الأخذ من ظهور بني آدم!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن آية سببت إشكالا كبيرا للمفسرين وللمتدبرين! وكنت أنا ممن توقفوا طويلا أمام هذه الآية لتأكدي من مخالفة التفسيرين المطروحين لمنطوق الآية,

إلا أننا لم أستطع أن أقدم فيها تصورا جديدا, فكنت أتركها, إلى أن فتح الله عزوجل لي فيها, فاستطعت أن أقدم تصورا جديدا منطبقا تمام التطابق مع الآية, إلا أنه مخالف كلية للتفسير المألوف لها!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف : 172]
والآية نموذج أكثر من رائع لتعامل المفسرين الإخباريين, الذين يقدمون الخبر على القرآن فيلوون عنق النص ليتبع الرواية!! بدلا من أن يردوها هي لمخالفتها النص القرآني المحكم!

كما أنها مثال أكثر من جيد لانحراف فهم المتدبر عن النص المطروح أمامه, وفهمه بشكل مخالف لما يقول, وذلك لقصور فكر المتدبر عن إيجاد تصور متطابق مع الألفاظ المعروضة في الآية بترتيب معين!

وسيرى القارئ الكريم كيف أن الآية صريحة ومدلولها واضح مباشر, ولكن قصور الأذهان المدعوم بالروايات الباطلة هو الذي أظهر هذا التعقيد.

ونبدأ باسم الله الرحمن الرحيم
اشتهرت هذه الآية بآية الذر, ومنها خرج المسمى المعروف في الفكر الإسلامي ب: عالم الذر, وملخص تفسير الآية أن الله عزوجل أخرج كل البشر من ظهر آدم عليه السلام ك ذرات, وخاطبهم وأشهدهم على وحدانيته وعرفهم به, ثم أعادهم مرة أخرى إلى ظهر آدم عليه السلام! وهذا الإشهاد حجة على بني آدم يوم القيامة!

وهذا التصور مخالف تماما لمنطوق الآية, وسيرى القارئ الكريم هذا عندما نبدأ في تحليل الآية, ولكن قبل ذلك نعرض ما ذكره الإمام الفخر الرازي عند تناوله لهذه الآية, والذي عرض من خلاله رأي المعتزلة, والذين رفضوا هذا التفسير وهذه الروايات لمخالفتها لمنطوق الآية وللإشكاليات العقلية الكبيرة التي سببتها, ثم قدّم تفسيرا مغايرا لها, وإن كان لا يتطابق تماما مع منطوق الآية!

قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: مفاتيح الغيب:
“روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سُئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة » وقال مقاتل : « إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه الذر سوداء كهيئة الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك.

ثم قال لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم»

أما المعتزلة: فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه, واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه :
الحجة الأولى لهم قالوا: قوله: {مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} لا شك أن قوله: {مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من قوله: {وَإِذْ أَخَذَ } فيكون المعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.

وعلى هذا التقديرفلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً.
الحجة الثانية: أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال: { مِن ظُهُورِهِمْ } بل كان يجب أن يقول : من ظهره ، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله : { ذُرّيَّتَهُم } لو كان آدم لقال ذريته .

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا : { إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا من قبل } وهذا الكلام يليق بأولاد آدم، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً .

الحجة الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل ، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل ولا بالكثير ،

وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلاً . فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة ، وجب القول بمقتضاه ،

 فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه ، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال؟. وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضاً التزام مذهب التناسخ .

لحجة الخامسة : أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة ، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع
.
الحجة السادسة : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم ، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة . وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات . وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة ،

فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالماً فاهماً عاقلاً؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟

الحجة السابعة : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا .
والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان؟

الحجة الثامنة : قال الكعبي : إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات؟ ………..

الحجة التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ،

فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال . وأما الثاني : وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم .

الحجة العاشرة: قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ} [الطارق : 5 ، 6 ] ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن .

فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة .

قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة . وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل .

الحجة الحادية عشرة : هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع ، بقي القول الأول . فنقول : إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل .

والثاني : يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات : أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في القبر ، ورابعها في القيامة . وأنه حصل له الموت ثلاث مرات . موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا ، وموت في القبر ، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر : 11 ] .

الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [المؤمنون : 12 ] فلو كان القول بهذا الذر صحيحاً لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطل . لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة ، والعلقة ، والمضغة ،

ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة ، وهو قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } وقوله : { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ } [ عبس : 17- 19 ] فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.” اهـ

وبعد أن ذكر الإمام الفخر الرازي الاعتراضات المنطقية الكثيرة حول الآية, ذكر التفسير الآخر لها, فقال:
“والقول الثاني :
في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات: أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشراً سوياً ، وخلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعه.

فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان ولذلك نظائر منها قوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [ فصلت : 11 ] ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل : 40 ] وقول العرب:
قال الجدار للوتد لم تشقني … قال سل من يدقني
فإن الذي ورايي … ما خلاني ورايي
وقال الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطنى …

فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لا طعن فيه ألبتة، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول: إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟” اهـ

وبعد أن عرضنا ما ذكره الإمام الفخر الرازي, نعرض ملاحظاتنا حول الآية ثم نعرض تصورنا لها:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف : 172]

أول ملحظ نأخذه على التفسيرين هو أن كليهما لم يفهم الأخذ بمعنى الأخذ, وإنما فهمه بمعنى الاستخراج!!!!
ولقد وقع أصحاب التفسير الروائي في هذا الفهم بسبب الرواية, ولما لم يستطع أصحاب القول الآخر أن يقدموا تصورا مخالفا جعلوا الأخذ بمعنى الاستخراج!! وهذا ما لا يكون, فالأخذ يكون بمعنى التناول وهو عكس العطاء! ولكن لما كان في الآية: من ظهورهم, فهموا أن الأخذ حتما هو بمعنى الاستخراج!

وهذا هو أكبر مأزق يقع فيه المتعاملون مع كتاب الله عزوجل, وهو فهم كلمة بمعنى آخر لكي تتوافق – في تصوره القاصر- مع كلمة أخرى!

لذا يجب عزيزي القارئ أن تفهم الأخذ بمعنى الأخذ وليس الاستخراج, لأن الله تعالى أعلم بالكلمات التي أنزلها في كتابه, ولو كان استخراجا لقال: أخرج أو استخرج!! وسنوضح للقارئ كيف أن الأخذ أخذ!

بعد ذلك نلاحظ أن الله تعالى قال: من بني آدم, وتصر الرواية على أنه آدم, ويجادل المتبعون للروايات بالباطل ليقولوا أنه لا تعارض وأن: آدم = بني آدم!! طالما أن المعصوم قد قال هذا!!! ولست أدري صراحة متى نرد الرواية لمخالفتها لكتاب الله عزوجل, إذا لم نرد أمثال هذه الروايات؟!

فهم يقرون أن الرواية تُرد إذا خالفت القرآن ولست أدري ماذا يريدون لكي يحكموا أن الرواية مخالفة للقرآن؟! الأسهل عندهم أن يلووا عنق الآية لتتبع الرواية بدلا من أن يردوها!

والعجيب أن الشيخ الألباني –رحمه الله- ضعف بعض هذه الروايات, سندا وليس متنا! ولو كان السند صحيحا لقبلت ولتقل الآية ما تقول فهي حتما تابعة للرواية وليست حاكمة عليها!!

ثم قال الله تعالى: من ظهورهم, ويصر أنصار الرواية على أنه: من ظهر, وأنه لا تعارض!!!
ثم قال الله تعالى: ذريتهم, ويصر أنصار الرواية على أنها ليست ذرية وإنما ذرات, كما أنها ذرات من آدم!!
ثم قال الله تعالى: وأشهدهم على أنفسهم, ويصر أنصار الرواية على أنه أشهدهم عليه!

تصور الآية:
الإشكال الأكبر في الآية هو كيف يكون الأخذ من الظهور ليس استخراجا؟! والحل بكل بساطة هو أن الجملة مثل قولنا:
أخذت الكلمة من فيه رطبة!
فهل المعنى أني مددت يدي فاستخرجت الكلمة من فمه, أما أني تلقيتها وأخذتها بعد خروجها من فمه مباشرة؟!
ومثل قولنا: أخذت الفكرة منه!

وأخذت المال من يده! أخذت الكرة من قدمه!
فكل هذه التعبيرات توضح جازما أن الأخذ من العضو لا يستلزم الاستخراج, ناهيك عن التعبيرات الأخرى المتعلقة بالأخذ, والتي لا علاقة لها بالأعضاء!

فعلى هذا يكون الله تعالى قد أخذ الذرية من ظهور بني آدم!

والإشكال الثاني الذي أنشأه المفسرون إنشاء هو قولهم أن الذرية بمعنى الذر! على الرغم من أن الذرية لم تأت في القرآن كله إلا بمعنى: ذرية!!! وهذه هي مواطن ورودها في القرآن:

إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ …[آل عمران : 3433-],
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران : 38],
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ …[النساء : 9], وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [الأنعام : 133],
أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف : 173]
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ … [يونس : 83]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً …[الرعد : 38]
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ …. [الإسراء : 3]
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً [مريم : 58]
فكما رأينا, فكلمة ذرية في القرآن الكريم كله بمعنى ذرية!! وعلى هذا الأساس يجب فهمها في الآية, والآية التالية لها تحتم هذا المعنى, فهي تتحدث عن الآباء, وعن كونهم ذرية! وكيف أنه لا يصح التحجج بشرك الآباء!

إذن فالله تعالى أخذ ذرية (أي أبناء) بني آدم وأشهدهم على أنفسهم!
وهنا نلاحظ أن الله تعالى قال: وأشهدهم على أنفسهم! أي أنه جعل بعضهم شهودا أو شهداء على بعض! في أنهم عرفوا أن الله تعالى هو الرب! وأصحاب التفسير الروائي يفهمون الآية بمعنى أن الله تعالى أشهدهم على نفسه!

والملاحظ أن السادة المفسرين الروائيين لم يلتفتوا إلى الحكمة من التقديم في الآية, فنلحظ أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم, وإنما قال: من بني آدم من ظهورهم, فتقديم بني آدم يفيد الحصر, أي أن هذا الأخذ حصل مع أبناء آدم فقط! ولم يحدث مع كل الذرية البشرية –كما يرى السادة المفسرون-, أي أن هذه الحادثة هي حادثة أخذ ميثاق مخصوصة وليست عامة, فالله تعالى أخذ ذرية بني آدم وأشهدهم على أنفسهم …..

وعلى الرغم من ذلك يصرون على أنها من آدم ومع كل البشر الذين لا يتذكرون شيئا!! ولست أدري ما فائدتها!

ونجمل تصور الآية للقارئ فنقول:
أخذ الله تعالى ذرية (أبناء) بني آدم -والذين ينتسبون إليه من ناحية الذكور-, وجعلهم شهودا على بعض أنه عرفهم به, ولم يخاطب الله تعالى هذه الذرية مباشرة, لأن الله تعالى لم يقل: وقال ألست بربكم! وإنما ذكر الكلمة مباشرة!

وكان هذا الإشهاد –والله أعلم- بواسطة الملائكة المجسمة, والتي كانت تعلم آدم عليه السلام ويراها -بشكل مخالف لشكلها الأصلي-, فأُخذت هذه الذرية وعُرفوا بالله عزوجل, (لأن البشر في هذه المرحلة كانوا لا يزالون في الطور الأول لهم وكانوا يُعلمون من الملائكة كل ما يحتاجون).(ومن الممكن أن يكون بشكل آخر, فالقول بالملائكة فرضية لا أكثر!)
وخُصت هذه الذرية بهذا الأمر لأن هذه الذرية هي التي سيأتي منها كل الأنبياء (لاحظ أنه كان هناك آخرون مع آدم لهم ذرياتهم!), فهي ذرية مختارة من آدم عليه السلام إلى المصطفى محمد! فلا يُقبل أن يدخل الشرك هذه الذرية المصطفاة, لذا كان هذا التعريف والله أعلى وأعلم!

والسياق العام الذي وردت فيه الآية يرجح هذا التصور, فالناظر في الآية السابقة لها, يجدها آية متعلقة بأخذ الميثاق من قوم مخصوصين, وكُلف هؤلاء القوم بحمل الدين وتبليغه الآخرين:
وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف : 171]
فالآية تتحدث عن أخذ الميثاق من بني إسرائيل وتكليفهم بتحمل أمانة الدين, وهم ليسوا كل البشر وإنما جزء سيحمل ويبلغ الآخرين,

وبعد أن قص الله تعالى هذا الأخذ والتحمل ذكر حالة أخرى مشابهة حصلت في الزمن الأول وهي تعريف ذرية بني آدم بالله عزوجل, وجعلهم شهودا على بعض في أنهم عرفوا! (لأنه لم يكن في ذلك الزمان أنبياء, لذا أصبحوا شهودا على أنفسهم, أما بعد ذلك عندما أتت الأنبياء والرسل أصبحوا شهودا على أقوامهم: “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً [النساء : 41])
وطولب هؤلاء بتعريف باقي البشر بالله عزوجل, وهي
المهمة التي تحملتها صفوة مختارة من بني آدم إلى المصطفى الكريم!

إذن وكما رأينا فيمكننا أن نفهم الآية فهما مباشرا, متطابقا مع منطوق الآية ولكن المطلوب هو أن نحلل ألفاظ الآية ونفهمها كما هي لا أن نميل بها بعيدا عما تقول لتتفق مع ما نتصور!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

تعديل وإضافة:
نلاحظ أن الله تعالى قال: ذريتهم ولم يقل: ذرياتهم, كما ورد في آيات أخرى, مما يرجح ما قلناه, ولو كان الأمر عاما مطلقا لكان من الأنساب أن يقال: ذرياتهم!

من الممكن القول أن قوله تعالى: …… أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف : 173/172]

هو خطاب لنا نحن المخاطبين بالقرآن وليس استكمالا لقص الموقف مع ذرية بني آدم, وتأمل الآية على هذا الأساس, فالله تعالى يقول أنه أخذ ذرية بني آدم وأشهدهم على أنفسهم بشأن ربوبيته,

ثم يقول لنا: أن تتحججوا يوم القيامة بالغفلة عن هذا, أو بأن الآباء أشركوا وكنتم ذرية من بعدهم أمر غير مقبول, لأننا بينا وفصلنا لكم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.