سورة الشمس, إشارات جلية!

كنا قد تكاسلنا عن تناول هذه السورة لأننا رأينا أن مفرداتها واضحة جلية لكل الأخوة تقريبا, ولكنا رأينا أن نتناولها لنوضح بإذن الله الرابط بين هذه الأقسام وبين السورة وبين المقسم عليه, ولكي نوضح بعض المواطن البلاغية الموجودة في السورة, مساعدة لبعض الأخوة التي طلبوا هذا.

تبدأ السورة بقوله تعالى “وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا”

أول ما يلحظه القارئ لهذه السورة هو كثرة عدد الأقسام المذكورة في هذه السورة, ففي غيرها من السور كان عدد المقسم به يتراوح بين إثنين وخمسة, أما هنا فعدد المقسمات بها إحدى عشر في سبع آيات في سورة كل عدد آياتها خمس عشرة آية, فلم الكثرة في هذه السورة تحديدا؟ وما هو الرابط بين هذه المقسمات بها وبين المقسم عليه وبين باقي السورة؟

نبدأ أولا بتحليل وعرض هذه الآيات ثم بعد ذلك نقدم بإذن الله للقارئ العلاقة:
أقسم الله تعالى في هذه السورة بأقسام مختلفة, فأقسم بالشمس والقمر والسماء والأرض, كما أقسم بالليل والنهار والضحى, وأقسم بنفس وما سواها وبما بنى السماء وبما طحى الأرض. ويمكننا تقسيم هذه المقمسات بها إلى مجموعات عدة:

أول شكل يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: الشمس ومتعلقاتها, فالشمس مقسم بها مطلقا, ثم ضحى الشمس, ثم القمر في حال تلوه للشمس, ثم النهار في حال تجليته للشمس, ثم الليل في حال غشيانه للشمس. والقسم الثاني هو والسماء والأرض والنفس وما بناها وما طحاها وما سواها.

أو القول بأنه ذكر الأجرام السماوية, ثم ظواهر كونية ثم نفس ثم الذي بنى وكون هذه الأجرام. ويمكننا أن نقسمها تقسيمة أخرى:

والشمس وضحاها (مقسمان بهما مطلقان)- والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها (ثلاث مقسمات بها مرتبطة بحالة معينة)- والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها- (ثلاث أيضا مرتبطات ولكن نلحظ أن الأخير “نفس” أتت منكرة بخلاف ما قبلها من المقسمات بها)

وإليك بعض الأوجه البلاغية في هذه السورة:
أول وجه بلاغي في هذه السورة هو عرضها الشيء ومعكوسه “والشمس و…” “والقمر إذا …” – “والنهار إذا جلاها” “والليل إذا يغشاها” (وهنا التضاد في الشيء وفعله وليس فيه فقط.) – “والسماء وما بناها” “والأرض وما طحاها”.

ثاني وجه بلاغي هو ترتيب عرض محل ظهور الجرم تبعا لترتيب ذكره في أول السورة. ففي الآية الأولى ذُكر الشمس وفي الثانية القمر, فتأتي الآية التالية فتذكر أولا النهار وهو محل ظهور الشمس, ثم بعد ذلك الليل وهو محل ظهور القمر.

ثالث وجه بلاغي هو ذكره محل عمل وتأثير الأجرام والمظاهر المذكورة بترتيب تنازلي تبعا للتأثر وللاستقبال, فبدأ بالسماء وفيها تجري وتسبح كل الأجرام والمظاهر, ثم ثنى بالأرض وفيها وعليها يظهر تأثير هذه الأجرام والمظاهر, ثم ثلّث ب “نفس” تستقبل كل هذا وتتأثر به, ومن أجلها خُلق كل هذا.

رابع وجه بلاغي هو الفاصلة التي انتهت به السورة, والتي جاءت في السورة كلها منهية ب “ها”

خامس وجه بلاغي هو ذكر أشكال مختلفة للتأثير في الأجرام المختلفة مناسبة لكل جرم “بناء وطحو وتسوية”

سادس وجه بلاغي هو المقابلة المنتشرة في السورة, فبخلاف ما ذكرنا, فهناك مقابلة بين الفجور والتقوى في آية واحدة, وهناك مقابلة بين ” قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا” ” وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”, كما أن التزكية والدس إشارة إلى السماء والأرض السابقتي الذكر.

وهناك بعض الأوجه الأخرى والتي سنعرض لها عند تناولنا للسورة, ونبدأ في تناول الآيات:

المشهد العام للأقسام:
يقدم الله تعالى في هذه الآيات مشهدا طبيعيا متكاملا متداخلا, فيقسم بالشمس ذلك الجرم المنير المتحرك في السماء وكذلك بظهور نوره وعلوه, ثم يقسم بالقمر عندما يتلو الشمس بعد أن تختفي, ثم يقدم لنا الخلفية المؤثرة في الشمس وهي النهار الذي يكشفها والليل الذي يغشاها (جزئيا!) وهما كذلك متعاقبان يخلف بعضهما بعضا, كما يتلو القمر الشمس!

ثم ينتقل الله تعالى بنا إلى محل ظهور هذه الأجرام السماوية فيبدأ بالسماء العالية العظيمة وما جعلها على هذه الهيئة, ثم ينخفض إلى الأرض وما صورها بهذه الصورة! وكيف أن هذين الجرمين متكاملان, (وليسا متضادين مثل العناصر الأربعة السابقة والتي لا تجتمع في آن واحد) فهما حاضران في المشهد في آن واحد, فالأرض الأساس والسماء السقف! ثم يختم الله تعالى هذه المشاهد الفلكية كلها بجرم مخالف لها كلها وهو سيدها والحاكم عليها وهو النفس وما سواها, أن من يزكى النفس فقد أفلح ومن دساها قد خاب.

والعلاقة بين هذه الأقسام هو التداخل والتكامل والتقاطع والمحل, كما يحدث في النفس البشرية, فكل العوامل تتداخل فيها, من ضلال وهداية وفجور وتقوى, وتتابع هذه العوامل في النفس, فقد تتعرض النفس لموقف هداية ثم يتبعه مباشرة داعي ضلال,
وحسبا لرد فعل النفس تكون حالتها, فقد تستفيد بها فتعلو فتصير مثل السماء العظيمة البناء, أو تُعرض عنها فتصبح مثل الأرض المطحوة.

ونبدأ في تناول الآيات منفردة, يبدأ الله تعالى السورة بقوله: والشمس وضحاها, يقسم الله تعالى بالشمس مطلقا, ذلك الجرم العظيم الذي ينير الأرض في حال حركته, وكذلك بضحاها. والضحى معروف, وهو كما جاء في المقاييس:
“الضاد والحاء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على بُروز الشيء. فالضَّحَاء: امتداد النَّهار، وذلك هو الوقت البارز المنكشف. ثمَّ يقال للطعام الذي يُؤكل في ذلك الوقت ضَحاء. قال:ويقال ضحِي الرَّجلُ يَضْحَى، إذا تعرَّضَ للشَّمْس، وضَحَى مثلُهُ.” اهـ

والعجيب أن بعض الأقوال جعل الضحى النهار كله! ثم ينتقل الله تعالى في الآية التالية إلى قسم مخصوص وهو قوله: “والقمر إذا تلاها” أي أن الله تعالى يقسم في هذه السورة بالقمر في حال تلوه للشمس. واختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى, فقالوا كما جاء في تفسير الفخر الرازي:

“وفي كون القمر تالياً وجوه أحدها : بقاء القمر طالعاً عند غروب الشمس ، وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس ، فإذا القمر يتبعها في الإضاءة، وهو قول عطاء عن ابن عباس وثانيها : أن الشمس إذا غربت فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب ، وهو قول قتادة والكلبي وثالثها : قال الفراء : المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال : فلان يتبع فلاناً في كذا أي يأخذ منه ورابعها : قال الزجاج : تلاها حين استدار وكمل ، فكأنه يتلو الشمس في الضياء والنور يعني إذا كمل ضوؤه فصار كالقائم مقام الشمس في الإنارة ، وذلك في الليالي البيض وخامسها : أنه يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس ، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها .” اهـ

والتدقيق في الآية يرجح لنا معنى من ضمن هذه المعاني, فالله عزوجل استعمل صيغة الماضي “تلاها”, وكثير من الأقوال المذكورة يناسبها المضارع “يتلوها”,

لذا فإن الراجح والله أعلم أن المراد من تلو القمر للشمس هو تلك الأيام التي يظهر فيها القمر بعد الشمس, فالقمر له مدار محدود, ولكنه يظهر في أيام ويختفي في أخر, فيقسم الله لالقمر في حال تلوه للشمس في تلك الأيام التي يظهر فيها! ثم ينتقل الله تعالى إلى قسم جديد وهو قوله “والنهار إذا جلاها”, وسببت هذه الآية إشكالا كبيرا للمفسرين, إذا أن المتعارف عليه أن الشمس هي التي تسبب النهار, فكيف يجلي النهار الشمس, لذلك حاول بعضهم تجاوز هذه النقطة فقال بأن عود الضمير على الأرض وإن لم يجر لها ذكر لأنه مفهوم. ولكن الواضح من السياق ومن الآيات التالية أن الحديث عن الشمس التي بُدأ الحديث بها. فكيف يجلي النهار الشمس؟

إن المتعارف عليه بين العلوم البشرية أن النهار ناتج عن الشمس وأن الليل ناتج عن غيابها, أما الناظر في كتاب الله عزوجل فيلاحظ أن الله تعالى يذكر وجودا مستقلا لكل منهما, فالنهار له وجود مستقل عن الشمس وكذلك الليل له كيانه القائم بذاته وليس مجرد انعدام ضوء, ولنتأمل في الآيات التالية:
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل : 12]
فنلاحظ في هذه الآية تقديم ذكر الليل والنهار على الشمس والقمر, و ذكر تسخير لهما, ولو كانا ناتجين عن الليل والنهار لما كان لتخصيصهما بالذكر فائدة, فإذا نظرنا في آية تالية وجدنا الله تعالى يقول:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[الأنبياء:33] فالليل والنهار مخلوقان, وليسا مجرد أثر أو عدم.
ثم يقول الله تعالى:
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت : 37]
فالليل والنهار قبل الشمس والقمر من آيات الله
فإذا نظرنا في قوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان : 29]
نجد أن الله عزوجل نسب فعلا لليل والنهار ونسب التسخير للشمس والقمر, وتظهر الصورة جلية في الآية التالية:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف : 54]

, وإذا وكما رأينا فهناك وجود مستقل لليل وللنهار, والشمس ما هي إلا علامة في النهار وتمدنا فيه بما نحتاجه من الحرارة وما شابه.

وهناك بعض العلماء من عرض الآية بشكل مختلف, فقال:
والمقصود بكون النهار‏ يجلى الشمس هو أن شدةاستضاءة الشمس داخل منطقة النهار, فإذا صعدت فوق حدود الغلاف الجوى لا تراها صفراء شديدة الإضاءة لاتستطيع أن تنظر إليها بل تراها زرقاء باهتة, فشدة الإستضاءة لقرص الشمس لا يكون إلا بوجود الغلاف الجوي. أى لا يتم إلا فى منطقة النهارحيث تتوافر الأعداد الهائلة من الجسيمات التى تشتت ضوءالشمس,

فالنهار ليس مجرد ضياء بلحالة مؤقتة مركب, ويشترط وجودالشمس والغلاف الجوى الكثيف القريب من الأرض معا لحدوثها ولا يوجد فى الكواكب الخالية من الغلاف الجوىكما أن هذه الحالة ( النهار)يشترط حدوثها لزيادة شدة استضاءة الشمسوهذا هو المقصود بلفظ تجلية الشمس. اهـ ونلاحظ أن الله تعالى استعمل “جلو” ولم يستعمل “ظهر” أو “كشف” لأن النهار لا يظهرها وإنما يجليها, والتجلية كما جاء في المقاييس:

“الجيم واللام والحرف المعتل أصلٌ واحد، وقياسٌ مطّرد، وهو انكشاف الشيء وبروزُه. يقال جَلَوْتُ العروسَ جَلْوَةً وجَلاَءً، وجَلَوْت السيف جَلاءً. وقال الكسائيّ: السماء جَلْواءُ أي مُصْحِية. ويقال تجلَّى الشيءُ، إذا انكشَفَ.” اهـ
والذي نراه أن المراد من الجلو في اللغة هو زيادة الانكشاف لا الانكشاف أصلا, إذا فالنهار يزيد الشمس ظهورا, كما قلنا من قبل!

 

وبعد أن أقسم الله عزوجل بالنهار في حالة تجليته للشمس, يذكر قسما آخر وهو “والليل إذا يغشاها”, والذي أعجب له أن السادة المفسرين لم يتوقفوا عند هذه الآية, فقالوا أن الليل يغشى الشمس, مع أن المعروف أن للشمس وقت ولليل وقت, فكيف غشى الليل الشمس ومتى؟

كما قلنا سابقا فإن لليل وجود قائم بذاته, لا أنه مجرد غياب ضوء, فالليل يغشى الشمس دوما في الفضاء الخارجي, فإذا نحن انتقلنا إلى المستوى الأرضي وجدنا أن الليل يغشى الشمس في حال غروبها, ففي هذا الوقت يولج الله الليل في النهار, وفي هذا الوقت فقط يمكن لليل أن يغشى الشمس.

والغشيان كما قلنا جزئي وذلك عند وقت الإيلاج وذلك في وقت الغروب, فعندما يتداخل الليل مع النهار تحدث عملية الغشيان, وعندما يتداخل النهار مع الليل تحدث عملية الإجلاء, فالليل لا يزال موجودا ولكن مع دخول النهار فيه يكشف النهار ضوئه وبذلك يتم إجلاء الشمس!

ونلاحظ أن الله تعالى استعمل الماضي مع القمر ومع النهار فقال: “تلاها, جلاها” واستعمل المضارع مع الليل فقال: “يغشاها” وهذا لأن القمر قد لا يتلو الشمس لذا استعمل الماضي, وكذلك النهار قد لا يجلي الشمس لوجود الضباب أو التراب أو الغيم أو أي حائل يمنع, أما الليل فهو لا محالة يغشى الشمس ولا يوجد ما يمنعه من غشيانها, لأنه يغشاها خارج الغلاف الجوي دوما لذلك عبر بالمضارع.

ثم يقسم الله تعالى بثلاث أقسام مختلفات وهي “والسماء والأرض ونفس” والعنصر المشترك بين هذه المقسمات الثلاثة هي قوله تعالى “وما”, فما المراد بقوله “ما”؟ وهل هي أشياء مختلفة أم أنها كلها شيء واحد؟

المشتهر بين المفسرين أن “ما” هنا مصدرية أي والسماء وبناءها, وقيل أن القول بمصدريتها فاسد, والمراد من “ما” هنا “من” أي والسماء ومن بناها, والمراد من الباني بداهة المولى عزوجل.

ولكن يواجهنا هنا إشكال وهو كيف يقدم الله عزوجل المخلوق على الخالق, وكيف يستعمل “ما” التي لا تأتي إلا في التعميم ومع غير العاقل مع الله عزوجل؟ ولقد حاول الإمام الفخر الرازي تجاوز هذه النقطة فقال
:
“السؤال الثالث : لم قال : { وَمَا بناها } ولم يقل : ومن بناها؟ الجواب : من وجهين الأول : أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها والثاني : أن ما تستعمل في موضع من كقوله : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 22 ] والاعتماد على الأول.” اهـ

ولقد كنا قد قلنا عند تناولنا لسورة الليل:
“والرأي المشتهر والمتعارف عليه هو أن المراد من “ما” هنا “من” وهي عائدة على الله سبحانه وتعالى, أي أن الله تعالى أقسم بخلقين من مخلوقاته ثم أقسم بعدهما بنفسه بصيغة غير العاقل!

وهذا الفهم مأخوذ من فهمهم لسورة الشمس, عندما فهموا قوله تعالى “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها”, فقالوا: المراد من “ما سواها” هو حتما الله سبحانه وتعالى!

والعجيب أن “ما” لاتستعمل أساسا في اللغة إلا مع غير العاقل, وهم يقرون بذلك, ويرون أن هذا هو الإساسولكنهم يستثنون ويقولون بجواز استعمالها مع العاقل! فعلاما استندوا في قولهم هذا؟ العجيب أنهم استندوا إلى الآيات التي نحن بصددها, فهم يستدلون بموطن خلاف ليثبتواقاعدة استثنائية,

أما نحن فنرى أن “ما” لا تستعمل إلا مع غير العاقل, ومن الممكن أن تستعمل مع العاقل إذا كان مبهما أو من باب المشاكلة, وبداهة لا يمكن أن يكون الله عزوجل مبهما فهو أعرف المعارف …… فلنا أن نرى أن المراد من ذلك هو المادة التي بنى الله عزوجل بها السماء, وكذلك البنية التي أنشأ الله تعالى النفس فيها.

وكما قلنا في سورة الليل نقول هنا, فالله تعالى نسب فعل إلهام الفجور والتقوى إلى مادة الإنسان نفسه, أي أن الله تعالى خلقالإنسان وسواه على هيئة وفي طبيعة تجعله يفعل الفجور والتقوى,

وهذا شيء في طبيعة الإنسان نفسه, لا أنه يكتسب الفجور أو التقوى من المجتمع, وإنما الإنسان بطبعه يحمل صفات الانحراف, كما يحمل صفات التقوى. وأعتقد أن هذا الفهم لا حرج فيه, فهو لا يخالف اللغة المشتهرة, كما أنه لا يخالف العقيدة, فهو ينسب الفعل ظاهرا إلى السبب الأرضي, ولكنه يقر أنه في نهاية المطاف هو بتقدير الله عزوجل وتسويته, فليس بناء النفس هو الفاعل وإنما هو مفعول لأمر الله وتقديره” اهـ

ولقد رد علينا بعض الأخوة معترضا على قولنا بأن المراد من “وما بناها” أو “وما سواها” هو المادة التي بُني منها الشيء, فقال:
“قياسا علي قولك فإن- ما -في ” وما سواها ” لا تكون مادة الانسان لأن المادة وهي جزء من الذات أو النفس وقع عليها التسوية ولكن الفاعل الذي هو -ما -غيرها،وأيضا -على قولك-فإن -ما – هذه لا تعود على الله ولذلك أقول إن المادة المحايدة لا تلهم الفجور ولا التقوى إذ أن المادة غير حاضرة في السياق وأري أن الفاعل غير العاقل الذي تدل عليه – ما – لايزال غير معروف وإن كنت أرجح أن نوع من القوي أو الطاقة والله أعلم” اهـ
ونحن نرى أن الصواب هو ما قاله الأخ, ورجعنا عما قلنا به.

وهنا نسأل: ما المراد إذا ب “ما” هنا, إذا لم تكن مصدرية ولا يراد بها الله عزوجل؟

والحق يقال أن “ما” هذه جعلتنا نتوقف كثيرا عن مواصلة الكتابة في هذه السورة, إلى أن أظهر الله عزوجل لنا فيها فهما مقبولا, وهو أن المراد من “ما” هنا هو الملائكة!

فالناظر في القرآن يجد أن الملائكة تقوم بأدوار كثيرة, فهي تنزل الوحي وتنصر المؤمنين وتنزل العذاب, وتتوفى الأنفس وهي أصحاب النار وتتنزل بكل أمر من أوامر الله. ولننظر في بعض الآيات التي ذكر الله عزوجل فيها أدوار الملائكة:

مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ [الحجر : 8]
فالملائكة لا تنزل إلا بالحق, وفي حالة نزولهم للبشر فلن يتأخر عنهم العذاب بل سيأتي مع الملائكة!
والملائكة تتوفى البشر:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل : 28]
والملائكة تنصر المؤمنين:
“إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالفمن الملائكةمردفين”
والله يصطفي من الملائكة رسلا:
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج : 75]
والملائكة تنزل لطمئنة المستقيمين المؤمنين:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت : 30]
وهناك وظائف وأدوار أخرى للملائكة, منها ما ذكره الله تعالى في قوله:
إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم : 4]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم : 6]
َتنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر :4 ]

فما المانع أن يكون المراد من “ما” هنا الملائكة التي باشرت هذه العملية, ونحن وإذا كنا نقر أن الله تعالى هو الخالق الحقيقي والمسوي الحقيقي, ولكن كما قلنا فنسبة الفعل إلى المُباشر جائز لا حرج فيه, كما نقول: تتوفى الملائكة أنفس الذين كفروا, وإن كان المتوفي هو الله عزوجل!

وبهذا القول نكون قد ألغينا كل الإشكاليات الواردة في هذه الآيات, من حيث الجانب اللغوي والعقدي والعقلي والمنطقي, فالله تعالى يقسم بالسماء وبالملائكة التي بنتها وبالأرض والملائكة التي طحتها وبالنفس وبالملائكة التي سوتها! -ولا حرج في استعمال “ما” مع الملائكة, لأن الملائكة ليست ذكورا أو إناثا. والملائكة يستعمل معها ما يدل على المذكر أو على المؤنث أو حتى على العام, لأنها ليست من طبيعة كوننا ابتداءا المحكوم بالزوجية!-

فإذا قلنا أن المراد من “ما” هنا الملائكة, زال الحرج والإشكال المطروح من تقديم “السماء والأرض و النفس” لأن هذه مخلوقات وتلك مخلوقات أيضا, ولكن هذه هي الظاهرة للعيان, و لكن الأخرى الخفية هي المباشرة المنفذة لأمر الرحمن!

لذا فيمكننا القول –والله أعلم- أن الله تعالى يقسم بالسماء العظيمة وبالملائكة التي باشرت عملية بناءها, وبالأرض الممهدة للإنسان وبالملائكة التي باشرت عملية طحوها! والطحو كما جاء في المقاييس:
الطاء والحاء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على البسط والمدِّ. من ذلك الطَّحْو وهو كالدَّحْو، وهو البَسْط. قال الله تعالى: وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، أي بَسَطها، وقال تعالى في موضع آخر: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا، ويقال طحا بك هَمُّكَ يطحو، إذا ذَهَبَ بك في الأمر ومدَّ بك فيه. قال علقمة:
طحا بك قلبٌ في الحِسانِ طَروبُ بُعَيدَ الشَّبابِ عَصْرَ حان مشيبُوالمُدوِّمة الطَّواحِي: النُّسور تستدير حول القَتْلَى.” اهـ

وجاء في اللسان:
“المُطَحِّي اللازِقُ بالأرض. رأيته مُطَحِّياً أَي مُنْبَطِحاً.
والبَقْلة المُطَحِّية: النابتَةُ على وجه الأَرضِ قد افْتَرَشَـتْها.
وقال الأصمعي فيما رَوى عنه أبو عبيد: إذا ضرَبَه حتى يمتدّ من الضَّرْبَةِ على الأَرضِ قيل طَحَا منها؛ وأَنشد لصَخْر الغَيّ: وخَفِّضْ عَليكَ القَولَ، واعْلَم بأَنَّني منَ الأَنَسِ الطَّاحِي عليكَ العَرَمْرَمِ وضَرَبَه ضرْبةً طَحا منها أَي امْتَدَّ؛ وقال: له عَسْكَرٌ طاحِي الضِّفَافِ عَرَمْرَم ومنه قيل طَحا به قلْبُه أَي ذهب به في كلِّ مَذْهَبٍ؛ قال عَلْقَمة بنُ عَبدَة: طَحا بكَ قلبٌ، في الحِسانِ طَرُوبُ، بُعَيْدَ الشَّبابِ، عَصْرَ حانَ مَشيبُ قال الفراء: شَرِبَ حتى طَحَّى، يريدُ مَدَّ رجليه؛ قال: وطَحَّى البعيرُ إلى الأَرض إِمّا خِلاءً وإمّا هُزالاً أَي لَزِقَ بها.
وقد طَحَّى الرجلُ إلى الأَرض إذا ما دَعَوْه في نَصْرٍ أَو معروفٍ فلمْ يأْتِهِم، كلُّ ذلك بالتشديد؛ قال الأصمعي: كأَنه رَدَّ قوله بالتخفيف (* قوله «قال الأصمعي كأنه رد قوله بالتخفيف» هكذا في الأصل وعبارة التهذيب، قلت كأنه يعني الفراء عارض بهذا الكلام ما قال الأصمعي في طحا بالتخفيف.) والطاحي: الجمع العظيمُ.” اهـ

أي والملائكة التي عالجت الأرض معالجة شديدة حتى بسطتها وجعلتها ممتدة مناسبة للإنسان

ونتوقف لنعرض وجها بديعا في الترتيب المذكور, وهو أن الله تعالى ذكر السماء وبناءها ثم الأرض وطحوها ثم نفس وتسويتها, وهذا هو الترتيب الذي تم به الأمر,
وهو الوجه الذي به يستفيد الإنسان منهما. فالسماء بنيت أولا ثم بعد ذلك كان طحو الأرض, ثم بعد ذلك كان تسوية الإنسان. فنلاحظ أن الله عزوجل لم اكتفى بذكر التسوية فقط مع النفس وإن كانت الخطوات السابقة تفهم من السماء والأرض, فكما بنيت السماء فحتما ولزاما بنيت هذه النفس,

وكما طُحيت الأرض فلزاما طحيت النفس وعولجت حتى صارت جاهزة للتسوية. والإنسان ينتفع بطحو الأرض, فلو لم تكن مطحوه لسببت له المشاق والمتاعب, والسماء لو لم تكن مستقرة غير متقلبة ولو لم تكن كبيرة جدا لكانت عنصر ضيق للنفس.

ثم يختم الله تعالى بقوله: “ونفس وما سواها”, ونلاحظ هنا أن الله تعالى استعمل كلمة “نفس” نكرة بخلاف كل السابقات والتي جاءت معرفة, فلم؟
اجتهد الإمام الفخر الرازي اجتهادا يُحسب له في هذه النقطة فقال في تفسيره:
“فإن قيل : لم نكرت النفس؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : أن يريد به نفساً خاصة من بين النفوس ، وهي النفس القدسية النبوية، وذلك لأن كل كثرة، فلا بد فيها من واحد يكون هو الرئيس، فالمركبات جنس تحته أنواع ورئيسها الحيوان، والحيوان جنس تحته أنواع ورئيسها الإنسان، والإنسان أنواع وأصناف ورئيسها النبي. والأنبياء كانوا كثيرين، فلا بد وأن يكون هناك واحد يكون هو الرئيس المطلق

، فقوله : { وَنَفْسٍ } إشارة إلى تلك النفس التي هي رئيسة لعالم المركبات رياسة بالذات. الثاني : أن يريد كل نفس ، ويكون المراد من التنكير التكثير على الوجه المذكور في قوله : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } وذلك لأن الحيوان أنواع لا يحصى عددها إلا الله على ما قال بعد ذكر بعض الحيوانات : { وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] ولكل نوع نفس مخصوصة متميزة عن سائرها بالفضل المقوم لماهيته ، والخواص اللازمة لذلك الفصل ، فمن الذي يحيط عقله بالقليل من خواص نفس البق والبعوض ، فضلاً عن التوغل في بحار أسرار الله سبحانه” اهـ

إلا أننا نخالف الإمام الفخر قليلا ونرى أن المراد من “نفس” المنكرة في هذا السياق هو جنس الإنسان, فالإنسان والحيوانات والنباتات أنفس, وكلها خلقت بعد طحو الأرض, ولكن في هذا السياق يتحدث الله عزوجل عن أنفس بشرية اختيرت وسُويت, لتتولى عملية الخلافة على سطح الأرض, لذا صح استعمال النكرة هنا.

ولو استعمل في هذا السياق الذي يتكلم على العموم (السماء والأرض) وقال: النفس, لدخل تحتها بداهة كل الأنفس الحيوانية والنباتية, ولأصبح هذا يعني أن الحيوانات والنباتات مُمتحنة ومخيرة, ولها تقواها وفجورها! ولكن بما أن الحديث عن نفس مخصوصة وهي النفس الإنسانية استعمل النكرة.

إذا فالله تعالى –وهو أعلم بمراده- يقسم بالنفس الإنسانية وبالملائكة التي سوتها, والتسوية معروفة فهي تدل على الاستقامة والإكمال,
وهي كما جاءت في المقاييس:
“السين والواو والياء أصلٌ يدلُّ على استقامةٍ واعتدالٍ بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله. وفلانٌ وفلانٌ على سَوِيّةٍ من هذا الأمر، أي سواءٍ.
ومكان سُوىً، أي مَعْلَمٌ قد عَلِمَ القومُ الدّخولَ فيه والخروج منه.” اهـ

فإذا فهمنا أن المراد من ال “نفس” هو النفس البشرية في مقابل غيرها من الأنفس استقام المعنى في باقي السورة واتضح,
وسيظهر هذا لنا بعد سطور قلائل. ثم يقول الله عزوجل: “فألهمها فجورها وتقواها”, أي أن الله عزوجل ألهم النفس البشرية الفجور والتقوى, ولها حرية الاختيار والتصرف.

ولكن الله عزوجل يُذكر النفس حتى لا تنسى, وتظن أن حرية الاختيار هذه ليس لها مقابل أو جزاء,فيقول لها: “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”, أي نعم وإن كنا أعطيناكم أيها الناس فجورا وتقوى ذاتيين في أنفسكم, إلا أن التصرف تبعا لأي واحد منهما ليس سواء! فمن يزكيها يفلح ويفوز, ونلاحظ أن الله عزوجل استعمل هنا لفظ التزكية,

وهو كما جاء في المقاييس:
” الزاء والكاف والحرف المعتلّ أصلٌ يدل على نَمَاءٍ وزيادة.
ويقال الطَّهارة زكاة المال. قال *بعضهم: سُمِّيت بذلك لأنَّها مما يُرجَى به زَكاءُ المال، وهو زيادتهُ ونماؤه. وقال بعضُهم:سمِّيت زكاةً لأنّها طهارة. قالوا: وحُجّة ذلك قولُهُ جلَّ ثناؤُه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة 103].
والأصل في ذلك كلِّه راجع إلى هذين المعنيين، وهما النَّماءوالطهارة.” اهـ
إذا فالتزكية تدل على العلو والتطهر, وفي هذا إشارة إلى السماء المذكورة, فالإنسان قد يرتقي روحيا ونفسيا حتى يكاد يكون في طهارة ساكني السماء (الملائكة), وعلى النقيض من ذلك, قد ينزلها أسفل سافلين “وقد خاب من دساها”, والدس كما جاء في اللسان:

“الدَّسُّ: إِدخال الشيء من تحته، دَسَّه يَدُسُّه دَسّاً فانْدَسَّ ودَسَّسَه ودَسَّاه؛ ………. ودَسَسْتُ الشيء في التراب: أَخفيته فيه؛ ومنه قوله تعالى: أَم يَدُسُّه في التراب؛ أَي يدفنه. ……. والدَّسَّاسَةُ: حَيَّة صَمَّاء تَنْدَسُّ تحت التراب انْدِساساً أَي تَنْدَفِنُ، …” اهـ

وكما جاء في المقاييس:
“الدال والسين في المضاعف والمطابق أصلٌ واحد يدلُّ على دُخول الشيءِ تحت خفاءٍ وسِرّ. يقال دَسَسْتُ الشَّيءَ في التُّراب أدُسُّه دَسّاً. قال الله تعالى: أَيُمْسِكُه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ [النحل 59].


والدّسَّاسة: حيَّة صَمَّاء تكون تحت التراب.فأمّا قولهم دُسَّ البَعيرُ ففيه قولان، كلُّ واحدٍ منهما من قياس الباب.فأحدُهما أن يكون به قليل من جَرَب. فإن كان كذا فلأنّ ذلك الجربَ كالشَّيء الخفيف المُنْدَسّ. والقول الآخَر، هو أن يُجعل الهِنَاءُ على مَسَاعِرِ البعير. ومن الباب* الدَّسيس. وقولهم: “العِرْق دَسَّاس”؛ لأنَّه يَنْزِع في خَفَاءٍ ولُطف. ” اهـ

والدس معروف ولا نزال نستعمله حتى يومنا هذا بهذا المعنى. إذا فقد يزكي الإنسان نفسه حتى يرقيها إلى السماء أو يدسيها حتى يدفنها في الأرض, لا أن ينزل بها فقط إلى الأرض.

وكما رأينا فقد عرض الله تعالى في الآيات الماضيات صورة بديعة مدهشة ذكر فيها الإعدادات والتمهيدات التي أوجدت من أجل الإنسان, فنظام كوني بديع متمثل في الشمس والقمر والليل والنهار وبناء كوني أبدع, فسماء مبنية وأرض مطحوة ونفس مسواه,

كل هذا من أجل هدف واحد وهو أن يعد المسرح الذي سيزكي الإنسان نفسه عليه أو يرديها. وكما قلنا من قبل فإننا يمكننا أن نقسم الآيات إلى قسمين: الشمس ومتعلقاتها , والأبنية (السماء والأرض والنفس),
لذا فيمكن القول أن المشهد الكوني الذي ذكره الله عزوجل يمكن أن يكون إشارة إلى دور الوحي في حياة الإنسان, فالوحي والدين هو الشمس المنيرة والقمر إشارة إلى الرسول الذي يتبع الوحي ويظهر نوره, والنهار إشارة إلى التقوى الذاتية الموجودة في داخل النفس وهي التي تجلي نور الوحي, والليل إشارة إلى الفجور الذاتي الموجود في النفس والذي قد يغشى شمس الوحي فيذهب نورها.

وأما الأبنية المذكورة مع النفس فكما قلنا فهي إشارة إلى المنزلة التي يمكن أن تصل إليها النفس, فقد ترتفع وتزكو إلى السماء أو تنحدر وتسفل فتهبط إلى الأرض, فما أعظم وأروع هذه الإشارات والصور البديعة المذكورة في الآيات.

ثم يقدم الله عزوجل الدليل التاريخي للإنسان ونموذجا عمليا على خسران النفس, وأن القانون الرباني صادق واقع حتى ولو وقع على أمة بأكملها, فيقول:
“كذبت ثمود بطغواها”, ونلاحظ أن الله عزوجل ضرب المثل بثمود لأنها ممن دسوا أنفسهم أخيب تدسية, فهم الذين قال الله فيهم:
َوأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت :17 ]
والاختلاف في هذه الآية بين المفسرين حول كلمة “طغواها”, فما المراد منها, هل هي الطاغية التي أنزلت العذاب, أم أنها بمعنى طغيانهم؟
وفي هذا يقول الإمام الفخر الرازي:
“وفي التفسير وجهان : أحدهما : أنها فعلت التكذيب بطغيانها ، كما تقول : ظلمني بجراءته على الله تعالى ، والمعنى أن طغيانهم حملهم على التكذيب به هذا هو القول المشهور.
والثاني : أن الطغوى اسم لعذابهم الذي أهلكوا به ، والمعنى كذبت بعذابها أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب ، وهذا لا يبعد لأن معنى الطغيان في اللغة مجاوزة القدر المعتاد فيجوز أن يسمى العذاب الذي جاءهم طغوى لأنه كان صيحة مجاوزة للقدر المعتاد أو يكون التقدير كذبت بما أوعدت به من العذاب ذي الطغوى ويدل على هذا التأويل قوله تعالى : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة } [ الحاقة : 4 ] أي بالعذاب الذي حل بها ، ثم قال : { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } [ الحاقة : 5 ] فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية.” اهـ

ولكنا نخالف الإمام الفخر في هذه النقطة ونرى أن المراد من “طغواها” هو عذابها وليس طغيانها, لأننا إذا نظرنا في كتاب الله كله تحت “كذب ب” وجدنا أن الذي يأتي بعد الباء دوما هو المكذب به, لا سبب التكذيب, فيكون هذا مرجحا, كما أن كل الآيات القادمة سترجح هذا بإذن الله عزوجل.

إذا فالله تعالى يقول أن ثمود كذبت بطغواها “إذ انبعث أشقاها” أي أن هذا التكذيب وقع حين انبعث أشقاها, وفي هذا دليل على أن المراد من الطغوى هو العذاب الشديد المجاوز, إذ لو كان المراد من الطغوى هو الطغيان لكان معنى هذا أن ثمود لم تكذب إلا حين انبعث أشقاها لقتل الناقة, وهي كذبت بداهة قبل هذا! وذكر الإمام الفخر في تفسيره كلاما جيدا حول هذا الأشقى فقال:

” أحدهما : أنه شخص معين واسمه قدار بن سالف ويضرب به المثل يقال : أشأم من قدار ، وهو أشقى الأولين بفتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني : يجوز أن يكونوا جماعة، وإنما جاء على لفظ الوحدان لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تقول : هذان أفضل الناس وهؤلاء أفضلهم ، وهذا يتأكد بقوله : { فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا } [ الشمس : 14 ]” اهـ

وعندها “فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها” فحذرهم رسول الله صالح عليه السلام من ذبح الناقة أو التعرض لها أو منع السقيا, حيث قال لهم: “ويَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ [هود : 64]”

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا [الشمس : 14], فكما كذبوه سابقا بالطاغية كذبوه كذلك هنا حول نزول العذاب عند مس الناقة الضر, -وهذا دليل على أن الطغوى هي العذاب, ولو كان التكذيب بسبب الطغيان لكان الكلام مكررا, فهم مكذبون منذ بادئ الأمر-.

فلما كذبوه عقروها, “فدمدم عليهم ربهم بذنبهم” والدمدمة كلمة غريبة الوقع على أذن القارئ, ولكنها واضحة المعنى من خلال السياق, وهي كما ورد في اللسان:
“ودمَّ الرجل فلاناً إذا عَذَّبه عذاباً تامّاً، ودَمْدَمَ إِذا عذب عذاباً تامًّا.

والدَّيْمومةُ: المفازة لا ماء بها؛ وأَنشد ابن بري لذي الرُّمَّةِ: إذا التَخَّ الدَّياميمُ والدَّيْمُومُ والدَّيْمومةُ: الفلاة الواسعة.
ودَمْدَمْتُ الشيء إذا أَلْزَقْتَهُ بالأرض وطحْطحْته.
ودَمَّهُمْ يَدُمُّهُمْ دَمّاً: طحنهم فأهلكهم، وكذلك دَمْدَمَهُمْ ودَمْدَمَ عليهم.

وفي التنزيل العزيز: فدَمْدَمَ عليهم رَبُّهُمْ بذَنْبهم؛ أي أَهلكهم، قال: دَمْدَمَ أَرْجَفَ؛ وقال ابن الأنباري: دَمْدَمَ أي غَضِب.
وفي التكملة: ان دمم ودمدم بمعنى واحد). أي أطبقت عليه، وكذلك دَمَمْت عليه القبر وما أَشبهه.
ويقال للشيء يُدْفَنُ: قد دَمْدَمْتُ عليه أي سوَّيت عليه، وكذلك يقال: ناقة مَدْمُومة أي قد أُلبِسَها الشحمُ، فإذا كرّرتَ الإطْباقَ قلت دَمْدَمْتُ عليه.” اهـ

إذا فالله عزوجل دمدم عليهم أي عذبهم بالصاعقة الطاغية –والصاعقة صوت- بذنبهم, فهو لا يظلمهم ولا يظلم أحدا.
“فسواها”, والمعنى واضح من التسوية, ولقد ذكر الإمام الفخر احتمالات فقال:

“أما قوله : { فَسَوَّاهَا } يحتمل وجهين ، وذلك لأنا إن فسرنا الدمدمة بالإطباق والعموم ، كان معنى { فسوى } الدمدمة عليهم وعمهم بها، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل عليه السلام ، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعاً ، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وإن فسرناها بالتسوية كان المراد فسوى عليهم الأرض” اهـ

ولكنا نتوقف فنسأل: ما هو عود الضمير في “سواها”؟ على قولهم لا عود مذكور للضمير, أما على قولنا نحن بأن المراد من الطغوى هو العذاب الشديد, فيكون عود الضمير على “طغو اها” أي أن الله عزوجل سوى الصاعقة وأتى بها على أكمل وجه وأتمه, فأتت صاعقة طاغية مهلكة ماحية مستأصلة لدابر هؤلاء القوم المكذبين الذين دسوا أنفسهم ورفضوا الهداية فكانوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة.

ثم يختم الله تعالى السورة بقوله: “ولا يخاف عقباها” وهنا نتوقف لنسأل: ما المبرر من ذكر نفي الخوف من العقبى عن الله عزوجل, فما هو المذكور في هذه السورة والذي قد يدفع الإنسان إلى الظن بأن الله تعالى خاف عقباها, فذكر الله تعالى هذه الآية؟

ذكر الإمام الفخر أوجها محتملة في هذا فقال:
” ثم اختلفوا فقال بعضهم : لا يخاف تبعة في العاقبة إذ العقبى والعاقبة سواء ، كأنه بين أنه تعالى يفعل ذلك بحق . وكل ما فعل ما يكون حكمة وحقاً فإنه لا يخاف عاقبة فعله . وقال بعضهم : ذكر ذلك لا على وجه التحقيق لكن على وجه التحقير لهذا الفعل ، أي هو أهون من أن تخشى فيه عاقبة ،

والله تعالى يجل أن يوصف بذلك ، ومنهم من قال : المراد منه التنبيه على أنه بالغ في التعذيب ، فإن كل ملك يخشى عاقبة، فإنه يتقي بعض الاتقاء، والله تعالى لما لم يخف شيئاً من العواقب، لا جرم ما اتقى شيئاً” اهـ

أما نحن فنرى أن هذه الآية ذُكرت –والله أعلم- لكي يشير الله عزوجل للإنسان إلى أن الرب الذي سوى وخلق الإنسان وميزه عن باقي الدواب –الحيوانات- وكرمه جعل له منهجا وطريقا للصلاح والفلاح في الدنيا, فإن هو خالفه فكما سواه يسوي عليه العذاب ولا يخشى أن يستأصل العذاب النفس البشرية كلها إذا انحرفت أو ضلت, فالإنسان خُلق من أجل غاية فإن لم يحققها لا يستحق البقاء,

وأما الاختبار الرباني فمستمر “وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [الأنعام : 133]
فلسنا عزيزين على الله لكوننا بشر, ولكن نحن مكرمون لأننا نتبع المنهج والطريق الرباني.
إذا فالله عزوجل يشير بهذه السورة إلى أن أفعاله كلها على وجه الكمال والتمام وكلها محسوبة لا مجال للفوضى أو الصدفة أو الخلل فيها, فإذا خلق خلق فسوى, وإذا أنزل العذاب أنزله مسوى.

إذا وكما رأينا فإن الله عزوجل يشير بهذه السورة إلى أن النفس التي سُويت ومن أجلها أوجد الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض ليست ذات منزلة استثنائية وإنما هي ذات مقام محدود, فإذا تعدته استأصلت, وإذا أطاعت أمر الله عزوجل فازت وربحت. والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.