إن الله جميل!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه هو عن تصور لا بد أن يستحضره الإنسان في نفسه وهو يتعامل مع ربه, وهذا التصور هو الجمال!

وذلك لأن كثيرين يتعاملون مع الله من باب الرهبة والرغبة فقط, بمعنى أنني أطلب من الله وأخشاه, ولكن مسألة الحب هذه مهملة!

ومن أكبر ما يجذب الإنسان إلى الحب هو الجمال!
ولقد نبه النبي الكريم على هذه المسألة فقال: إن الله جميل يحب الجمال!

لأن كثيرا من المتدينين –تدينا شديدا ناقصا مغلوطا- ينسون هذه النقطة, فتجد الواحد منهم مهملا لنفسه ولهيئته ولا يهتم إلا بالعبادات!

وهذا التصور الرهباني غير مقبول في الإسلام, فالإسلام يدعو لإنتاج الإنسان الكامل, ذلك الذي يتحرك على جميع مستوياته الحياتية, وليس ذلك الذي يضيع جوانب من أجل جانب, ومن أجل تحقيق هذا التوازن كانت حزمة التعاليم الربانية في القرآن.

ولكن كيف يدرك الإنسان جمال الله وهو لم ير الله, ولا يستطيع أن يتخيله, لأنه ليس كمثله شيء, فهو سبحانه ليس له صورة! فكيف يستشعر الإنسان جمال الله؟

يستشعر الإنسان هذا الجمال من خلال نظره فيما حوله, ينظر في الكون , ينظر في السماء, ينظر في النباتات, ينظر في البحار والأنهار, ينظر في الصحاري, ينظر في أي خلق طبيعي فسيرى فيه جمالا فتاكا!

والعجيب أن عامة الناس غفلوا عن هذا الجمال, فتجد الواحد منهم يتقلب في الطبيعة ولا يجيل بصره فيه ويلذ نفسه بها!
أصبحنا لا نرى الجمال إلا في المصنوع المختلق, المصبوغ المغموس في الألوان الفاقعة, فهذا هو الجمال! على الرغم من أن فعلنا هذا أضاع أهم ملمس في الجمال, وهو التناسق!

فالجمال في صنعة الإنسان قائم على إبراز وإطغاء عنصر واحد في الصنعة, والتركيز عليه, ومن ثم تضيع باقي الصورة!

فإذا نظرنا حولنا في الكون وجدنا التناسق البديع, والمناظر الخلاقة, التي تجذب الإنسان جذبا! وعلى الرغم من ذلك فالناس غافلون!

من منا الآن ينظر إلى السحاب يتأمل في حاله وجماله؟!
من منا يتأمل في النباتات المحيطة به ليرى الجمال المكنون فيها؟
صدتنا بعض ذرات التراب, فما عدنا نرى الجمال إلا في الملمع!
انظر حولك فستجد أن الكون نافع جميل, وكان من الممكن أن يخلقه الله تعالى نافعا غير جميل, نافعا عمليا!
ولكن الكامل لا ينتج إلا على قدره, فعلى قدر الله كان خلقه!
خلقا بديعا جميلا, فتأمل في هذا الجمال تعرف كم أن الله جميل!

ولقد ذكرنا الله تعالى بالجمال عند حديثه عن الأنعام!

نعم حتى الأنعام فيها جمال!
وهذه الدواب المظلومة لا يتذكرها أحد عند الحديث عن الجمال, فإذا ذكر الجمال انصرف الذهن إلى الماء والخضرة والوجه الحسن, وقد ينصرف إلى بعض الحيوانات البرية, ولكن أن نتحدث عن الجمال, فيكون حديثنا عن البقر والغنم والجمال والماعز! فهو قول مستغرب!

ولكن الله تعالى قال:
“وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل : 5-6]”
وغفلتنا عن جمال هذه الحيوانات لأننا لا ننظر إلا إلى المنافع الموجودة فيها, ولامتهاننا لها! ولكن لو حدث وتأملها الإنسان ووضعها في صورة متكاملة, حيث تتحرك هذه الدواب والشمس تغرب أو تشرق, لرأى فيها جمالا طبيعيا كبيرا!

وهذا –والله أعلم- هو السر في أن الله تعالى قال: ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون!
فالجمال مرتبط بهذين الوقتين, عندما تتكامل الصورة الطبيعية, بغروب الشمس أو شروقها مع حركة هذه الحيوانات, وهذا المشهد يصلح كلقطة طبيعية, يرسمها الإنسان!

والملاحظ أن عامة الفنانين يرسمون لحظة الشروق والغروب ونادرا ما وجدنا من رسم الظهيرة! فإذا أدخلنا هذه الحيوانات في هذا المشهد حصلنا على صورة أكثر من رائعة!

إذا فالتأمل في خلق الله تعالى يشعر الإنسان بالجمال, والله جميل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده!

فالإنسان هو أظهر خلق الله عزوجل, وينبغي فيه أن يكون أكثر الكائنات جمالا وظهورا, ولكن بدون سرف أو بطر!
فإذا شوهد الإنسان المسلم جذب الأنظار, لاستقامة قوامه ولشدة بنيانه ولتناسق أعضائه, ولثيابه الجميلة المهذبة التي يرتديها!

وخير الناس من إذا شوهدوا ذُكر الله عزوجل!
ولا يقتصر الأمر على الطبيعة والإنسان, وإنما يعرفنا الله عزوجل أن الجمال قد يكون في المجردات, فيأمرنا بالصبر الجميل, وبالصفح الجميل! وبالتسريح الجميل, بل وبالهجر الجميل!


فيقول:
“وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف : 18]
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر : 85]
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً [الأحزاب : 28]
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج : 5]
وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً [المزّمِّل : 10]
وهكذا تتحول معاملات الإنسان مع أخيه الإنسان إلى تعاملات كلها جمال في جمال, فيصبر على أخيه الصبر الجميل ويصفح الصفح الجميل, فلا يحمل في نفسه لأخيه شيئا!
وذلك لأنه يعامل خلقة الله, خلقة خلقها بيده فيرجو أن يحافظ على جمالها!
لأنه إذا عاملها بجمال فستظل –غالبا- على جمالها, فلا يظهر الوجه القبيح للإنسان!

وهكذا يعم العالم جو من الجمال المعاملاتي! فيستشعر الإنسان جمال الله عزوجل!

وإذا كان الله تعالى يأمر عبيده بالصفح الجميل والصبر الجميل, فهو جماع سمات الخير والكمال, فهو أصل الخير والكمال,
فإذا قرأ الإنسان هذه الأوامر, علم أن الله تعالى يصبر على الإنسان ولا يعذبه إلا بعد أن يمهله الإمهال الكبير ويعطيه الفرص الكبيرة الكثيرة, فيرفضها الإنسان ويستمر في العدوان!

يعلم أن كل فعل الله جميل, لأن من يأمر بالجمال لا بد أن يكون جميلا!
فيعظم حب الله في قلبه,
ذلك الإله العظيم الذي خلق هذا من أجل الإنسان وسخره له!
فما أجمله من إله, وما أحلمه من رب!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.