التمايز

بين أثر الفراشة .. والمقتلة
بالأمس كتبت بوست حول المعركة الدائرة حاليا في غزة قلت فيه:
ألا ترى أنها معركة التمايز الكبرى؟
غالبا لا ترى ولكنك سترى!
ورفض بعض الأصدقاء ما قلت وضحكوا منه، وكان الاعتراض بأنه مفيش تمايز ولا كبرى ولا حاجة!

وهنا أوضح بعض النقاط بخصوص البوست لماذا قلت هذا، وكيف أنه كلام استشرافي نابع من قراءة لسنن التاريخ وأحداثه والسياقات السياسية الحالية وأبدأ فأقول:
1- مبدئيا أنا لا أومن بسردية أحداث آخر الزمان من ألفها إلى يائها، سواء معركة المسلمين مع اليهود وشجر الغرقد، ونزول المسيح والدجال … الخ، وهي عندي مما دُس في الدولة الأموية قبل ظهور العباسيين.

2- التعويل في كلامي في البوست هو الشعوب والأفراد وليس الحكومات! ومن ثم فأنا لا أتحدث عن معركة كبرى ستتحد فيها الحكومات “الإسلامية” مقابل الزهاينة، فهذا عندي من المستبعد جدا! إلا إذا حدث انقلاب هنا أو هناك، فربما تنضم دولة لمحور المقاومة.

3- عندما أتحدث عن التمايز فلا يعني هذا أنه سيحدث غدا أو بعد شهرين، وإنما هي عملية طويلة ستأخذ سنينا .. وليس عقودا، ولكنها بدأت وتحدث ومستمرة وتأخذ خطوات إلى الأمام.

4- المعركة الدائرة حالياً ليست معركة “عادية” ستنتهي وتمر وينسى الناس ما فيها ويعود الناس إلى حياتهم، وإنما هي تختلف من زوايا كثيييييييييييرة، منها:
أولا: هذه معركة “محملة” بصبغة دينية حول أرض “مقدسة”، وليس مجرد معركة حول قطعة أرض، ومن ثم فهناك مئات الملايين من المسلمين الذين يتحدثون عما يحدث، وينقلون وجهة نظرهم ورؤيتهم للأحداث لغير المسلمين، سواء من أفراد الشعوب الغربية أو الآسيوية، بل وأصبح هناك مؤثرون غربيون يتبنون وينقلون هذا المنظور لمتابعيهم.

ثانيا: ما يحدث هو في المقام الأول “مقتلة” كبرى، يستبيح فيها جيش نظامي مدنيين ويقوم بعملية إبادة واسعة بوحشية منقطعة النظير، وليس معركة بين جيشين أو دولتين، فلا يمكن أن تقارن هذه المعركة مثلا بالقتال الدائر بين روسيا وأوكرانيا، حيث يتقاتل جيشان نظاميان، وهذه المقتلة ستترك أثرا كبيرا وجرحا غائرا في جبين وضمير الإنسانية، ولن تمر هكذا مرور الكرام! والظن أو الزعم أن المقتلات الكبرى لا تترك أثراً كبيرا يخالف وقائع التاريخ، وكلنا يعرف أن الدولة الأموية كان انهيارها نابعا بدرجة كبيرة من مقتلة الحسين، فالمؤلفون والأدباء والمؤثرون والفنانون سيخلدون هذه المذبحة في أعمال كثيرة لن تستطيع الحكومات منعها.

ثالثا: الأحداث الدائرة تُبث –بدرجة ما- على الهواء مباشرة، ولا يقتصر البث على الروايات الحكومية وإنما يتعداه إلى مؤثرين ومغردين، ذوي منظور “إنساني” ينطلق من منطلقات غير منطلقات الإعلام الغربي الموجه، وها نحن مثلا نجد صحفا يابانية .. يابانية تتحدث عن فدائية يحيى السنوار، ومغردون يابانيون يصفون السنوار بأنه يجسد روح الساموراي! ومن ثم فما يحدث هنا ليس معركة داخلية وإنما أحداث يتابعها العالم.

رابعا: إسرائيل لم تفلح في حسم المعركة، نعم هي قادرة على إبادة كل فلسطيني غزة في ثلاثة أيام، ولكنها لم ولن تفعل –لأسباب كثيرة-، والمعركة طالت واستطالت، والواضح أنها تتمدد وتنتشر، وأن إسرائيل تفتح على نفسها أبوابا ومسارات ستنغرس فيها أكثر وأكثر لفترة طويلة جدا، وأعداء أمريكا مثل الصين وروسيا وغيرهم حريصون أشد الحرص على دعم إيران وتابعيها من أجل استنزاف أمريكا إلى أقصى مدى وإضعافها لأكبر درجة بدون دخول في معركة مباشرة، ومن ثم يمكننا الحديث عن معركة تدعمها الكتلة الشرقية: إيران الصين روسيا (أنا أحسب روسيا من الشرق) ومن الناحية الأخرى الكتلة الغربية وعلى رأسها أمريكا … والتي تعاني من العديد من المشاكل التي أنهكتها على مستويات عديدة.

خامسا: لست أدري كيف يزعم أحد أنه مفيش معركة ولا حاجة بينما هناك احتمالية لحرب عالمية ثالثة! أنا عن نفسي لا أعتقد أنها ستحدث، ولكن من يبسط الأمور غالبا ما يحدثك عن أثر الفراشة وكيف أن فراشة تحرك أجنحتها مش عارف فين قد تتسبب في إعصار مش عارف فين، يستبعد أن تترك هذه المعركة -الممتدة لأكثر من عام وربما لعامين أو أكثر- أثرا في نفوس البشر، مع هذا الزخم الإعلامي الكبير بالتوازي مع الإعلام الرسمي، إنا حربا مثل حرب فيتنام تركت أثرا كبيرا في الشعب الأمريكي حتى الآن، (بعدد بسيط يسير من الصور والفيديوهات) فكيف لا تترك المجزرة الحالية أثرا أكبر بهذا الكم الهائل من التوثيقات.

سادسا: هذه المعركة سيترتب عليها لا محالة حالة من التطرف “الإسلامي” سواء انتصرت إسرائيل (وهو ما لا أعتقده) أو انهزمت، ففي حالة انهزامها ستتصاعد الأصوات الأصولية الداعية للعودة إلى الذات والتمسك بالتراث واستبعاد أتباع الغرب .. الخ، وإذا انتصرت فستكون هناك دعوات للثأر وستكون هناك “ملاطم” كبرى في العالم الإسلامي بكاءً على ما حدث وعلى الأقصى الذي ضُيع وعلى وعلى ولا يُستبعد حدوث ثورات تأتي بمتشدددين! في النهاية سيكون هناك تشدد لا محالة. وكذلك الحال في الغرب حيث ارتفعت –في دول عدة- أصوات المتشددين من الآن وهم من يتصدرون المشهد.

5- المقتلة الدائرة حاليا –واستمرارها- كشف زيف كثير من الدعاوى الغربية مثل دعم حريات الشعوب، ومناصرة الفئات المستضعفة، ومن ثم فكثير من أتباع تلك الشعوب أصبحوا –وسيصبحون- في حالة مسائلة لقيمهم التي لُقنوها، هل هذه القيم حقيقية أم أنها مجرد دعاوى وشعارات فارغة.

في النهاية أكرر:
عملية التمايز التي أقصدها هي عملية ستحدث نتاج الجهد الفردي والجماهيري سواء الأدبي أو الفكري، وذلك لأن أثر وسيطرة “الدولة” يخفت كثيرا وتتسع مساحة الفرد ونتاجه، ولهذا ستكون هذه المعركة المدعومة من قبل الأفراد والحكومات ملهمة لإنتاج الكثير والكثير من الأعمال الفكرية والأدبية ولمراجعة الكثير والكثير من الأفكار والفلسفات، وعندها ستُمسك فئة وفئات بالمبادئ بغض النظر عن جنسها، وسيكفرون بكثير مما لُقنوا وفي الناحية الآخرى سيلقي كثير آخرون بالمبادئ خلف ظهورهم وسيمسكون بانتمائتهم العرقية والدينية.

ولهذا أجزم أن العالم على المستوى الفكري والديني (قبل السياسي) بعد مقتلة غزة لن يكون مثله قبلها.
وأكتفي بهذا القدر حتى لا أطيل.
وسلام

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

هل يحق للطبيب او المهندس الإعتراض على تعريب العلوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.