تكون لهم عيداً، أي تعود في كل عام وتنزل على من اتبعه من المؤمنين بشكل عام، وفي وقت محدد من الأعوام؛ لتكون آية من الله ورزقاً من خير الرازقين. لقد قدم الطلب بأسلوب مؤدب

وجعل القضية آية من الله لمن آمن بالله وأحب، وعمم الخير لكل المؤمنين به في كل الحقب. وهنا يستجيب الله للطلب؛ ولكنه يتوعد من كفر وكذب؛ بأنه بعذاب خاص سيعذب.

(قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ). لقد استعمل كلمة (نزل) ليدل على أنه منزلها بعناية واهتمام، وبالصفة التي أرادها المسيح في كل عام. ولكن الله يتوعدهم بقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ) [المائدة: 115].

وعلى هذا فإن المائدة لم تنزِل، بل لم تنزّل؛ لأن شرط المسيح عليه السلام الذي جعلها عيداً، وتهديد الله لهم والوعيد هو الذي ألغى طلب الحواريين وجنبهم عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين، فسبحان الله القوي المتين، والحمد لله خير الرازقين.

وبعد فلعل القضية قد تكون اتضحت لكم وأصبح الإنزال غير التنزيل، وفهمنا أن كلمة (أنزل) لا تدل على المرة بل على الكثرة بشكل عام، وأن كلمة (نزَّل) لا تدل على التكرار بل على الخصوصية والاهتمام.

لكن قد يسأل سائل عن قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر:1]. وقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) [الدخان:3]. وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2)مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا(3)وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا(4)) [الكهف: 1-4].

لقد أخبر أنه أنزله على عبده ولكنه استعمل كلمة (أنزل)، وهذا ينقض ما قلت، ولكني أقول أن في الآيات إشارة إلى أن الكتاب أنزل للناس كلهم بلا تحديد إلى الجهة المستهدفة من الإنزال؛ لكنه في سورة الفرقان يقول: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)[الفرقان:1]. فيستعمل كلمة نزل لأنه ينظر إلى الشخص المنزل عليه الفرقان وهو الرسول خاصة ثم للعالمين من بعده؛ ولهذا قال: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) فالتنزيل على واحد مخصوص لينقله إلى العالمين وينذر به من يعون.

وعليه: فإن المعنى في الآيات الواردة لا يتناقض؛ لأن الكلمة تستعمل بالنظر إلى الجهة المستهدفة من الإنزال أو التنزيل؛ فإن كانت الآيات ناظرة إلى فرد مخصوص أو حالة مخصوصة؛ استعمل كلمة نزل
وإن كانت ناظرة إلى جماعات مستهدفة وحالات عامة؛ استعملت كلمة أنزل، وهذا يلحظه من يتدبر الآيات ويتأمل. ولتأكيد هذا المعنى تعالوا معي إلى ما يقوله لرسوله أمام المعاندين المطالبين بالآيات والمعجزات. يقول: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأنعام:7].

فالآية هنا ناظرة إلى الرسول فإنه المقصود بالتنزيل المشار إليه ليستدل به على نبوته أمام من كذب به، فكان لا بد من استعمال كلمة (نزَّل) المضعفة. لكنه جاء بعدها: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) [الأنعام:8].
فالآية هنا ناظرة إليهم، إلى المكذبين المعاندين، فهم يطلبون إنزال ملك إلى الرسول ليكون معه نذيراً لهم ليصدقوه تماماً كما قالوا في سورة الفرقان: (لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) [الفرقان:7]. فهم المقصودون بالإنزال هنا لا الرسول بخصوصه. (………….)

وبعد أن فرّق بين “أنزل” و “نزّل” قدّم معنى للإنزال قريباً من المعنى الذي قال به الدكتور شحرور, فقال:
“وعليه: فإن كلمة “أنزل” تعني أظهر وأبان؛ لأن الله عنده خزائن الأشياء والأكوان وهو يوجدها بكلمة كن فكان، وليس معنى الخزائن أن عنده مخازن مكدسة وخزائن، فهو يكوّن الأشياء ثم يظهرها من العدم إلى العيان. ولا يصرفها من مخازن مكدسة بالأجسام كما يفعل الإنسان، وليس لديه أمر صرف ولا خزان للمخزون بل يقول للشيء كن فيكون.

وعليه فإن الله حين يقول: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) [الحجر:21]. فإنما يعني أنه الخبير بالمكونات والأكوان وفي علمه كل أسرار الخلق والإتقان، وكل خفايا الإيجاد والإحسان.

فإذا أراد للشيء الوجود والتكوين قال له كن فيكون، فإذا هو ظاهر بين أيدي الناس به ينعمون وهو أخبر بما يريدون وبمقدار ما يحتاجون، وهذا هو معنى قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ). أي نظهره ونبرزه للوجود بقدر ما يحتاجه الخلق وبما يفيد ولا ينقص ولا يزيد، وكيف لا وهو الخبير بما يخفى وأقرب إلينا من حبل الوريد. وهكذا فإن كلمة “أنزل” تعني أظهر وأخرج وأوجد وقدر.

وعلى هذا المعنى قال الله في سورة هود: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [هود: 12]. فإن قوله: (أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) يعني أظهر عليه أو أخرج له بدليل أن بعدها (أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) فلقد استعمل كلمة جاء مع الملك مع أن الملك في مفهومنا يتنزل من أعلى إلى أسفل لكن الواقع أنه يجيء من حيث لا ندري وهذا هو التعبير اللائق بالله العظيم.

فليس له عرش محسوس وكرسي ولكنه قريب من كل شيء. ثم إن كلمة “أنزل” قد جاءت في مقام تدل على أصلها وفي سياق يؤكد معناها الأصلي ذلك هو قوله في سورة الأنعام: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ).

إن قول هذا الظالم المفتري (سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) وهو عربي اللسان يعني ما يقول ويعرف معنى الكلام. إن قوله هكذا لا يعني أنه يزعم ويدعي أنه سينزل كلاماً من السماء ولكن يعني أنه سيقول ويظهر لنا كلاماً من فمه ولسانه الماثل أمامنا على الأرض فلماذا استعمل كلمة (سأنزل) ثم (مثلما أنزل الله).
إن هذا يعني أن “أنزل” تعني أظهر وأخرج وهو المعنى الأصح وعليه جاءت الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة متعلقة بأشياء أرضية محسوسة كقوله تعالى: (يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا).

فإن الإنزال هنا يعني الإظهار والإخراج في الأرض بلا شك، وكيف لا ولله ملك السماوات والأرض وإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، وكذلك قوله تعالى في سورة الزمر مخاطباً بني آدم: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [الزمر:6].

هل الأنعام أنزلت؟ وكيف أن المراد أظهرت وأخرجت بكلمة كن التي يتكون بها كل شيء فالله له الملك لا إله إلا هو الحي القيوم وبيده ملكوت كل شيء وسر كل شيء ولا يعجزه شيء؟ وبهذا العلم والقدرة والحكمة والخبرة قال في سورة الحديد: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد:25].

فهل الحديد كما يقول بعض السطحيين جاءنا منزل من أعلى إلى الأرض أو من نجم يتوفر فيه الحديد أكثر من الأرض كما يقول بعض السطحيين؟
كلا، بل إن الحديد أظهر للناس في الأرض وبقدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون ومن خزائنه التي هي العلم والقدرة وسرعة الحساب في التكوين فبعلمه وقدرته أظهر الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليبتلي الناس كيف يستخدمون هذه البأس هل للحق أم للباطل. هل لله أم للطاغوت، ولكنه مع ذلك (قوي عزيز) فهو لا يعجزه شيء وهو الغني عن كل شيء وهو الغالب على أمره وكل شيء إليه فقير وبه مقهور.

وعلى هذا المعنى يحمل إنزال القرآن وبه يحمل تساؤل المفسرين عن قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). كيف قال أنزلناه في ليلة القدر مع أنه أنزل على فترة ربع قرن؟ ثم حاولوا حل الإشكال
والإجابة على السؤال، بأن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا دفعة واحدة في ليلة القدر ثم استمر جبريل يتنزل به على الرسول بحسب ما استجد من أحداث وأمر، وهذا كلام لا يصح في حق الله الذي يعلم السر وأخفى، والذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ولا يليق بمن يعلم ما نسر وما نعلن، بل القرآن كان يتنزل بعلمه في كل حال وزمن، عاشه الرسول المؤتمن.
وإذن فالمراد بكلمة “أنزلناه” أظهرناه في ليلة القدر وهكذا تحمل الآية التي تقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]. فإنها تعني أن شهر رمضان كان موعداً لإظهار القرآن فشهر رمضان أظهر فيه القرآن وقد كان ذلك في ليلة منه هي ليلة القدر وهكذا يتضح الأمر.
ولتأكيد أن المراد بالإنزال الإظهار نجد الله يقول عن الرسول: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157].

فهل محمد الرسول أنزل حتى يكون النور منزلاً معه؟
الحقيقة أنه أظهر وأخرج للناس وأمته والمتبعون له هم خير أمة أخرجت للناس ودين الحق هو الذي أظهره الله. ولهذا يقول الله في سورة الطلاق: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ..) [الطلاق: 10-11].

فالذكر هو القرآن وها هو قد أبدل منه الرسول فكلاهما منزلان فكيف يكون الرسول منزلاً وهو معنا في الأرض؟
!إن المراد ظهوره وقيامه بالإنذار، وهكذا فإن النور قد ظهر معه، ولهذا فهو يتلو آيات الله مبينات. (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق: 11].

ولتأكيد ما أقول تعالوا نقرأ آخر سورة الطلاق، وكيف يصف الله نفسه بأنه العليم الخلاق: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
أسمعتم؟! أفهمتم؟!
فهو الخلاق العليم وكل شيء في السماوات والأرض يسير بأمره وسائر على هداه المستقيم وكيف لا فهو القدير على كل شيء ، المحيط بكل شيء وهو العلي العظيم. وبهذا فإن كل ما يتنزل إنما هو إظهار للموجود، من الغيب إلى المشهود، فالله ذو العرش المجيد، فعال لما يريد؛ (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83)) [سورة يس].” اهـ

وقوله بأن الإنزال يعني الإظهار والإبانة هو معنى مستنتج لا يعتمد على أصل اللغة, وليست العبرة بأن المعنى مقبول معقول, وإنما هل هو مدلول الكلمة فعلا؟!

لذا ننظر في اللسان لننظر ما مدلول الكلمة, فإذا نظرنا في لسان العرب ألفينا ابن منظور يقول:
” النُّزُول: الحلول …. وأَنزَله غيرُه واستنزله بمعنى، ونزَّله تنزيلاً، والتنزيل أَيضاً: الترتيبُ. والتنزُّل النُّزول في مُهْلة. ……. وفي حديث الجهاد: لا تُنْزِلْهم على حُكْم الله ولكن أَنزِلْهم على حُكْمِك ….. يقال: نزلْت عن الأَمر إِذا تركتَه …… والنِّزالُ في الحربْ: أَن يتَنازَل الفريقان، وفي المحكم: أَن يَنْزل الفَرِيقان عن إِبِلهما إِلى خَيْلهما فيَتضاربوا، وقد تنازلوا. …… النُّزُل والنُّزْل: ما هُيِّئَ للضيف إِذا نزل عليه.
ويقال: إِن فلاناً لحسن النُّزْل والنُّزُل أَي الضيافة؛ …… والمُنْزَلُ الإِنْزال، تقول: أَنْزِلْني مُنْزَلاً مُباركاً.
ونَزَّل القومَ: أَنْزَلهم المَنازل. وتَزَّل فلان عِيرَه: قَدَّر لها المَنازل. …… والمنزِلة: الرُّتبة، لا تجمَع.
واستُنْزِل فلان أَي حُطَّ عن مرتبته. ….. وفي حديث ميراث الجدِّ: أَن أَبا بكر أَنزله أَباً أَي جعل الجدَّ في منزلة الأَب وأَعطاه نصيبَه من الميراث. ……….. والنازِلة: الشديدة تنزِل بالقوم، وجمعها النَّوازِل. المحكم: والنازِلة الشدَّة من شدائد الدهر تنزل بالناس، ………. وأَرض نَزْلة: زاكية الزَّرْع والكَلإِ.
وثوب نِزِيل: كامِلٌ. ورجل ذو نَزَلٍ: كثير الفَضْل والعطاءِ والبركة؛ …” اهـ

والمعنى المتداول المألوف للكلمة هو أن النزول بمعنى الهبوط أو الحط, إلا أن هذا المعنى غير دقيق, فيمكن اعتباره صورة من صوره, والمعنى الذي وصلت إليه من خلال نظري في مدلولات الكلمة المختلفة في اللسان والقرآن هو أن النزول هو: “الانخلاع عن أو التوجه إلى مستقر مؤقت أو دائم”

(لاحظ أن “نزل” مزيدة من “زل” مثل: مزلة الأقدام, والتي يظهر بمضاعفتها: “زلزل”, وشبيهة ب: “نقل” ولا علاقة لهما بالهبوط)

فالمنزل هو المكان الذي يستقر فيه الإنسان بعد سعيه في الطرقات, وكذلك فالمسافر ينزل ضيفاً على المقيمين, والرسول في غزواته كان ينزل مواطن كثيرة ثم يتركها, والقمر قدره الله منازل, فله منازل منها ما هو أعلى من غيره, وهي كلها منازل, وللمتقين نزلٌ عند ربهم هي محل استقرارهم في الجنة بعد رحلتهم في الدنيا. ومن ذلك “المنزلة” وهناك منزلة عليا ومنزلة دنيا وكلها منازل. والإنسان ينزل عن الرأي كأنه كان مستقرا عليه ونزل عنه, وينزل (بناءً) على رأي فلان.

فالنزول حركة واستقرار متبادلان, بغض النظر عن الصعود والهبوط, وربط المتأخرون العرب النزول بالهبوط, اعتماداً على الآيات الكثيرة التي ذكرت إنزال الكتاب وإنزال الماء, على الرغم من أنه لم تأت آية واحدة تذكر إنزال الماء بدون تقييده ب: “من السماء”

ولو كان النزول انحطاطاً لما كان التقييد بالسماء واجباً, ولكان مما يفهم بداهة.

كما أن الله تعالى لم يقل أنه أنزل الكتاب من السماء (ولا من بيت ولا من لوح, كما ادعى المدعون), وإنما قال أنه أنزل منه سبحانه فهو تنزيله, كما اعترض على طلب المشركين وأهل الكتاب بأن يُنزل عليهم كتاب من السماء:
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ … [النساء : 153]

ومن خلال الآيات المذكورة وأخرى قادمة يظهر أن “الإنزال” تركيز على الحلول والمستقر:
“وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [المؤمنون : 29]”
بينما “التنزيل” إشارة إلى النقل وإلى المصدر الذي نُزل منه:

” وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر : 21]”

” قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل : 102]”

فلم تقل آية أن القرآن/ الكتاب إنزال من رب العالمين, بينما قال أنه تنزيل من ..:
” تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه : 4]”

” وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء : 192]”

ولهذا لم يأت “تنزيل إلى”, وإنما “نزلنا على” “وأنزلنا على/ إلى”.

ونلاحظ أن الله تعالى أكد “نزّل” بالمصدر:
وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً [الإسراء : 106]
بينما قال في سورة المؤمنون “أنزلني منزلا” ولم يقل: إنزالاً.
إذا فالتركيز في الإنزال على الاستقرار والمستقبِل وفي التنزيل على النقل والمنزِل.

ومن ثم فلا إشكال في فهم آية ” وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ …[الزمر : 6]”

فالله تعالى لم يقل أنه أنزلها من السماء, وإنما أنزلها, وهذا يعني أنه جعلها مستقرة عندنا ومتاحة ومتوفرة لنا ولأجلنا.
وكذلك: ” يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف : 26]
فاللباس لم يُهبط عليهم من السماء وإنما جعله الله شيئا ملازماً لهم.

والملاحظ في آيات “الإنزال” أو “التنزيل” أن الله لم ينزل/ يُنّزل “إلى” الناس إلا “الكتاب وآياته” (وذكرت الملائكة افتراضا):
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء : 105]

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء : 10]

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام : 111]

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان : 7]

بينما “أنزل ونزّل” عليهم الكتاب والملائكة والجند والماء واللباس والسلطان والفضل وآمنة نعاسا ومائدة:

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام :7- 9]
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم : 35]

… وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج : 5]

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة : 57]

وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ [يس : 28]

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ … [آل عمران : 154]

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة : 114]

ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ [التوبة : 26]
والفارق بين نوعية المذكور في الآيات يظهر الفارق في المعنى, فالله أنزل إلينا الكتاب والآيات فهي مما يمكن أن يؤخذ ويناول فهي وصلت إلينا, ونحن نتبعها أو نعرض عنها, نقبلها أو نرفضها.

أم “الإنزال على” فلا يحمل في طياته معنى الاختيار وإنما معنى الإلزام والإحاطة والشمول والشأن والإصابة, فالماء لن ينزل إلى الناس وإنما عليهم, وكذا السكينة تُقذف في القلوب ولا يتلقاها الإنسان, والجند تنزل بالعذاب مما لا يقوم إنسان لدفعه, وكذلك الطعام واللباس مما لا يد للإنسان في خلقه وإنما في استهلاكه وتصنيعه.

نرجو بهذا أن نكون قدمنّا للسائل وللقراء تفريقاً بين “الإنزال والتنزيل” –نسأل الله الإصابة والتوفيق والسداد”, (وإن كنا لم نغلق الباب لمن يأتي بعدنا)
وأظهرنا أن تعريف الدكتور شحرور لا مستند له في اللغة, وأن ليس كل ما يُعقل يُقبل, وإنما العبرة بالمستند اللغوي السليم.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.