أهل الأعراف في أعالي الجنة وليسوا خارجها!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن آيات في سورة الأعراف, اختلف المفسرون في تحديد مدلولها اختلافا كبيرا, وجنح بعضهم إلى عدم الترجيح فيها! وإلى الاكتفاء بعرض الأقوال المختلفة فيها,
لذا نتناول اليوم بإذن الله وعونه اليوم تلك الآيات التي ذكر فيها أصحاب الأعراف, -والذين نرى أنهم حاق بهم الظلم الكبير بسبب أقوال المفسرين هذه!-

والتي تبدأ بقوله تعالى “وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ” وتنتهي بقوله تعالى ” وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ”

مقدمين للقارئ تصورا مغايرا مستخرجا من آي القرآن ومن سياق الآيات فقط, محاولين به فض الاشتباه الذي وقع فيه السادة المفسرون, ونبدأ بتقديم تصورنا لتلك الآيات, ثم نناقشها بعد ذلك:

يعرض الله تعالى في هذه الآيات نداء أصحاب الجنة –وهم في الجنة- لأصحاب النار –والذين هم في النار كذلك- أنهم قد وجدوا ما وعد ربهم حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟

فيرد أصحاب النار بالإيجاب, فيؤذن مؤذن بينهم باللعنة عليهم. ثم يوضح الله عزوجل لنا كيف أن بين أصحاب النار وأصحاب الجنة حجاب, فلا يَرى من في النار من في الجنة ولا العكس إلا من فوق الحجاب أو إذا رفع الحجاب!

ثم يعلمنا الله عزوجل أن على المنازل العالية المرتفعة “الأعراف” رجال يعرفون أصناف كل فريق في الجنة أو النار بعلمات يريهم الله إياها, ثم ينادي أصحاب الأعراف “الأنبياء و الأشهاد” أهل الجنة بالسلام, ويعلنون أن هؤلاء لم يدخلون الجنة وهم يطمعون, وإنما دخلوها بعدما طُهرت قلوبهم ونقيت!

فإذا صُرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار دعوا ربهم ألا يجعلهم مع القوم الظالمين, ثم ينادي أصحاب الأعراف بعضا من عتاة المكذبين المستهزئين بالمؤمنين, ويذكرونهم أن جمعهم وسبب كبرهم لم ينفعهم, ثم يقولون لهم أهؤلاء المؤمنون الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة, ثم يأمرونهم بأن ينتشروا في الجنة ويتمتعوا بها فلا خوف عليهم ولا حزن!

إذا فتصورنا كله للآيات هو بعد انتهاء الحساب وهو يدور في الجنة والنار وليس على أرض المحشر, ولنبدأ بمناقشة الآيات لنرى ماذا قال المفسرون فيها, ولم قالوا بهذا القول:

تكمن الإشكالية في هذه الآيات في تحديد من هم أصحاب الأعراف, وكذلك في تحديد الوقت الذي يقع فيه النقاش بين أصحاب الأعراف وبين أصحاب الجنة والنار! ونبدأ بعرض أقوال المفسرين أولا ثم ندلي بدلونا في النقاش: لخص الإمام الفخر الرازي في تفسيره الخلاف حول مسألة أصحاب الأعراف, فقال:
“وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع ، ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف ، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه .

إذا عرفت هذا فنقول : في تفسير لفظ الأعراف قولان :
القول الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار ، وهذا قول ابن عباس . وروي عنه أيضاً أنه قال : الأعراف شرف الصراط .

والقول الثاني : وهو قول الحسن وقول الزجاج : في أحد قوليه أن قوله : { وَعَلَى الأعراف } أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم . فقيل للحسن : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فضرب على فخذيه ثم قال : هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض ، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا!

أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم؟ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين : أحدهما : أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب ، الثاني : أن يقال إنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب.

أما على التقدير الأول ففيه وجوه : أحدها : قال أبو مجلز : هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، فقيل له : يقول الله تعالى : { وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ } وتزعم أنهم ملائكة؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث . ( والحق يقال أني كنت أعجب كثيرا من هذا القول, فلما نظرت في الآيات, ملت إلى هذا القول ورأيت له بعض المرجحات, ثم عدلت عنه لقوله تعالى “رجال” –عمرو-)

ولقائل أن يقول : الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية . وثانيها : قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهاراً لشرفهم ، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة ، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وثالثها : قالوا : إنهم هم الشهداء ، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال قوم : إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف اختصاص بهذه المعرفة ، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار (………………….)

فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة باطلة ، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها ، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء ، والملائكة والشهداء .

أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار ، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال ، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة ، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم . وأما قوله : { وَهُمْ يَطْمَعُونَ } فالمراد من هذا الطمع اليقين ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] وذلك الطمع كان طمع يقين ، فكذا ههنا . فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة (…………………….)
وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة ، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الاعراف ، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة ، فهم أبداً لا يجلسون إلا في الدرجات العالية .

وأما إن فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا إنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة.” اهـ

إذا فالإمام الفخر الرازي يرجح أن يكون أصحاب الأعراف هم الأشراف في يوم الحساب والذين يتأخر دخولهم الجنة إلى انتهاء الموقف ثم ينقلون إلى مواطن عليا في الجنة! وننظر فيما ذكره ابن عاشور في التحرير والتنوير لنشاهد وجهة نظر مختلفة:
“(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌوَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْأَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْيَطْمَعُونَوَإِذَا صُرِفَتْأَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَامَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ (
وضمير “بينهما”يعود إلى لفظي الجنّة والنّارالواقعين في قوله “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار” [الأعراف: 44]
وهما اسما مكان، فيصلح اعتبار التّوسّط بينهما. وجُعلالحجاب فصلاً بينهما. وتثنية الضّمير تُعيِّن هذا المعنى، ولو أريد من الضّميرفريقَا أهل الجنّة وأهل النّار، لقال: بينهم، كما قال في سورة الحديد” فضرب بينهم بسور”الآية. 
والحجاب: سور ضُرب فاصلاً بين مكان الجنّة ومكان جهنّم، وقد سمّاهالقرآن سوراً في قوله ” فضرب بينهم بسور لهباب”
في سورة الحديد (13
وسمّي السور حجاباًلأنّه يقصد منه الحجب والمنع كما سمّي سوراً باعتبار الإحاطة.

والأعراف: جمع عُرْف بِضّم العينوسكون الرّاء، وقد تضمّ الرّاء أيضاً وهو أعلى الشّيء ومنه سمّي عُرف الفرس، الشّعرالذي في أعلى رقبته، وسمّي عُرف الدّيك. الرّيش الذي في أعلى رأسه.و(أل) في الأعراف للعهد.
وهي الأعرافالمعهودة التي تكون بارزة في أعالي السّور. ليرقب منها النظَّارة حركات العدوليشعروا به إذا داهمهم. ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتّى تعرّف بلام العهد، فتعيّنأنّها ما يعهده النّاس في الأسوار. أو يجعل (ألْ) عوضاً عن المضاف إليه: أي وعلىأعراف السّور. وهما وجهان في نظائر هذا التّعريف كقوله تعالى “ فإن الجنة هي المأوى”[النازعات: 41]
وأيّاً مّا كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد منالأعراف مكاناً مخصوصاً يتعرّف منه أهل الجنّة وأهل النّار، إذ لا وجه حينئذٍلتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه.


وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنّكرة، إذ اقتضى المقامالحديث عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب، قبل أن يدخلوا الجنّة،فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار، ويعرِفون رجالاً من أهل النّاركانوا من أهل العزّة والكبرياء في الدّنيا، وكانوا يكذّبون وعد الله المؤمنينبالجنّة،وليس تخصيص الرّجال بالذّكر بمقتض أن ليس في أهل الأعرافنساء، 

ولا اختصاص هؤلاء الرّجال المتحدّث عنهم بذلك المكان دون سواهم من الرّجال،ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر، فذكروا هنا للاعتبار على وجه المصادفة، لا لقصدتقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم،ولعلّ توهّم أنّ تخصيص الرّجال بالذّكر لقصدالتّقسيم قد أوقع بعض المفسّرين في حيرة لتطلّب المعنى لأنّ ذلك يقتضي أن يكون أهلالأعراف قد استحقّوا ذلك المكان لأجل حالة لاحظّ للنّساء فيها، فبعضهم حمل الرّجالعلى الحقيقة فتطلب عملاً يعمله الرّجال لاحظ للنّساء فيه في الإسلام، وليس إلاّالجهاد،

(بداهة ليس مع ابن عاشور أي دليل فيما يقوله من احتمال أن يكون على الأعراف نساء! وإنما هي ترجيحات واجتهادات في مقابل النص! أما نحن فنأخذ بالنص كما هو وهو أنهم رجال لا أنثى فيهم, ولا يكون ذلك في الجهاد كما قال بعض المفسرين فالمرأة تجاهد, وإنما يكون ذلك في النبوة فقط, فما أرسل الله عزوجل إلا رجالا, لذا فيحق لنا أن نقول أنهم الأنبياء! –عمرو-) 
فقال بعض المفسرين: هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم، وبعض المفسّرينحمل الرّجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة، أطلق عليهم الرّجال لأنّهمليسوا إناثاً كما أطلق على أشخاص الجنّ في قوله تعالى” وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن” [الجن: 6] فيظهر وجه لتخصيص الرّجال بالذّكر تبعاً لما في بعض تلكالأحاديث التي أشرنا إليها.

وأمّا ما نقل عن بعض السّلف أنّ أهل الأعراف همقوم اسْتوت موازين حسناتهم مع موازين سيّئاتهم، ويكون إطلاق الرّجال عليهم تغليباً،لأنّه لا بدّ أن يكون فيهم نساء، ويروى فيه أخبار مسندة إلى النّبيء صلى الله عليهوسلم لم تبلغ مبلغ الصّحيح ولم تنزل إلى رتبة الضّعيف: روى بعضَها ابنُ ماجة،وبعضَها ابنُ مردويه، وبعضَها الطّبري،

فإذا صحت فإنّ المراد منها أن من كانت تلكحالتهم يكونون من جملة أهل الأعرافالمخبر عنهم في القرآنبأنّهم لم يدخلوا الجنّة وهم يطمعون. وليس المراد منها أنّهم المقصودُ منهذه الآية كما لا يخفى على المتأمّل فيها.

والذي ينبغي تفسير الآية به: أنّ هذهالأعراف جعلها الله مكاناً يوقف به من جعله الله من أهل الجنّة قبل دخوله إياها،وذلك ضرب من العقاب خفيف، فجعل الدّاخلين إلى الجنّة متفاوتين في السبق تفاوتاًيعلم الله أسبابه ومقاديره، وقد قال تعالى” لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة منالذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى” [الحديد: 10] 
وخصّ الله بالحديث في هذه الآيات رجالاً من أصحابالأعراف. ثمّ يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمّة الإسلاميّة خاصّة. ويحتمل أنيكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم، وأيّاما كان فالمقصود من هذه الآيات هم منكان من الأمّة المحمّديّة.” اهـ إذا فابن عاشور يرجح أن تكون الأعراف مكان عقوبة, وأصحاب الأعراف ممن يعاقبون عقوبة خفيفة!

وكما رأينا فكلا الإمامين يتفقان على أن حدوث مسألة الأعراف هذه يكون في موقف في يوم الحساب, على الرغم من قبول الإمام الفخر للاحتمالين أن أصحاب الأعراف هم الأشراف أو أصحاب المرتبة الدنيا, ورجح ابن عاشور أن أصحاب الأعراف ممن يعاقبون!

وندعوك عزيزي القارئ لتنظر في كتاب الله عزوجل لتعرف بنفسك لماذا رجحنا أن أصحاب الأعراف في الجنة وكيف أنهم أصحاب مرتبة عليا وليسوا معاقبين بأي حال, بل لهم مرتبة تكاد تقارب الملائكة! ونبدأ بعرض الآيات السابقة لهذه الآيات حتى يظهر التصور العام للموقف:
“فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَوَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَوَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ” اهـ

والآيات كلها كما ترى عزيزي القارئ لا ذكر فيها لحساب أو ما شابه وإنما تذكر استقرار كل فريق في مكانه, ثم بعد ذلك تحكي الحوارات التي تجري بينهم! ومن يقل بخلاف ذلك فليبرز لنا دليله من النص!

تبدأ الآيات بعرض الموقف منذ لحظة التوفي, ثم تعرض مشهد دخول المشركين النار, وانتهاء دخولهم جميعا وكيف أنهم يلعنون بعضهم بعضا. وهنا لنا أن نتوقف ونقرر حقيقة وهي أن أهل النار كلهم قد دخلوا النار فعلا, فلم يبق أي منهم في موقف الحشر وإنما أصبحوا فيها كلهم! ثم تعرض الآيات بعد ذلك (الملونة باللون البني) حال وعقاب المشركين, وكذلك حال المسلمين.

ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن المؤمنين, وكيف أنهم أدخلوا “أورثوا” الجنة بالفعل بعد أن نُزع ما في صدورهم من غل, ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون! وحتى لا يجادل أحد ويقول أن هذه الآية خطاب للمؤمنين الذين لم يدخلوا بعد من باب البشارة وأنهم سيدخلونها فيما بعد, نذكر آيات من سورة الزخرف, وفيها قال الله تعالى: “هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لايَشْعُرُونَ الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّإِلاَّ الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَاخَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”,
 فلقد دخلوا وبعدما دخلوا قيل لهم نفس الجملة التي قيلت لهم في الأعراف, فهذا دليل على أن أهل الجنة دخلوا الجنة فعلا, لا أنهم يُبشرون بذلك.
إذا فيمكننا أيضا أن نقرر أنه في هذه اللحظة أصبح أهل الجنة في الجنة, كما استقر أهل النار في النار! ولذلك قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره تعليقا على هذه النقطة:

“واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا } [ الأعراف : 43 ] دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده : { وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار } دل ذلك على أن هذا النداء إنما حصل بعد الاستقرار ،

 قال ابن عباس : وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقاً؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو” اهـ إذا فالإمام الفخر الرازي –وعامة المفسرين- يتفقون معنا على أن كلا الفريقين قد استقرا في مستقرهما, ولكنهم سيعودون فيقولون أن ما سيأتي بعد ذلك من الآيات هو في موقف الحساب, ولست أدري كيف!! 

فإذا قلنا نحن أن ما يأتي بعد ذلك من الآيات والحوارات التي تقع هي واقعة في الجنة والنار –أي بعد انتهاء الحساب- فلا حرج علينا وليس علينا أن نقدم أي دليل, فهذا هو المنطقي والبدهي أن تُعرض الأحداث متسلسلة مرتبة! وإنما على القائلين أن هذه الآيات هي في موقف الحشر أن يقدموا هم الدليل على حتمية أن يكون المشهد يصف موقفا حدث قبل الموقف السابق! ونحن لا نرفض أن يعرض القرآن بعد المواقف بترتيب عكسي –

انظر تناولنا لسورة القيامة على الموقع!- ولكن يكون الأمر واضحا وجليا من خلال النص أن عرض الأحداث عكسي, فما الذي يشير هنا إلى ذلك؟

ثم تقرر الآيات أن أصحاب الجنة –الذين دخلوها حتما بتأكيد الآية الماضية- ينادون أصحاب النار, -والذين هم في النار فعلا- أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم حقا, فهل وجدوا ما وعدهم ربهم حقا.

وهنا نأتي إلى الآية الفاصلة, وهي قوله تعالى “وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ….” ولنا أن نتوقف لنسأل: ما المبرر القوي الذي يحتم أن تكون هذه الأعراف في أرض الموقف وليست في الجنة؟ كما قلنا سابقا لقد دخل كل فريق إلى مستقره, فلم العودة هنا إلى موقف سابق للموقف المذكور؟

ما المرجح من النص وليس من أقوال فلان أو علان؟ لا نجد في النص أي إشارة إلى حتمية عود العرض إلى سابق, وإنما الطبيعي أن يكون هذا الموقف قد حدث بعد أن دخل كل فريق مستقره, ونادى أهل الجنة أهل النار! والذي أدى بالمفسرين إلى القول بهذا القول, هو إسقاطهم ما ورد في سورة الحديد على ما جاء هنا! على الرغم من اختلاف الموقفين,

فما ورد في سورة الحديد هو في موقف الحساب, ويدل النص صراحة على ذلك, فلم يكن كلا الطرفين قد دخل إلى مستقره بعد, ثم إن السور الذي ضرب ضرب بين المؤمنين والمنافقين, وهنا حديث عن حجاب بين أهل الجنة والنار! فما العلاقة؟ ونذكر آيات سورة الحديد حتى يظهر الأمر جليا للقارئ: “يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَأَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ (فهم يبشرون بالجنات أي أنهم لم يدخلوها بعد –عمرو-) تَجْرِي مِنْتَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُيَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُلِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواوَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌبَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا.. “

إذا وكما رأيت عزيزي القارئ فإن الموقفين مختلفين, ونطلب إليك أن تعيد قراءة آيات الأعراف, لتتأكد أن هذه تحكي موقفا مغايرا تماما لما ورد في الحديد!

والأعراف المكان العالي المرتفع, والذي يستحق هذه المرتبة هم الأنبياء والأشهاد, وهم الذين يخاطبون كلا الفريقين! وهم الذين أعطوا هذه المزية, وهي أنهم يعرفون كلا بسيماهم! أما أن نقول أن الأعراف في أرض المحشر فلا دليل على عودة الآيات لذكر موقف الحساب بعد أن دخل الفريقان مستقرهما, فالسياق يقول أنهما في الجنة والنار, لذا فحتما الأعراف في أحدهما, ويرجح السياق أنهم في الجنة لا في النار.

ولقد توقف المفسرون عند مسألة معرفة كلا بسيماهم, فقدموا فيها أقوالا لا تشفي الصدر, فنجد على سبيل المثال أن الإمام الفخر الرازي يقول في تفسيره :
“ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله : {بسيماهم} على وجوه .
فالقول الأول : وهو قول ابن عباس : أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه ، كما قال تعالى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [ آل عمران : 106 ] وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلاً من آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة ، وكون عيونهم زرقاً.
ولقائل أن يقول : إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات؟ لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس ، وذلك باطل . وأيضاً فهذه الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة ، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص ، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة ، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص .

والقول الثاني : في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضاً بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا ، وهذا الوجه هو المختار.” اهـ

أما نحن فنقدم قولا مختلفا –وإن كنا لا نجزم به- ولكنه يقدم مدلولا جيدا للآية: قلنا أن أصحاب الأعراف هم الأنبياء والأشهاد, وهؤلاء لهم مزية كبرى, وهي القدرة على معرفة أهل الجنة والنار, وليس المراد من قوله تعالى أنهم يعرفون كلا بسيماهم, أنهم يعرفون أهل النار أو الجنة بسيماهم, فهذا يميزه كل إنسان,

وإنما المقصود أنهم ينظرون إلى الواحد –أو الجماعة- منهم, فيعرفون من أي صنف هو, هل كان من المتكبرين الجبارين أم كان من التابعين الذين دخلوا النار بسبب اتباع الأسياد, هل كان من المنافقين أم من عتاة المكذبين! وهكذا إلخ أصناف الكفار في النار ومثله في الجنة!

إذا فأصحاب الأعراف –أي أصحاب المنازل العالية والمرتفعة في الجنة يعرفون أصناف الفريقين ويميزونهم, ثم هم ينادون أصحاب الجنة “ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم”, ونلاحظ أنهم ينادونهم بنفس النداء الذي نادتهم به الملائكة وتناديهم به “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل : 32]”
” جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد : 24,23]

فكما رأينا فالملائكة تناديهم بالسلام, وكذلك أصحاب الأعراف, فهل يناسب ذلك أن يكونوا من المعذبين أم من الأنبياء والأشهاد؟! ثم نأتي إلى الجزء الأخير الذي أثار لبسا شديدا في الآيات, وهو قوله تعالى “لم يدخلوها وهم يطمعون”, حيث قال عامة المفسرين أن قول أصحاب الأعراف انتهى عند قوله تعالى “سلام عليكم”, ثم ابتدأ كلام الله واصفا لحالهم: “لم يدخلوها وهم يطمعون”,

ولنا أن نتوقف لنسأل: ما الدليل على انقطاع الكلام؟ أليس من الأولى أن نجعل هذه الجملة من كلامهم, لأنه لم يقم الدليل القوي على استحالة أن يكون الكلام لهم؟ -ونطلب إلى القارئ أن يتتبع الكلمات التي لوناها باللون الأزرق في الآيات الكريمات والتي تشير إلى النداء أو القول أو الآذان-, ليرى بنفسه كيف أنه لا تداخل أبدا مع أقوال أي فريق منهم, وعندما يتحدث الله عزوجل فإنه يبدأ الكلام في آيات جديدة, ولم يحدث أن دخل كلام الله مع كلام أي فريق, فلم القول بالتداخل هنا؟!

وعلى الفرض أن قوله تعالى “لم يدخلوها وهم يطمعون” ليس من كلام أصحاب الأعراف, وإنما هو من قول الله تعالى, فليس هناك أي تعارض, فالله تعالى يصف أصحاب الأعراف بوصف جديد, بخلاف كونهم يعرفون كلا بسيماهم وهو أنهم لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون, وذلك مثل قولي: لم أنجح وأنا ألعب, أي أني نجحت باجتهادي, فلم يكن هناك تكاسل أو تهاون!

أما على قولهم فهم يقدرون محذوفا أي أن المراد: “لم يدخلوها وهم يطمعون” في دخولها! وبغض النظر عن المحذوف من خلافه فلقد قلنا أن هذا الحوار يدور بعد أن دخل كل فريق إلى مستقره, فهل على الذهن أن ينصرف إلى كون الأعراف في أرض المحشر أم في الجنة؟!!

ونحن نذكر هذا الرأي احتمالا ليس أكثر, فنحن نرى أن هذا القول صادر عن أصحاب الأعراف في حق أصحاب الجنة!

ثم تذكر الآيات كيف أن أبصارهم تصرف إلى أصحاب النار –في النار- فيدعون ربهم ألا يجعلهم مع القوم الظالمين! ثم ينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم – ليس فقط أنهم من أصحاب النار,
وإنما يعرفون أنهم كانوا من المتجبرين المعاندين, فيقولون لهم أن جمعهم وما كانوا يستكبرون لم ينفعهم! ثم يواصلون مخاطبتهم فيقولون: أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ, فيأمرون المؤمنين الموجودين في الجنة بالدخول في الجنة, والانتشار فيها, ففيها لا خوف ولا حزن!

ونجد في أقوال المفسرين عند تعاملهم مع هذه الآية اضطرابا كبيرا, وذلك لعدم وجود تصور محدد للآيات من أولها, فنجد أن الإمام الفخر الرازي مثلا يقول: “……. ثم زادوا على هذا التبكيت ، وهو قولهم : { أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ }
فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة ، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم ، وربما هزؤوا بهم ، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم ، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية ، لمن كان مستضعفاً عنده قلق لذلك ، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه .

وأما قوله تعالى : { ادخلوا الجنة } فقد اختلفوا فيه . فقيل هم أصحاب الأعراف ، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول . 
وقيل : بل يقول بعضهم لبعض والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة ، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم ، وعلى هذا التقدير فقوله : { أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } من كلام أصحاب الأعراف . وقوله : { ادخلوا الجنة } من كلام الله تعالى ، ولا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : فقال الله لهم هذا, ” اهـ

والقول بمحذوف في القرآن قول مرفوض, ولكي يقدم الإمام الفخر قولا مقبولا اضطر للقول بمحذوف, لأنه لو لم يقل بهذا لكان القائل هم أصحاب الأعراف, وهذا لا يتناسب مع ما يقدمه منذ آيات عدة, من أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم!

أما الإمام الألوسي فقدم قولا مقبولا في تفسيره, فقال:
“{ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } من تتمة قولهم للرجال فهو في محل نصب مفعول القول أيضاً أي قالوا : ما أغنى … وقالوا : أهؤلاء …. ، والإشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كان الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أنهم لا يصيبهم الله تعالى برحمة وخير ولا يدخلهم الجنة كسلمان وصهيب وبلال رضي الله تعالى عنهم أو يفعلون ما ينبىء عن ذلك كما قيل ذلك في قوله تعالى : { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } [ إبراهيم : 44 ] .
{ ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }
من كلام أصحاب الأعراف أيضاً أي فالتفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم : دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة . وقيل : هو أمر بأصل الدخول بناءً على أن يكون كونهم على الأعراف وقولهم هذا قبل دخول بعض أهل الجنة الجنة . (وهذا ما ينفيه السياق! ولا دليل عليه –عمرو-) وقال غير واحد : إن قوله سبحانه : { أهؤلاء } الخ استئناف وليس من تتمة قول أصحاب الأعراف ، والمشار إليهم أهل الجنة

والقائل هو الله تعالى أو بعض الملائكة والمقول له أهل النار في قول، (وهذا أيضا تنفيه الآيات, فنحن نجد تحديدا للقائل دوما عن طريق ذكره تعالى ل “قال” “قالوا” “نادى” … إلخ, فلم هنا ننزع ونقول أن القائل مختلف بلا دليل؟ -عمرو-) وقيل : المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم القائلون أيضاً والمقول لهم أهل النار ، و { ادخلوا الجنة } من قول أهل الأعراف أيضاً أي يرجعون فيخاطب بعضهم بعضاً ويقول : ادخلوا الجنة ، ولا يخفى بعده ، وقيل : لما عير أصحاب الأعراف أصحاب النار أقسم أصحاب النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله تعالى أو بعض الملائكة خطاباً لأهل النار :

أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة اليوم مشيراً إلى أصحاب الأعراف ثم وجه الخطاب إليهم فقيل : ادخلوا الجنة الخ؛ (قول بلا دليل يقسم الكلام إلى خطابين لفريقين منزوع من السياق –عمرو-) ” اهـ

أما نحن فنقول أن الخطاب في الآية من أولها هو من أصحاب الأعراف إلى أهل النار “أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ” وهو استكمال للآية الماضية, ثم ينقلون خطابهم إلى أهل الجنة فيقولون لهم: “ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ”.

وقد يتوقف القارئ ويسأل: كيف يقال لأصحاب الجنة: ادخلوا الجنة وهم قد دخلوها فعلا؟ ألا يعد هذا منافيا لكل ما تقول؟
نقول: لا إشكال على الإطلاق, فأصحاب الجنة كما قلنا كانوا في نداء للكافرين, وهذا يستدعي كونهم في أطراف الجنة فيقال لهم ادخلوا الجنة! وبغض الطرف عن كونهم في الأطراف فلا إشكال في أن يقال لهم “ادخلوا” وهم فيها,

فلقد قال الله تعالى في سورة الحجر:
“إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍا دْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناًعَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ” فتبعا لنص الآية هم في جنات وعيون وسيقال لهم: ادخلوها بسلام آمنين! ولما كان هنا الأمر واضحا حاول الإمام الفخر أن يبرر ذلك, فقال:

“وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم ادخلوها ؟ والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : { ادخلوها بِسَلامٍ } . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : { ادخلوها بِسَلامٍ ءَامِنِينَ } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها” اهـ

وقال في سورة يوسف: “فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ [يوسف:99]” فكما لاحظت عزيزي القارئ فلقد دخل أهل يوسف عليه, وهو في مصر ولكنه على الرغم من ذلك يقول لهم: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين!

ولقد انتبه الإمام الفخر –رحمه الله- إلى هذه النقطة وحاول أن يجد لها حلا,فقال:
“اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر . قال : لا هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب عليه السلام : السلام عليك ………. فإن قيل : ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ قلنا : كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال لهم : { ادخلوا مِصْرَ } . أما قوله : { دَخَلُواْ على يُوسُفَ ءاوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } ففيه أبحاث : البحث الأول : قال السدي إنه قال : هذا القول قبل دخولهم مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم وهذا هو الذي قررناه، (ونحن نرفض هذا التقرير لأن الله تعالى قال أنهم هم الذين دخلوا عليه, ولقد تكررت هذه الجملة في السورة أكثر من مرة وكانت تعني دوما أنهم دخلوا عليه في قصره, فما وجه الخلاف في هذه المرة حتى نقول أنه هو الذي خرج لهم؟ هل الإسرائيليات؟! بداهة هي مرفوضة –عمرو-)وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بقوله : { ادخلوا مِصْرَ } أي أقيموا بها آمنين، سمى الإقامة دخولاً لاقتران أحدهما بالآخر .” اهـ

ورحم الله ابن عباس فلقد أصاب المعنى أو كاد, فمن خلال هذه الآية وآيات أخر نستطيع أن نحدد معنى الدخول, فقد يأتي فعلا بمعنى الولوج المعروف, وهو أن أكون في مكان فألج إلى آخر, ولكنه قد يأتي أيضا بمعنى الولوج بتمكن وبطمأنينة واستقرار فيما أنا فيه فعلا!

وليس يشترط أن ألج من الخارج إلى الداخل فقد أدخل فيما أنا فيه! فعندما ولج أهل الجنة الجنة كانوا بداخلها فعلا, ولكنهم كانوا بحاجة إلى أن يقال لهم كما قيل لأهل يوسف: ادخلوا مصر! على الرغم من كونهم قد دخلوها فعلا! أي انتشروا فيها كما يحلو لكم, وعيشوا فيها وأقيموا مطمئنين فلا خوف ولا حزن!

فهم كانوا لا يزالون حديثي عهد بالجنة ولا يعرفون كيف ومتى وإلى أين يتحركون! فلما قيل لهم هكذا اطمأنوا وبدأوا بالحركة والتمتع بنعيم الجنة. –ونطلب إلى القارئ أن يعيد قراءة آية الرعد بناءا على ما قلنا “جنات عدن يدخلونها … والملائكة يدخلون عليهم من كل باب”, أي أنهم يتمتعون ويقيمون فيها بأمان, لذلك قال “فنعم عقبى الدار”- فلما شاهد أصحاب النار ذلك نادوهم وطلبوا إليهم أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله ……….”

وفي النهاية نقول: انظر أخي في الله في هذا التصور الذي قدمناه, والذي يسير تبعا للآيات ولا يضيف عليها شيئا من عنده, وكل ما هنالك أنه اجتهد في تحديد أصحاب الأعراف,

وقد يكون الاجتهاد خاطئا ولكن التصور يسير كله تبعا للآيات, فلم ينزعها من سياقها أو يضيف بعض استنتاجات من عنده يكمل بها الصورة المطروحة في الآيات! فإذا رأيت أننا نزعنا آية من سياقها فأخبرنا كيف وأين حدث هذا, غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.