إقرأ باسم ربك !

قد يكون من العجيب عند بعض القراء أن تورد هذه الآية عند الحديث عن آيات الأحكام على الرغم من أنها تحتوي حكما فقهيا مباشرا , ولكن كل هذا راجع إلى المنهج الغير صحيح المتبع في التعامل مع كتاب الله عزوجل !

فإذا سألنا أي قارئ لكتاب الله عزوجل ما الذي تفهمه عند قراءة هذه الآية ؟ ستجد أنه يقول أن الله أمر النبي المصطفى بالقراءة عندما كان في غار حراء متعبدا باحثا عن خالق هذا الكون !

فإذا سألنا : هل هناك أي حكم فقهي في هذه الآية ؟ فسيأتي الرد الجازم : لا .

فإذا قمنا نحن بتطبيق منهجنا سنجد أن الآية والتي هي أول ما نزل من القرآن تحتوي حكما شرعيا واجب التنفيذ
وهو وجوب القراءة على كل مسلم ومسلمة بأي شكل كانت هذه القراءة سواء كانت القراءة من الكتاب أو القراءة على شيخ
, وليست هذه القراءة محصورة على القرآن فقط ولكن الأمر عام فكل ما يقرأ طالما أن الإنسان يقرأه باسم الله –
أي أنه يدخل تحت هذا الأمر كل أنواع القراءة ما عدا الأدب ! الإباحي والفكر الإلحادي – فهو تنفيذ لأمر الله تعالى . وكلما قرأ الإنسان المسلم أكثر وأكثر كان التزامه بالأمر وتطبيقه له أكثر ممن قلت قراءته .
فالأمر مفتوح مطلق وعلى الإنسان المسلم أن يجتهد في تطبيقه قدر الإمكان .

نعم نحن نقر أن هذا الخطاب كان للنبي المصطفى ولكن نسأل : هل هناك ما يدل في الخطاب على أن هذا من خصوصيات النبي حتى نحصر الخطاب فيه ؟
هناك الكثير من الآيات التي يظهر واضحا من خلال سياقها أن المخاطب المقصود بالخطاب هو النبي (ص) فقط , كما جاء في سورة المزمل وسورة الأحزاب , أما هنا فلا يوجد ما يخصص الخطاب , فلا بد من تعميمه واستخراج الحكم منه !
وقديما قال الفقهاء : الأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه صارف ! وأنا أتفق معهم في أن الأمر في القرآن للوجوب ما لم يصرفه صارف من النص القرآني لا العقل البشري !

فإذا نحن طبقنا هذه القاعدة الفقهية على هذه الآية وجدنا أنه كان يجب على السادة الفقهاء أن يستخرجوا حكما بوجوب تعلم القراءة والكتابة على المسلمين , ولكنا للأسف لم نجد من يقول بهذا القول , واكتفى عامة الفقهاء والمفسرين باعتبار هذه الآية خطاب للنبي (ص) مخصوصا به وبذكر مناسبة – وليس سبب- النزول .

وهنا نوضح للقارئ الكريم لم لم يقل السادة المفسرون والفقهاء أن الأمر في هذه الآية للوجوب أو أنه يحتوي أمرا فقهيا .
نحن قلنا أن القاعدة عندنا أن الأمر في القرآن للوجوب ما لم يصرفه صارف من النص القرآني . أما عندهم فالأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف . والصوارف عندهم كثيرة , فهنا على سبيل المثال لأنهم رأوا أن النبي (ص) لم يتعلم القراءة والكتابة وكذلك الصحابة فقالوا أن الأمر هنا ليس للأمر !

وهذا الفهم وهذا القول من عجيب الأقوال , فالنبي (ص) لم يكن فعلا يعرف القراءة والكتابة ” وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ” ولكن بعد البعثة أصبح (ص) كاتبا وقارئا – وليس هذا الموضع موضع إثبات هذه النقطة من الكتاب والسنة
وسنفرد لها موضوعا مستقلا بإذن الله تعالى – فهو بذلك كان ينفذ الأمر الإلهي له بتعلم القراءة .

أما قولهم بأن الصحابة رضوان الله عليهم ما تعلموا القراءة فهذا من العجب , وذلك لظنهم أن القراءة لا تكون إلا من الكتاب , مع أن القراءة قد تكون من كتاب أو على شيخ , ولقد تعلم الصحابة أفضل علم (القرآن ) على يدي أفضل شيخ معلم في التاريخ فنقلوا للبشرية خير علم وأنفعه .

أما التحجج بأنه لم يقل أحد من الفقهاء بهذا القول فليس هذا بحجة فعدم الدليل ليس بدليل كما يقول الأصوليون .
فإذا نحن نظرنا في السنة النبوية وجدنا فيها ما يصدق هذا الأمر وهو قول النبي (ص) ” طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) والحديث وإن كان به ضعف في السند ولكنه صحيح متنا تابع للقرآن .

وأرجوا أن يتفكر القارئ ويتصور كيف سيكون حال المسلمين إذا عرفوا أن التعلم – فالتعلم لازم من لوازم القراءة – فريضة على كل إنسان , فهل سيكون سلوك المسلمين تجاهه نفس سلوكهم الحالي , وهل كنا سنجد هذه النسبة الكبيرة من الأمية بين أمة المسلمين ؟!

إذا نخرج من هذا كله أن القراءة واجبة على كل مسلم وأنه على الإنسان المسلم أن يكثر من القراءة قدر المستطاع حتى ينفذ هذا الأمر الإلهي المهمل . والقراءة لا تتأتى إلا من خلال تعلمها . وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , كما يقول الفقهاء فيكون تعلم القراءة واجبا كذلك والله أعلى وأعلم .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.